كشفت بيانات حكومية عن ارتفاع تكلفة وقود محطات الكهرباء التقليدية في مصر خلال الفترة من يناير إلى مايو 2026 إلى أكثر من 155 مليار جنيه، بعد توريد شحنات غاز ومازوت من وزارة البترول، بزيادة 24% تعادل نحو 30 مليار جنيه مقارنة بالفترة نفسها من 2025.

 

وتضع هذه القفزة الحكومة أمام نتيجة مباشرة لسياسة طاقة هشة، لأن فاتورة الكهرباء لم ترتفع بسبب الاستهلاك وحده، بل بسبب الاعتماد المكلف على الغاز المسال وتراجع تدفقات الغاز الإسرائيلي واضطرابات الأسعار العالمية، بينما يتحمل المواطن في النهاية أثر المديونيات والدعم والزيادات المحتملة في الأسعار.

 

فاتورة الوقود تكشف عجز التخطيط لا ارتفاع الطلب فقط

 

في البداية، توضح الأرقام أن محطات الكهرباء التقليدية حصلت على وقود بقيمة تجاوزت 155 مليار جنيه في 5 أشهر، مقابل 125 مليار جنيه في الفترة نفسها من العام الماضي، وهو ارتفاع لا يمكن عزله عن اضطراب مصادر الغاز ولا عن فشل الحكومة في بناء هامش أمان مستقر.

 

ثم تعكس الزيادة البالغة 24% خللا في إدارة مزيج الطاقة، لأن الدولة دخلت 2026 وهي تعرف أن الصيف يرفع الأحمال وأن الاعتماد على الغاز المستورد يجعل الكهرباء رهينة للسوق العالمية، لكنها ظلت تدفع الفاتورة بعد وقوع الصدمة بدلا من تقليل التعرض لها مسبقا.

 

وبسبب تراجع تدفقات الغاز الإسرائيلي عقب الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران، اضطرت الحكومة إلى الاعتماد على الغاز الطبيعي المسال بصورة أكبر لتلبية احتياجات الكهرباء، وهو خيار سريع لكنه مرتفع التكلفة، ويكشف خطورة ربط خدمة أساسية مثل الكهرباء بإمدادات خارجية قابلة للتعطل السياسي والعسكري.

 

كذلك ارتفع سعر الغاز المسال بسبب اضطرابات مضيق هرمز من متوسط 12 دولارا إلى 22 دولارا لكل مليون وحدة حرارية، بزيادة تتجاوز 83%، وهي قفزة تكشف كيف يتحول كل اضطراب إقليمي إلى عبء مباشر على موازنة الكهرباء والبترول.

 

وفي هذا المحور، يخدم رأي الخبير الاقتصادي ممدوح الولي زاوية الاعتماد الخارجي، لأنه حذر سابقا من مخاطر ربط الاقتصاد المصري بالغاز الإسرائيلي ومن أثر نقص الإنتاج على الصناعة والكهرباء، وهو ما يظهر الآن في فاتورة وقود ضخمة تتحملها الدولة والمواطن معا.

 

لذلك لا تستطيع الحكومة القول إن ارتفاع فاتورة الوقود مجرد ظرف عابر، لأن الاعتماد على واردات الغاز المسال كان نتيجة مسار طويل من تراجع الإنتاج المحلي وزيادة الاستهلاك وضعف تنويع المصادر، لا نتيجة حرب مفاجئة وحدها أو ارتفاع صيفي في الأحمال.

 

كما أن الحديث عن توفير الكهرباء بلا انقطاعات لا يلغي السؤال عن الثمن، لأن وقف تخفيف الأحمال عبر شراء وقود مرتفع السعر يعني نقل الأزمة من الظلام إلى الموازنة، ومن ساعات الانقطاع إلى ديون تتراكم بين وزارتين ثم تظهر لاحقا في فواتير المواطنين.

 

ومن هنا، تصبح تكلفة 155 مليار جنيه خلال 5 أشهر مؤشرا على أزمة حكم اقتصادي، لأن الكهرباء خدمة أساسية لا يجوز إدارتها بمنطق الإسعاف الموسمي، ولا يجوز أن يظل استقرارها معلقا بشحنات غاز مسال وأسعار فورية وحسابات سياسية خارج السيطرة المصرية.

