أعلن المتحدث باسم وزارة الزراعة خالد جاد، في مصر، تصدير أكثر من 420 سلعة زراعية إلى 170 دولة، مع تحقيق اكتفاء ذاتي كامل في الأرز والسكر والبيض والألبان، فكانت النتيجة سؤالاً غاضباً عن غلاء لا يشعر بأي اكتفاء. 

 

وفي بلد يلهث فيه المواطن خلف كيلو السكر والبيض والدواجن، تتحول أرقام الحكومة إلى دعاية باردة، لأن السؤال الحقيقي ليس كم تصدر مصر، بل لماذا لا تصل وفرة الإنتاج إلى موائد المصريين بأسعار محتملة.

 

كما أن الحديث الرسمي عن الاكتفاء الذاتي يصطدم مباشرة بحياة يومية مليئة بالفواتير، فالأسرة لا تقيس الزراعة بعدد الأسواق الدولية، بل بسعر كرتونة البيض وكيلو الأرز والدواجن والسمك في آخر الشهر.

 

أرقام براقة وسوق يئن

 

لذلك تبدو تصريحات وزارة الزراعة مزدوجة الأثر، فهي تعلن نجاحاً تصديرياً واسعاً، لكنها تفتح باباً محرجاً حول علاقة هذا النجاح بالسوق المحلي، وهل يحصل المصري أولاً على غذائه قبل سفره للخارج.

 

ومن ثم فإن تصدير 420 سلعة إلى 170 دولة قد يكون إنجازاً تجارياً، لكنه يصبح سياسياً واجتماعياً موضع اتهام حين يشعر المواطن أن أفضل المحاصيل تذهب للدولار بينما يشتري هو الأقل والأغلى.

 

غير أن تصريحات خالد جاد عن الاكتفاء الكامل في الأرز والسكر وبيض المائدة والألبان الطازجة، واكتفاء الدواجن بنسبة 97% والأسماك 93%، تجعل فجوة الأسعار أكثر استفزازاً لا أقل.

.

علاوة على ذلك، فإن وزارة الزراعة أعلنت سابقاً تخطي الصادرات الزراعية حاجز 6.8 مليون طن، باعتباره إنجازاً يعزز قدرة مصر التنافسية، بينما بقيت أسعار الغذاء داخل السوق مصدر شكوى يومية. 

 

بناءً على ذلك، لا يمكن اختزال الأزمة في الإنتاج وحده، لأن الوفرة لا تعني العدالة، والتصدير لا يعني الأمن الغذائي، والاكتفاء لا يعني شيئاً إذا فقد المواطن القدرة على الشراء.

 

في المقابل، يحتاج الخطاب الرسمي إلى إجابة واضحة: هل زادت الصادرات لأن الإنتاج فاض بعد تلبية السوق، أم لأن العائد الدولاري صار أولوية تتقدم على قدرة المصريين على شراء الغذاء.

 

كذلك فإن الخبير الزراعي نادر نور الدين يذكّر في أحاديثه بأهمية الاكتفاء في محاصيل مثل الأرز والأسمدة، لكنه يربط الملف دائماً بإدارة الموارد والأسعار والمياه لا بالشعارات الرقمية وحدها. 

 

ومن هنا، يصبح السؤال أكثر قسوة: ما قيمة أن نكون من كبار المصدرين إذا كانت طبقات واسعة تشعر أن الغذاء يتحول من حق يومي إلى عبء مالي يضغط على الكرامة.

 

التصدير للدولار أم الغذاء للمواطن

 

لزيادة الغضب، تبدو الحكومة شديدة الفخر باختراق الأسواق الدولية، بينما لا تقدم بالقدر نفسه خريطة عادلة لضبط السوق الداخلي، ومراقبة الوسطاء، وتوفير السلع الأساسية بسعر يناسب دخل المواطن.

 

وبينما تعلن بيانات رسمية فتح أسواق جديدة وتوسيع الصادرات، يظل المواطن أسيراً لحلقات تداول طويلة، من المزرعة إلى التاجر إلى السوبر ماركت، حيث تتضاعف الأسعار دون شفافية كافية.

 

كما أن الجدل حول تصدير الغذاء ليس جديداً، فقد دار نقاش اقتصادي حول ما إذا كانت زيادة صادرات الأغذية مرتبطة بتخفيض حصة السوق المحلي، بينما نفى خبراء بالقطاع هذه العلاقة المباشرة. 

