سجلت منطقة كوبري الأخصاص على الطريق الدائري الإقليمي بمركز الصف في محافظة الجيزة معدل حوادث يقترب من 12 إلى 15 حادثة شهريا، وفق تقديرات أهلية وتقارير محلية، بسبب عيوب هندسية متكررة تشمل غياب الحواجز الخرسانية وتهالك وسائل الحماية وضعف الإضاءة والتحذيرات المرورية.

 

وتضع هذه الأرقام الحكومة ووزارة النقل وهيئة الطرق والكباري أمام مسؤولية مباشرة عن طريق تحول إلى فخ قاتل لمستقليه، لأن سقوط السيارات من أعلى الكوبري لا يمكن اعتباره خطأ سائق فقط، عندما يغيب الحاجز الواقي وتفاجئ الانخفاضات السائقين وتبقى اللوحات والإضاءة أقل من الحد الأدنى للسلامة.

 

كوبري الأخصاص يتحول إلى نقطة موت متكررة 

 

تشهد منطقة كوبري الأخصاص بمركز الصف على الطريق الدائري الإقليمي حالة رعب متكررة بين السائقين والأهالي، بعدما أصبح هذا الجزء من الطريق مرتبطا بحوادث عنيفة وسقوط مركبات وتصادمات متكررة، بصورة جعلت العبور منه مخاطرة يومية لا رحلة عادية على محور دولي.

 

وتشير التقديرات الأهلية المتداولة إلى أن هذا القطاع يسجل ما بين 12 و15 حادثة شهريا، تشمل تصادم سيارات النقل الثقيل وانقلاب السيارات الملاكي وسقوط الدراجات النارية من أعلى الكوبري، وهي أرقام كافية لتحويل الموقع إلى نقطة تدخل عاجلة لا ملف مؤجل.

 

وبسبب هذا المعدل، لا يمكن التعامل مع الحوادث كوقائع منفصلة أو أخطاء فردية متكررة، لأن التكرار نفسه دليل على خلل ثابت في بيئة الطريق، فالطريق الآمن يقلل أثر خطأ السائق، أما الطريق الخطر فيضاعف الخطأ ويجعله قاتلا عند أول انحراف.

 

كما تؤكد شكاوى الأهالي ومستخدمي الطريق أن الخطر لا يظهر في وقت محدد فقط، بل يتزايد ليلا بسبب ضعف الإضاءة وغياب العلامات التحذيرية الواضحة قبل مطلع الكوبري، وهو ما يجعل السائق يدخل منطقة الخطر بلا إنذار كاف وبلا رؤية آمنة.

 

وفي هذا المحور، يخدم رأي الدكتور أسامة عقيل، أستاذ الطرق والمرور بجامعة عين شمس، أصل المشكلة، لأنه سبق أن أكد أن منظومة المرور في مصر ترصد الحوادث ولا تمنعها، وأن الرادارات والكاميرات لا تكفي عندما تغيب إدارة الطريق الوقائية.

 

لذلك يصبح كوبري الأخصاص مثالا صارخا على إدارة تنتظر الكوارث قبل التحرك، لأن الحكومة تعرف أن الموقع يشهد حوادث متكررة منذ سنوات، ومع ذلك بقيت إجراءات السلامة الأساسية غائبة أو ناقصة، وكأن حياة السائقين قابلة للتأجيل حتى حادث جديد.

 

كذلك لا يكفي أن تتحرك الجهات الرسمية بعد كل حادث لإزالة آثار التصادم أو نقل المصابين، لأن السؤال الحقيقي هو لماذا يتكرر الحادث في الموقع نفسه، ولماذا لم تفرض هيئة الطرق والكباري مراجعة هندسية إلزامية بعد أول سلسلة سقوط من أعلى الكوبري.

 

ومن هنا، يجب أن يتحول ملف كوبري الأخصاص من شكوى محلية إلى قضية سلامة عامة، لأن الطريق الدائري الإقليمي يخدم آلاف المركبات يوميا، ويستقبل سيارات نقل ثقيل وملاكي ودراجات نارية، وأي عيب في تصميم نقطة واحدة يهدد حياة عدد كبير من المواطنين.