 

مديونيات الكهرباء للبترول تنقل الأزمة من المحطات إلى الموازنة

 

بعد ذلك، تكشف طريقة السداد عن أزمة أعمق من تكلفة الوقود نفسها، إذ تسدد وزارة الكهرباء شهريا ما بين 8 و12 مليار جنيه في المتوسط من قيمة الغاز والمازوت المورد إلى محطات الإنتاج، بينما تتراكم باقي القيمة كمديونية مستحقة لصالح وزارة البترول.

 

وبذلك تتحول فاتورة الوقود من حساب بين شركتين حكوميتين إلى عبء مؤجل على المالية العامة، لأن ما لا تدفعه الكهرباء اليوم سيظهر لاحقا في مديونيات البترول أو دعم الطاقة أو زيادة التعريفة، بينما لا يحصل المواطن على كشف واضح لتكلفة الخدمة الفعلية.

 

كما تحصل وزارة الكهرباء على الغاز بسعر 4 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، دعما لتكلفة إنتاج الكيلو وات من الكهرباء التقليدية، وهو سعر يقل كثيرا عن تكلفة الغاز المسال في السوق الدولية عندما يقفز السعر إلى 22 دولارا.

 

وهنا تظهر فجوة الدعم بوضوح، لأن الحكومة تشتري أو توفر الغاز بتكلفة مرتفعة ثم تبيعه للكهرباء بسعر مدعوم، فتتراكم الفروق داخل حسابات الدولة، ويصبح السؤال الحقيقي هو من سيدفع الفرق لاحقا، وزارة البترول أم الخزانة العامة أم المواطن عبر الفواتير.

 

وفي هذا السياق، يخدم رأي هاني جنينة محور سعر الصرف والمخاطر الخارجية، لأنه ربط في تقديراته بين التوترات الجيوسياسية وضغوط الجنيه والتضخم، وهي علاقة تجعل واردات الطاقة أخطر عندما تدفع الدولة بالدولار ثم تحصل جزءا من الإيراد بالجنيه.

 

لذلك لا تقف أزمة وقود الكهرباء عند حدود الطاقة، بل تمتد إلى سوق الصرف والموازنة والتضخم، لأن كل شحنة غاز مسال مرتفعة الثمن تحتاج عملة أجنبية، وكل زيادة في التكلفة ترفع ضغط الدعم، وكل دعم مؤجل يتحول إلى دين أو زيادة سعرية لاحقة.

 

كذلك تعني المديونية المتراكمة بين الكهرباء والبترول أن الحكومة تدير الأزمة من داخل دفاترها، حيث تؤجل السداد بين الجهات الحكومية بدلا من إصلاح أصل المشكلة، وهو ما يخلق صورة مصطنعة للاستقرار بينما تتراكم الأعباء خلف الجدار المالي نفسه.

 

وعلى هذا الأساس، يجب إعلان حجم مديونية الكهرباء للبترول شهريا، لا الاكتفاء بأرقام توريد الوقود، لأن المواطن من حقه أن يعرف تكلفة تشغيل الكهرباء، ومقدار الدعم الحقيقي، والفجوة بين سعر الغاز المدعوم وسعر الواردات، قبل أن يفاجأ بزيادة جديدة في الفواتير.

 

الأحمال الصيفية ترفع الاستهلاك وتكشف هشاشة مزيج الطاقة

 

في المقابل، تستهلك محطات الكهرباء التقليدية حاليا ما بين 3.4 و3.5 مليار قدم مكعبة من الغاز الطبيعي يوميا، بزيادة تتراوح بين 250 و350 مليون قدم مكعبة يوميا عن استهلاك الربع الأول من العام، وهي زيادة ترتبط بارتفاع الأحمال واقتراب ذروة الصيف.

 

ثم تظهر هشاشة المزيج عندما تتلقى محطات الكهرباء ما بين 58 و60% من إمدادات الغاز في مصر، بما يجعل القطاع الكهربائي المستهلك الأكبر والأكثر حساسية لأي نقص في الإنتاج أو الواردات، خصوصا عندما يتزامن الصيف مع اضطرابات إقليمية وأسعار مرتفعة.

