أعلنت جماعة الحوثي تجديد حصارها البحري على إسرائيل، وفرض حظر على حركة السفن الإسرائيلية أو المرتبطة بها في البحر الأحمر، في خطوة تعيد مضيق باب المندب إلى واجهة الصراع الإقليمي، وتحوّل الممر البحري الضيق من طريق تجاري إلى أداة ضغط اقتصادي وسياسي على تل أبيب.


ولا يقف تأثير القرار عند حدود الملاحة الإسرائيلية المباشرة، بل يمتد إلى شركات الشحن والتأمين وسلاسل الإمداد، لأن أي التباس في هوية السفن أو وجهتها قد يدفع الشركات إلى تجنب الطريق كله. وهنا يصبح السؤال الأهم: هل يملك الحوثيون القدرة على خنق اقتصاد إسرائيل، أم أن الضرر الأكبر سيكون في الكلفة العالمية للحصار؟


باب المندب.. ورقة ضغط على الاقتصاد لا على السفن فقط


يمثل باب المندب البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، ومنه تعبر السفن نحو قناة السويس والبحر المتوسط. لذلك فإن أي تهديد في هذا الممر لا يستهدف سفينة بعينها فقط، بل يضرب حسابات شركات الشحن قبل أن تتحرك من الموانئ. فالشركات لا تنتظر غالبًا وقوع الهجوم، بل تعيد تسعير الخطر مسبقًا عبر التأمين والوقود وزمن الرحلة.


ويرى الباحث اليمني فارع المسلمي، زميل برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس، أن تصعيد الحوثيين في البحر الأحمر يحمل تداعيات تتجاوز اليمن وإسرائيل، لأنه يمس طرقًا حيوية للتجارة والطاقة. وبهذا المعنى، يصبح الحصار البحري أداة ضغط على الاقتصاد الإسرائيلي من خلال محيطه التجاري، لا من خلال الموانئ الإسرائيلية وحدها.


وتنبع خطورة باب المندب من أنه ليس ممرًا ثانويًا، بل عقدة تربط آسيا بأوروبا عبر السويس، وتؤثر في حركة الحاويات والوقود والحبوب. وكلما طال التهديد، زادت الشركات تحفظًا، حتى لو ظل الحظر معلنًا ضد السفن الإسرائيلية فقط، لأن سجل الاستهداف السابق خلق شعورًا بأن معيار “الارتباط بإسرائيل” قد يتسع بصورة مفاجئة.


إيلات.. الميناء الصغير الذي كشف هشاشة الطريق الشرقي


يبقى ميناء إيلات هو الحلقة الإسرائيلية الأكثر تعرضًا للضرر، لأنه المنفذ الوحيد لإسرائيل على البحر الأحمر، والبوابة التي كانت تمنحها طريقًا مباشرًا نحو آسيا دون الاعتماد الكامل على المتوسط. لكن الأزمة السابقة كشفت محدودية هذا الميناء أمام تهديد مستمر، بعدما تراجع نشاطه بشدة وتعرضت إيراداته لانهيار كبير.


صحيح أن معظم تجارة إسرائيل تمر عبر حيفا وأشدود على البحر المتوسط، وهو ما يجعل الحديث عن خنق كامل للاقتصاد الإسرائيلي مبالغًا فيه، لكن تعطيل إيلات يضرب قطاعات محددة مثل واردات السيارات وبعض الصادرات القادمة من منطقة البحر الميت، كما يرفع كلفة البدائل، ويجعل إسرائيل أكثر اعتمادًا على طرق أطول وأكثر انكشافًا في وقت حرب إقليمية مفتوحة.


وتكمن رمزية إيلات في أنه ميناء صغير لكنه يكشف ضعفًا أكبر، ورغم انإسرائيل تستطيع تحويل المسار، لكنها لا تستطيع إلغاء الجغرافيا. فكل سفينة تبتعد عن باب المندب تحتاج وقتًا إضافيًا، وكل يوم تأخير يضيف تكلفة على التجار والموردين، ثم ينتقل تدريجيًا إلى أسعار السلع والخدمات داخل السوق.


الشحن العالمي.. أفريقيا بدل السويس


أخطر ما في الحصار ليس السفينة الإسرائيلية وحدها، بل قرار شركة شحن دولية أن الطريق كله لم يعد يستحق المخاطرة. فحين تتسع دائرة الاشتباه في السفن المرتبطة بإسرائيل، تتحول الهوية التجارية والملكية والتأمين والوجهة النهائية إلى عناصر خطر، وقد تختار الشركات الدوران حول رأس الرجاء الصالح بدل المرور من البحر الأحمر.