 

غياب الحواجز الخرسانية يحول الخطأ المروري إلى هاوية مميتة

 

في البداية الهندسي للأزمة، يظهر غياب الحواجز الخرسانية المسلحة على جانبي كوبري الأخصاص كأخطر سبب مباشر وراء سقوط المركبات من أعلى الطريق، لأن الحاجز لا يمنع الحادث بالكامل لكنه يمنع تحوله إلى كارثة قاتلة عندما تنحرف المركبة أو تفقد توازنها.

 

ثم تكشف المعلومات المتداولة أن الكوبري يفتقر منذ أكثر من 10 سنوات إلى حواجز خرسانية نيوجيرسي على جانبيه، رغم أهميتها في منع انحراف السيارات وانقلابها وسقوطها، وهو تقصير يصعب تبريره في محور يشهد حركة مرورية كثيفة وحوادث متكررة.

 

وبجانب الحواجز، تظهر مشكلة الأسوار الحديدية الضعيفة أو المتهالكة التي لا تستطيع أداء وظيفة الحماية عند اصطدام مركبة ثقيلة، خصوصا أن الطريق يشهد مرور سيارات نقل بسرعات عالية، ما يجعل أي حاجز غير مطابق للمواصفات مجرد شكل لا يوقف الموت.

 

كذلك تزيد الانخفاضات غير المنتظمة في الحارات المرورية من خطورة الموقف، لأنها تفاجئ السائق عند السرعات العالية، وتدفع المركبة إلى اختلال مفاجئ، ثم يأتي غياب الحاجز المناسب ليحوّل الاختلال إلى سقوط أو انقلاب أو تصادم متسلسل.

 

وفي هذا الموضع، يخدم رأي المهندس الاستشاري ممدوح حمزة محور السلامة الإنشائية، لأنه يركز في مواقفه المهنية على أن مشكلات الطرق والكباري لا تعالج بالدعاية أو اللوم الفردي، بل بمراجعة التصميم والتنفيذ والحماية والصيانة كمنظومة واحدة.

 

لذلك تبدو المطالبة بتثبيت حواجز خرسانية مسلحة على جانبي الكوبري بالكامل مطلبا بديهيا متأخرا، لا إنجازا استثنائيا، لأن الطريق الذي يسمح بسقوط السيارات من أعلى كوبري لا يحتاج إلى اجتماع جديد، بل يحتاج إلى تدخل فوري قبل حادث جديد.

 

كما أن تركيب علامات إرشادية وتحذيرية مضيئة قبل مطلع الكوبري ليس تفصيلا تجميليا، بل عنصر أمان أساسي، لأن السائق يحتاج إلى معرفة المنحنى أو الانخفاض أو نقطة الخطر قبل الوصول إليها، خصوصا في الليل ومع السرعات العالية وكثافة النقل الثقيل.

 

وبناء على ذلك، تصبح مسؤولية هيئة الطرق والكباري واضحة في إجراء مراجعة هندسية معلنة لهذا الجزء من الطريق، تشمل الحواجز والإضاءة والميول والهبوطات وتصريف المياه واللوحات والدهانات الأرضية ووسائل تهدئة السرعة، لا الاكتفاء بمعالجة سطحية بعد كل فاجعة.

 

ومن الناحية العملية، يجب تنفيذ مطبات اهتزازية أو وسائل تهدئة مناسبة قبل مطلع الكوبري بمسافة مدروسة، مع تخفيض السرعة وإجبار النقل الثقيل على الالتزام بالحارات، لأن الطريق الذي يجمع سرعة عالية وغياب حماية كافية يصبح بيئة جاهزة للحوادث.

 

إهمال الطريق الإقليمي يكشف فشل الدولة في حماية الأرواح

 

في المقابل، لا تقف أزمة كوبري الأخصاص عند حدود التصميم، بل تكشف نمطا أوسع في إدارة الطرق يقوم على الافتتاح السريع والاحتفال بالمحاور الجديدة، ثم ترك نقاط الخطر بلا صيانة كافية وبلا مراجعة دورية، حتى تتحول الشكاوى إلى وفيات وإصابات.