 

وبحسب البيانات الحكومية، توفر مصر نحو 75% من احتياجات محطات الكهرباء من الغاز عبر الإنتاج المحلي، بينما تأتي النسبة المتبقية من واردات الغاز الطبيعي المسال وكميات من الغاز المنقول عبر خطوط أنابيب من دول الجوار ضمن خطة تنويع المصادر.

 

غير أن هذه الخطة لا تخفي المشكلة الأساسية، لأن ربع احتياجات محطات الكهرباء من الغاز يبقى معرضا لسعر السوق أو شروط الموردين أو اضطرابات الخطوط، وهو ربع كاف لصناعة أزمة ضخمة عندما تقفز الأسعار أو تتراجع الإمدادات في أيام ذروة الطلب.

 

وفي هذا المحور، يخدم رأي عبد النبي عبد المطلب زاوية الموازنة العامة، لأنه يرى أن الموازنات المصرية تحمل طموحات كبيرة بلا أدوات تنفيذ كافية، وهو ما ينطبق على قطاع كهرباء يحتاج استقرارا في الوقود بينما يعتمد على دعم وديون وواردات مرتفعة الكلفة.

 

كما تدور أحمال الكهرباء حاليا حول متوسط 32.4 غيغاواط كحمل أقصى ونحو 24 غيغاواط كحمل أدنى يوميا، وهي أحمال تلبي احتياجات قطاعات الدولة المختلفة، لكنها تفرض سؤالا عن كفاءة الاستهلاك، وجدوى المحطات التقليدية، وسرعة التحول إلى طاقة أقل كلفة.

 

وبالتوازي، تقول الحكومة إن توافر الغاز في المحطات يقلل الاعتماد على المازوت الأعلى تكلفة، ويحسن كفاءة مزيج الطاقة المستخدم في التوليد، لكن هذا التبرير لا يجيب عن سبب وصول البلد إلى مرحلة يدفع فيها ثمنا باهظا لتجنب وقود أكثر سوءا.

 

لذلك يجب أن تتوقف الحكومة عن تقديم الغاز المستورد بوصفه نجاحا في إدارة الأزمة، لأن النجاح الحقيقي هو تقليل الحاجة إليه عبر إنتاج محلي مستقر، ومصادر متجددة أسرع، وكفاءة في الشبكات، وتعريفة عادلة لا تخفي التكلفة ثم تقذفها لاحقا في وجه المواطنين.

 

ومن ناحية اجتماعية، لا يستطيع المواطن فصل هذه الفاتورة عن حياته اليومية، لأن أي ارتفاع في تكلفة وقود الكهرباء يظهر في أسعار السلع والخدمات والمصانع والنقل والتبريد، كما يظهر في فواتير الكهرباء عندما تقرر الحكومة تمرير جزء من العبء إلى الأسر.

 

وبناء على ذلك، يحتاج ملف الكهرباء إلى مراجعة علنية لا إلى تصريحات متفرقة، تشمل تكلفة كل مصدر وقود، ونسب الغاز المحلي والمستورد، وديون الكهرباء للبترول، وخطة خفض الاعتماد على الغاز المسال، وجدول دخول مشروعات الطاقة المتجددة إلى الشبكة بأثر ملموس.

 

وفي النهاية، تكشف قفزة وقود الكهرباء إلى 155 مليار جنيه في 5 أشهر أن الحكومة لا تدفع ثمن الغاز فقط، بل تدفع ثمن سياسة اعتمدت على حلول خارجية مكلفة، وعلى مديونيات داخلية مؤجلة، وعلى خطاب يبيع الاستقرار اللحظي ويتجاهل التكلفة المتراكمة.

 

وبهذا المعنى، لا تكفي عبارة تنويع مصادر الإمداد لتطمين الناس، لأن التنويع الذي يرفع الفاتورة ولا يحمي الموازنة ليس حلا كاملا، والكهرباء التي تستقر اليوم عبر غاز مسال باهظ قد تصبح غدا سببا جديدا لرفع الأسعار وتوسيع أعباء المعيشة على المواطنين.