ويحذر بيتر ساند، كبير المحللين في شركة Xeneta المتخصصة في شحن الحاويات، من أن عودة التصعيد تعني عمليًا تأجيل عودة واسعة لسفن الحاويات إلى البحر الأحمر، لأن الشركات ستعطي أولوية لسلامة الطواقم والسفن والبضائع. وهذا يعني رحلات أطول، وسعة بحرية مستنزفة، وتكاليف أعلى تنتقل في النهاية إلى المستوردين والمستهلكين.


وقد أثبتت الأزمة السابقة أن الالتفاف الملاحي ليس قرارًا مؤقتًا بسيطًا، بل إعادة بناء لخريطة الشحن. فالمسار حول أفريقيا يضيف أيامًا طويلة إلى الرحلة، ويستهلك سفنًا أكثر لنقل الحجم نفسه من البضائع، ويضغط على الموانئ البديلة، ويخلق اضطرابات في الجداول الزمنية التي تعتمد عليها الصناعة والتجارة الحديثة.


حصار مزدوج.. حين يلتقي باب المندب مع هرمز


تتضاعف خطورة القرار الحوثي لأن المنطقة لا تواجه أزمة ممر واحد. فمع استمرار الاضطراب في مضيق هرمز، يصبح باب المندب طريقًا بديلًا شديد الأهمية لصادرات الطاقة القادمة من الخليج عبر البحر الأحمر. وإذا أصبح هذا الطريق مهددًا أيضًا، فإن الأسواق لا تتعامل مع أزمة إسرائيلية ضيقة، بل مع اختناق مزدوج في شرايين النفط والتجارة.

 

وتصف إليزابيث كيندال، المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط بجامعة كامبريدج، الجمع بين التوتر في هرمز وباب المندب بأنه سيناريو بالغ الخطورة، لأنه قد يعطل التجارة بين آسيا وأوروبا، ويمتد أثره إلى الوقود والغذاء وسلاسل الإمداد. وفي هذه الحالة، تتحول إسرائيل من هدف مباشر للحصار إلى جزء من أزمة عالمية أكبر.


ويزداد الخطر لأن جزءًا من النفط الذي كان يبحث عن مسارات بديلة بعد اضطراب هرمز وجد في البحر الأحمر مخرجًا اضطراريًا. فإذا انتقلت المخاطر إلى هذا المخرج، فإن الطاقة العالمية تواجه ضغطًا مزدوجًا: نقص في المرونة وارتفاع في كلفة النقل، وهو ما قد ينعكس على أسعار الوقود والسلع الأساسية.


تل أبيب تدفع الثمن عبر التأمين والأسعار والسمعة


قد تستطيع إسرائيل نقل جانب كبير من تجارتها عبر حيفا وأشدود، وقد تلتف السفن حول أفريقيا للوصول إلى المتوسط، لكن هذه القدرة لا تلغي الكلفة. فالرحلات الأطول تعني تأخيرًا في التسليم، وزيادة في استهلاك الوقود، وارتفاعًا في التأمين، وترددًا لدى بعض الشركات في التعامل مع شحنات قد تصنفها الحوثيون كمرتبطة بإسرائيل.


ويشير أندرياس كريغ، الباحث في كينغز كوليدج لندن، إلى أن كلفة الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح ليست دائمًا كارثية بالمعنى الحسابي المباشر، لكنها تصبح مؤثرة عندما تقترن بالزمن وفقدان اليقين وتراجع الثقة في المسار. وهذا بالضبط ما يضغط على الاقتصاد الإسرائيلي: ليس الإغلاق الكامل، بل تحويل كل شحنة إلى معادلة خطر.

 

تجارة إسرائيل العالمية.. ضرر محدود مباشرة وواسع غير مباشر


يرى الخبير الاقتصادي اليمني عبد الواحد العوبلي أن أمن باب المندب لم يعد ملفًا محليًا، بل مسؤولية تتداخل فيها مصالح دولية كبرى. ومن هذه الزاوية، فإن قرار الحوثيين لا يصيب إسرائيل وحدها، لكنه يربك كل دولة أو شركة تعتمد على هذا الممر، بما فيها أوروبا وآسيا ومصر وأسواق الطاقة.


الخلاصة أن الحصار البحري الحوثي لا يخنق الاقتصاد الإسرائيلي دفعة واحدة، لكنه يفرض عليه نزيفًا طويلًا: ميناء إيلات شبه معطل، كلفة النقل أعلى، زمن الرحلات أطول، والاعتماد على المتوسط أكبر. أما التجارة العالمية فتدفع فاتورة أوسع، لأن باب المندب لم يعد مجرد مضيق، بل صار مقياسًا لحجم المخاطر التي تفرضها الحرب على الاقتصاد الدولي.