 

ولهذا لا يكفي وصف الطريق الدائري الإقليمي بأنه محور حيوي أو دولي، لأن قيمة أي محور تقاس بسلامته لا بطوله، والطريق الذي يختصر الوقت ثم يهدد الأرواح يفقد جزءا من وظيفته الأساسية، لأن النقل الآمن ليس ترفا هندسيا بل حق عام.

 

كما أن طلبات الإحاطة والتحركات البرلمانية لا يجب أن تتحول إلى بديل عن الإدارة التنفيذية، لأن الحكومة لا تحتاج إلى انتظار شكوى جديدة كي تركب حاجزا خرسانيا أو تنير مطلعا خطرا أو تصلح انخفاضا في الحارة المرورية يهدد السائقين.

 

وفي هذا السياق، يخدم رأي الدكتور حسن مهدي، أستاذ هندسة الطرق بجامعة عين شمس، محور السلامة المرورية، لأنه يؤكد أن منظومة المرور تشمل الطريق والمركبة والسائق والمجتمع، بما يعني أن تقصير أي عنصر من عناصر الطريق لا يجوز إخفاؤه خلف اتهام السائق وحده.

 

لذلك تصبح حجة السرعة الزائدة ناقصة إذا لم تعالج الحكومة البيئة التي تسمح بتحول السرعة إلى موت، فالطريق الآمن يضع حواجز وتهدئة وإضاءة وتحذيرات ورقابة، بينما الطريق المهمل يترك السائق يكتشف الخطر بعد فوات الأوان.

 

كذلك لا يجوز أن تتعامل الدولة مع سكان الصف ومستخدمي الإقليمي كأرقام في دفاتر الحوادث، لأن عشرات الوفيات ومئات الإصابات البالغة سنويا تعني أسر فقدت عائلها، ومصابين خرجوا من العمل، ومركبات تحطمت، وطريقا يدفع ثمن الإهمال كل شهر.

 

ومن ثم يجب إعلان جدول زمني لا يتجاوز أسابيع قليلة لتأمين كوبري الأخصاص، يبدأ بتركيب حواجز نيوجيرسي على الجانبين، ثم إضاءة كاملة، ثم لوحات تحذيرية عاكسة، ثم معالجة الهبوطات، ثم مراجعة السرعات، ثم نشر تقرير فني يحدد المسؤوليات.

 

ضرورة مراجعة كل نقاط المرور المشابهة

 

وبالتوازي، تحتاج وزارة النقل إلى مراجعة كل النقاط المشابهة على الطريق الدائري الإقليمي، لأن حادثة كوبري الأخصاص قد لا تكون استثناء، ولأن الطرق السريعة تحتاج تدقيقا مستمرا في الحواجز والمطالع والمنازل والإنارة والميول، لا صيانة موسمية بعد تراكم الخسائر.

 

كما يجب فتح تحقيق فني في أسباب تكرار سقوط المركبات من أعلى الكوبري، لأن التحقيق لا يستهدف معاقبة السائقين فقط، بل مراجعة التصميم وسجلات الصيانة ومواعيد البلاغات السابقة وتاريخ غياب الحواجز، حتى لا تظل المسؤولية معلقة بين جهات متعددة.

 

وفي النهاية، يكشف كوبري الأخصاص أن الموت على الطرق لا يأتي دائما من لحظة تهور، بل يأتي أحيانا من سنوات إهمال هندسي وغياب حواجز وإضاءة وتحذيرات، ومن حكومة تعرف موضع الخطر ثم تترك الناس يعبرونه كل يوم بلا حماية كافية.

 

وبهذا المعنى، لا يحتاج أهالي الصف ومستخدمو الطريق الإقليمي إلى وعود جديدة أو زيارات تصويرية، بل يحتاجون إلى حاجز يمنع السقوط، وإضاءة تكشف الطريق، ولافتات تحذر السائقين، ومحاسبة لمسؤولين تركوا كوبري الأخصاص يتحول إلى فخ قاتل باسم طريق حيوي.