 

غير أن النفي لا يكفي، لأن المواطن لا يملك رفاهية النظريات، بل يرى النتيجة في جيبه، فإذا كان الإنتاج وفيراً والتصدير مزدهراً، فلماذا يظل الطعام مرهقاً للراتب.

 

إضافة إلى ذلك، فإن الدكتور عبد المنعم السيد، مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية، أشار إلى أن إنفاق المصريين على الطعام في رمضان يصل إلى مليارات يومياً، ما يكشف ضخامة عبء الغذاء. 

 

وبالتالي فإن إنفاق الأسر الكبير لا يعني رفاهية، بل قد يعني أن الغذاء يبتلع الجزء الأكبر من الدخل، خاصة مع ارتفاع أسعار الوقود والنقل والكهرباء ومدخلات الإنتاج والتوزيع.

 

ثم إن ارتفاع الصادرات الزراعية لا يضمن تلقائياً انخفاض الأسعار، لأن السوق المصري يعاني من اختلالات في سلاسل الإمداد، وتفاوتات في هوامش الربح، وضعفاً في الرقابة على حلقات الوساطة.

 

على الجانب الآخر، تحتاج مصر إلى الدولار لتمويل الاستيراد وسداد الالتزامات الخارجية، لكن تحويل الغذاء إلى أداة لجمع العملة الصعبة يطرح سؤالاً أخلاقياً عن أولوية المواطن أمام التزامات الدولة.

 

اكتفاء رسمي وفقر غذائي

 

في هذا السياق، يفضح الاكتفاء الذاتي الرسمي مفارقة قاسية، فالدولة تقول إن الأرز والسكر والبيض والألبان متوافرة، لكن المواطن يقف أمام الرفوف محاصراً بسعر لا يتناسب مع دخله.

لذلك تصبح المشكلة في القدرة الشرائية لا في الإنتاج فقط، فالغذاء قد يكون موجوداً، لكنه بالنسبة للمواطن محدود الدخل يصبح كأنه غير موجود إذا تعذر عليه شراؤه بانتظام.

 

كما أن هاني توفيق، الخبير الاقتصادي، ربط تآكل الطبقة المتوسطة بالغلاء والضرائب وثبات الدخول أمام الأسعار، وهي معادلة تفسر لماذا لا يشعر الناس بأرقام النمو أو التصدير. 

 

ومن ثم فإن الأمن الغذائي لا يقاس فقط بنسبة الاكتفاء، بل بقدرة الأسرة على الحصول على غذاء كافٍ ومتنوع وآمن دون أن تضحي بالتعليم أو العلاج أو الإيجار.

 

غير أن السياسات الحكومية تفضل غالباً الاحتفال بأرقام الإنتاج والصادرات، لا الاعتراف بأن أزمة الأسعار صارت سياسية، لأنها تضرب العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن حول الحد الأدنى من المعيشة.

 

فضلاً عن ذلك، فإن مبادرات السلع المخفضة تبدو اعترافاً غير مباشر بأن السوق الطبيعي لم يعد مناسباً لقطاعات واسعة، وأن الطبقة المتوسطة نفسها باتت تحتاج إلى منافذ إنقاذ.

 

ومن زاوية اجتماعية، فإن تصدير الغذاء في بلد يشتكي مواطنوه من الغلاء يخلق شعوراً بالظلم، حتى لو كانت الصادرات اقتصادياً مبررة، لأن الناس تريد عدالة قبل الأرقام.

 

إزاء ذلك، يجب أن تنشر الحكومة بيانات مفصلة عن حجم الإنتاج، والكميات المخصصة للسوق المحلي، والكميات المصدرة، وهوامش الأسعار بين المزرعة والمستهلك، بدلاً من الاكتفاء بلغة الانتصارات العامة.

 

كذلك يجب مراجعة سياسة تصدير السلع الحساسة عند ارتفاع الأسعار محلياً، بحيث لا يتحول الدولار إلى مبرر لحرمان السوق أو رفع السعر على المواطن تحت عنوان المنافسة العالمية.

 

في النهاية، لا تكمن الأزمة في أن تصدر مصر، بل في أن يتزامن التصدير مع شعور شعبي بالفقر، فحين لا يلمس المواطن الوفرة تصبح الأرقام الرسمية جزءاً من المشكلة.

 

وعليه، فإن السؤال العادل ليس لماذا تصدر مصر، بل لماذا لا يحمي هذا النجاح المواطن أولاً، ولماذا تتحول الوفرة المعلنة إلى غلاء مستمر، وكأن الاكتفاء للدولة لا للناس.