زياد بركات

قاص وروائي وصحفي فلسطيني

 

من يتابع موقع أكسيوس، الإخباري الأميركي، وخصوصًا تغطياته أحداث الشرق الأوسط، قد يذهب به الظن أنه موقع تابع لـ"الموساد"، فكثير من أخباره موجّه بذكاء، وتسريباته ليست بريئة في أي حال، بل يمكن إدراجها في سياق "التوظيف" السياسي.

 

تحوّل الموقع في السنوات القليلة الماضية إلى مصدر رئيسي لأخبار المنطقة، لكواليس صنع القرار، لآخر المستجدّات، واتصف أداؤه بالسرعة الفائقة، إذ كثيرًا ما تسبق أخباره عن المنطقة وسائل الإعلام فيها، وخصوصًا الإسرائيلية، إضافة إلى الأميركية، بحيث أصبح منافسًا حقيقيًا لوسائل الإعلام الأميركية العملاقة، ولا سيما في ما يتعلق بأخبار الشرق الأوسط.

 

من جديد تسريباته أخيرًا، ما أورده عن مكالمة "خشنة" بين ترامب ونتنياهو جرت الاثنين الماضي، يأمر ترامب فيها "عمليًا" نتنياهو بوقف عملية عسكرية معتزمة على الضاحية الجنوبية لبيروت، ما قد يدفع "الهدنة" الهشّة مع طهران إلى الانهيار، خصوصًا بعد تهديدات إيرانية فُهم منها أن طهران سترد داخل إسرائيل إذا شنت تل أبيب عمليتها على الضاحية.

 

التزم نتنياهو مع بعض التذمر ذي الصلة بصورته، وتجرّع كثيرًا من المرارة من معسكر معارضيه، بل وحلفائه، ومنهم إيتمار بن غفير الذي طالبه بقول "لا" لترامب، ونتمنّى لو يفعلها نتنياهو، أي أن يتمرّد على سيناريو ترامب الذي يعمل على إنقاذه من حماقاته، وليس تأديبه أو الخلاف معه، فذاك وهمٌ نتمنى ألا يتعلق به ساسة ومحللون في المنطقة.

 

لا ينفي هذا أن نتنياهو "أُهين"، وأُجبر على "قواعد اشتباك" جديدة، ولو مؤقتًا، وهو الذي يتحرّك منذ 7 أكتوبر (2023) خارجها تمامًا، بحيث تملّكه اعتقاد أنه وحده من يملك مفاتيح التغيير في المنطقة، رغم أنه لولا الإسناد الأميركي، ومحاولات إدارة ترامب لضبط حركته على إيقاعها، لما تمكّن حتى من الخروج من غزّة بكل هذه الأوراق التي يضعها على الطاولة ويهدّد بها دول الجوار والمنطقة.

 

لم تنته الحرب على إيران، والأخيرة تعرف أنها حرب قد تُستأنف، لكن ليس الآن، فترامب يحتاج وقتًا مستقطعًا ينتهي مع صفارة آخر مباريات كأس العالم، لينظر في الأمر مجدّدًا، أو يستأنف ما قرّره وخطط له أصلًا. وفي الأثناء سيكون سعيدًا لو تراجعت إيران وقبلت بما عُرض عليها، وهو استسلام على الأغلب.

 

وأن يأتي نتنياهو بسيكولوجيا "الطفل المدلّل" لتخريب اللعبة وإحراج الراعي الحصري وتوريطه في حربٍ ليس هذا وقتها، فذلك ما لا ينطلي على ترامب، حتى لو وُصف بالمجنون والمتهور، فتلك أوصاف يوظّفها، وبات الجميع يعرف هذا. فما يريده الرئيس الأميركي، عزل بيروت عن طهران، وتفكيك "وحدة الساحات"، ما يعزل إيران ويُضعفها أكثر، ولو حدث هذا سيكون انتصارًا لإسرائيل من دون أن تطلق رصاصة واحدة. ومن شأن أي خطوة متهوّرة من نتنياهو تصليب وحدة الساحات وربط ما يريد له ترامب أن يتفكك، والحال هذه لا بد من تقريعه، بل ووصفه بالمجنون الذي لا يعرف ماذا يفعل.

 

كيف عرف "أكسيوس" تفاصيل الحوار؟ عرفه لأنه يُراد لهذه التفاصيل أن تُنشر وتشيع، وللضغط على نتنياهو علنًا لأنه "ناكر للجميل"، وليعرف أنه ليس من يقود حتى لو كان شريكًا رئيسيًا، وأن عليه بالتالي أن يعرف حجمه في المعادلات الكبرى، فهو ليس طليق اليدين دائمًا، خصوصًا أن ثمة من يجهد لإنقاذه من حماقاته وإهداء الانتصارات إليه. ... وأنظر الآن إلى صورته التي يشتغل كثيرًا عليها. تنفضّ المعارضة عليه لأنه "فرّط" بالسيادة الإسرائيلية، ووضع البلاد تحت الوصاية الأميركية، وهو ببساطة "دمية" تظن أنها تدير جمهورية موز، إلخ، إلخ.

 

ماذا عليه أن يفعل؟ يتسم نتنياهو ببراغماتية مفرطة في التعامل مع ترامب تحديدًا، وهو يعرف أنه لا يستطيع قول "لا" دائمًا، وأن عليه أن يتراجع في الوقت المناسب، وهو ما فعله، رغم أن ترامب وضعه في الزاوية وتحت رحمة المعارضة الإسرائيلية، وربما عرّضه لاحقًا للمحاكمة من دون غطاء أميركي يحول دون تجريمه. هذا ما لم يقله خبر موقع أكسيوس الذي غالبًا ما ينفرد بالمُستجد والمخفي من الأخبار، ومنها ربما أن ثمّة من يلعب في إسرائيل ضد نتنياهو في واشنطن، أما الحرب على إيران، فتوقفت ليس أكثر، وقد تُستأنف بتوقيت ترامب لا نتنياهو.