كشفت مصادر قضائية مصرية عن تصاعد الجدل داخل محكمة النقض ومجلس القضاء الأعلى حول الرئيس الجديد، بعد تضييق مبدأ الأقدمية وتوسيع سلطة الاختيار لقائد الانقلاب العسكري عبدالفتاح السيسي، وذلك قبل انتهاء ولاية المستشار عاصم الغايش رئيس محكمة النقض الحالي في 30 يونيو 2026.
وبينما يبدو الحدث إداريًا في ظاهره، فإنه سياسي في جوهره، لأن قمة القضاء العادي المصري تتحول تدريجيًا من منصب تحكمه التقاليد القضائية الراسخة إلى موقع يمر عبر حسابات السلطة والولاء.
الأقدمية التي أزاحها السيسي
لعقود طويلة، كان اختيار رئيس محكمة النقض يجري وفق قاعدة الأقدمية المطلقة، وهي قاعدة لم تكن مجرد ترتيب وظيفي، بل جدارًا مهنيًا يحمي المنصب الأعلى في القضاء العادي من تدخل السلطة التنفيذية.
غير أن السيسي كسر هذه القاعدة عبر تعديلات قانونية بدأت في 2017، حين مُنح رئيس الجمهورية حق الاختيار من بين مرشحين داخل الهيئات القضائية، بما أنهى عمليًا تلقائية صعود القاضي الأقدم.
وبعد ذلك، جاء تعديل 2019 ليجعل تعيين رئيس محكمة النقض بقرار من رئيس الجمهورية من بين أقدم 7 نواب لرئيس المحكمة، لمدة 4 سنوات أو حتى بلوغ سن التقاعد.
وبالتالي، لم يعد منصب رئيس محكمة النقض نتيجة طبيعية لمسار الأقدمية، بل أصبح خاضعًا لمساحة تقدير رئاسية تمنح السلطة التنفيذية قدرة مباشرة على إعادة ترتيب قمة الهرم القضائي.
كما أن خطورة هذا التحول لا تكمن في النص وحده، بل في التطبيق العملي، حيث أصبح كل استحقاق قضائي سنوي مناسبة لاختبار حدود تدخل السلطة في اختيار من يقود القضاء.
ولزيادة القلق، يرى قضاة وحقوقيون أن الانتقال من الأقدمية المطلقة إلى الاختيار الرئاسي فتح الباب أمام اعتبارات غير معلنة، تتجاوز الخبرة والكفاءة إلى القرب من دوائر الحكم والأجهزة النافذة.
لذلك، لم يكن الجدل حول رئيس النقض الجديد معزولًا عن مسار أوسع بدأ منذ سنوات، حين تحولت تعديلات السلطة القضائية إلى واحدة من أدوات السيسي لإعادة هندسة العلاقة بين الرئاسة والقضاء.
ومن ثم، فإن انتهاء ولاية الغايش لا يمثل مجرد تغيير على رأس محكمة النقض، بل يكشف استمرار معركة مكتومة حول استقلال القضاء، وحدود قدرة المؤسسة القضائية على حماية تقاليدها من الاختراق السياسي.
قائمة الأسماء وسؤال الولاء
بحسب مصادر قضائية، تضم دائرة الأقدمية القانونية أسماء مصطفى محمد أحمد سيد، ونبيل محمد فتحي عمران، ومصطفى حسان، وعاطف خليل، وربيع لبنة، ورفعت طلبة، وسمير سامي.
غير أن المستشار مصطفى محمد أحمد سيد، الأقدم بين الأسماء المطروحة، خرج عمليًا من الحسابات بسبب قرب بلوغه سن التقاعد في سبتمبر 2026، أي بعد نحو شهرين فقط من توليه المحتمل للمنصب.
لكن استبعاد الاسم الأول لم يؤد إلى صعود تلقائي لبقية الأسماء حسب ترتيب الأقدمية، بل فتح الباب أمام ترشيحات أخرى، بينها أسماء تقع خارج دائرة أقدم 7 نواب لرئيس محكمة النقض.
وبناءً على ذلك، عاد اسم المستشار نبيل عمران إلى دائرة الترشيح باعتباره ثاني أقدم الأسماء داخل القائمة القانونية، مع سجل طويل في محكمة النقض والمكتب الفني والأمانة العامة لمجلس القضاء الأعلى.
في المقابل، برز اسم المستشار هاني عبد الجابر، المحافظ السابق لبني سويف بين 2018 و2019، بوصفه أحد الأسماء المتداولة رغم أنه لا يقع داخل دائرة السبعة الأقدم وفق المصادر القضائية.
كما أن حضور عبد الجابر لا يستند فقط إلى خبرته الإدارية ورئاسته السابقة لنادي قضاة المنيا، بل إلى ما يثار حول قربه من دوائر القرار، وهو ما يجعل ترشيحه محملًا بدلالات سياسية.
إضافة إلى ذلك، يرد اسم المستشار علاء الدين مرسي ضمن الترشيحات المتداولة، وهو قاض ارتبط تاريخه بملفات نيابة أمن الدولة والقضايا السياسية، ما يضع خبرته في قلب زاوية السلطة والأمن والقضاء.
ولذلك، يصبح السؤال الحقيقي ليس من يملك الخبرة الأكبر داخل محكمة النقض، بل من تراه السلطة أكثر قدرة على قيادة المجلس الأعلى للقضاء دون صدام مع توجهات الحكم أو دوائره الأمنية.
من القانون إلى الترويض السياسي
غير أن ترشيح أسماء خارج الأقدمية يطرح إشكالًا أعمق من المفاضلة بين قضاة، لأنه يضع فلسفة القانون ذاتها تحت الاختبار، بعدما نصت القاعدة على الاختيار من بين أقدم 7 نواب.
كما أن منظمات حقوقية حذرت منذ 2017 من أن تعديلات اختيار رؤساء الهيئات القضائية تمنح الرئيس نفوذًا زائدًا على القضاء، وتضعف مبدأ الفصل بين السلطات والضمانات المؤسسية لاستقلال العدالة.
وفي هذا السياق، اعتبرت نجية بونعيم، مسؤولة حملات شمال أفريقيا في العفو الدولية، أن القانون يهدد استقلال القضاء، لأنه يمنح الرئيس سلطة مؤثرة في اختيار رؤساء الهيئات القضائية.
علاوة على ذلك، رفض نادي قضاة مجلس الدولة، برئاسة المستشار سمير البهي، مشروع تعديل 2017، واعتبره إهدارًا لمبدأ الأقدمية وانتهاكًا لاستقلال القضاء والفصل بين السلطات.
وبالتوازي، أعلن نادي القضاة برئاسة المستشار محمد عبد المحسن آنذاك حالة انعقاد دائم، وتحرك للتواصل مع مجلس القضاء الأعلى والرئاسة، بما عكس رفضًا قضائيًا مبكرًا للتدخل في آلية الاختيار.
لذلك، فإن أزمة رئيس النقض الجديد لا تتعلق فقط بالاسم الذي سيصدر به القرار الجمهوري، بل بمنطق الحكم الذي يسعى إلى جعل المناصب القضائية العليا قابلة للفرز والاختيار السياسي.
ومن جهة أخرى، يكتسب المنصب حساسية مضاعفة لأن رئيس محكمة النقض هو نفسه رئيس مجلس القضاء الأعلى، أي أنه يقود الهيئة المسؤولة عن شؤون القضاة وترقياتهم وندبهم وتأديبهم.
وبناءً على ذلك، فإن السيطرة على قمة محكمة النقض تعني عمليًا الاقتراب من مفاتيح إدارة القضاء العادي كله، وهو ما يفسر الإصرار الرئاسي على إبقاء مساحة الاختيار بيد السلطة التنفيذية.
وفي المحصلة، يكشف ملف رئيس النقض الجديد كيف يواصل السيسي تفكيك استقلال القضاء من أعلى، لا عبر الصدام العلني فقط، بل عبر القوانين والترشيحات وإعادة تعريف الأقدمية بما يخدم السلطة.

