كشفت وزارة المالية عن ارتفاع الإيرادات الضريبية بنسبة 29.3 في المئة بما يعادل 500.2 مليار جنيه خلال الفترة من يوليو إلى أبريل من العام المالي 2025 إلى 2026 لتصل إلى 2.208 تريليون جنيه مقابل 1.708 تريليون جنيه خلال الفترة ذاتها من العام السابق، في زيادة تعكس توسعا كبيرا في الحصيلة الضريبية على مستوى الدولة خلال فترة زمنية واحدة.

 

وتوضح البيانات أن هذا الارتفاع يأتي في سياق اقتصادي يشهد ضغوطا معيشية متزايدة على المواطنين نتيجة ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، بينما يثير نمو الإيرادات تساؤلات حول ما إذا كان ناتجا عن نشاط اقتصادي حقيقي أو انعكاس مباشر للتضخم وتوسيع منظومة التحصيل والرقابة الضريبية داخل الاقتصاد المصري.

 

ضريبة الدخل تقود نمو الإيرادات الضريبية في مصر

 

سجلت المتحصلات الضريبية من ضريبة الدخل ارتفاعا بنسبة 42 في المئة بما يعادل 242.3 مليار جنيه لتصل إلى 818.5 مليار جنيه خلال 10 أشهر، مدفوعة بزيادة حصيلة الضريبة على المرتبات المحلية والنشاط التجاري والصناعي في السوق المحلي بشكل واسع.

 

وأوضح الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة أن جزءا كبيرا من هذا الارتفاع يرتبط بإعادة تسعير الدخول في ظل التضخم وليس بزيادة حقيقية في القوة الشرائية، مشيرا إلى أن ارتفاع الأجور الاسمية يؤدي تلقائيا إلى زيادة الحصيلة الضريبية دون تحسن فعلي في مستوى المعيشة.

 

كما ارتفعت الحصيلة من الضريبة على المرتبات المحلية بنحو 52.9 مليار جنيه لتسجل 204.2 مليار جنيه، إلى جانب زيادة الضريبة على النشاط التجاري والصناعي بنحو 40.9 مليار جنيه لتصل إلى 132.6 مليار جنيه خلال الفترة نفسها.

 

وسجلت الضريبة على المهن غير التجارية ارتفاعا بنسبة 45 في المئة لتصل إلى 18.8 مليار جنيه، في حين صعدت الضريبة على الشركات بنسبة 45.6 في المئة لتبلغ 453 مليار جنيه، ما يعكس توسعا في قاعدة الخاضعين للضريبة داخل الاقتصاد.

 

كما ارتفعت حصيلة الضرائب من قناة السويس بنحو 14.9 مليار جنيه بنسبة 19.3 في المئة لتصل إلى 92 مليار جنيه، وهو ما يشير إلى تحسن نسبي في بعض مصادر الدخل السيادي خلال الفترة محل الرصد.

 

القيمة المضافة والتضخم كمحرك أساسي للإيرادات

 

ارتفعت المتحصلات الضريبية من ضريبة القيمة المضافة بمقدار 168 مليار جنيه بنسبة 22.7 في المئة لتسجل 907 مليارات جنيه خلال فترة الدراسة، نتيجة ارتفاع الحصيلة من ضريبة القيمة المضافة على السلع والخدمات المحلية والمستوردة بشكل مباشر.

 

وتوضح الخبيرة الاقتصادية هبة الليثي أن ضريبة القيمة المضافة ترتبط ارتباطا مباشرا بمستويات الأسعار، حيث يؤدي ارتفاع التضخم إلى زيادة تلقائية في الحصيلة دون توسع حقيقي في الإنتاج، ما يجعل جزءا من النمو الضريبي انعكاسا لزيادة الأسعار أكثر من كونه نموا اقتصاديا فعليا.

 

وسجلت ضريبة القيمة المضافة على السلع ارتفاعا بنسبة 12.3 في المئة لتصل إلى 469.4 مليار جنيه، نتيجة زيادة حصيلة ضريبة القيمة المضافة من السلع المستوردة بنحو 16.3 مليار جنيه لتسجل 305 مليارات جنيه، وزيادة حصيلة السلع المحلية بنحو 35.2 مليار جنيه لتصل إلى 164.5 مليار جنيه.

 

كما ارتفعت ضريبة القيمة المضافة على الخدمات بنسبة 33.9 في المئة لتصل إلى 128.8 مليار جنيه، مدفوعة بزيادة حصيلة الفنادق والمطاعم بنحو 20.7 مليار جنيه لتبلغ 34 مليار جنيه، إلى جانب زيادة حصيلة خدمات الاتصالات الدولية والمحلية بنحو 6 مليارات جنيه لتصل إلى 28.3 مليار جنيه.

 

وتشير المؤشرات إلى أن هذا النمو يعكس ارتفاعا في الأسعار والاستهلاك الاسمي داخل الاقتصاد أكثر من كونه توسعا إنتاجيا حقيقيا، خاصة مع ارتباط معظم بنود القيمة المضافة بالتغيرات السعرية المباشرة في السوق.

 

الضرائب على الممتلكات والتجارة الدولية وتوسيع القاعدة الضريبية

 

ارتفعت الحصيلة من الضرائب على الممتلكات بنحو 59.5 مليار جنيه بنسبة 20.9 في المئة لتبلغ 344 مليار جنيه مقابل 284.6 مليار جنيه خلال الفترة السابقة، مدفوعة بزيادة حصيلة الضرائب على عوائد أذون وسندات الخزانة.

 

وسجلت الضرائب على عوائد أذون وسندات الخزانة ارتفاعا بنسبة 20.6 في المئة لتصل إلى 316.6 مليار جنيه، إلى جانب زيادة الضرائب على السيارات بنسبة 20.9 في المئة لتبلغ 16 مليار جنيه، ما يعكس توسعا في التحصيل من الأدوات المالية والاستهلاكية.

 

كما ارتفعت المتحصلات من الضرائب على التجارة الدولية بنحو 15.4 مليار جنيه بنسبة 15.6 في المئة لتصل إلى 113.7 مليار جنيه، في ظل تغيرات في حركة التجارة الخارجية وقيم السلع المستوردة والمصدرة خلال الفترة محل الدراسة.

 

وتشير وزارة المالية إلى أن التحول الرقمي وميكنة الإجراءات ساهم في تحسين كفاءة التحصيل الضريبي والحد من التهرب الضريبي، إلى جانب دمج قطاعات جديدة مثل التجارة الإلكترونية داخل المنظومة الضريبية الرسمية.

 

كما ساهمت التعديلات التشريعية في توسيع القاعدة الضريبية من خلال إدخال أنشطة اقتصادية جديدة وإلغاء بعض الإعفاءات، وهو ما انعكس على زيادة الإيرادات بشكل تدريجي خلال الفترة الأخيرة.

 

قراءة ختامية في دلالات ارتفاع الإيرادات الضريبية

 

يرى محللون اقتصاديون أن الزيادة الكبيرة في الإيرادات الضريبية تعكس مزيجا من التضخم وتوسيع أدوات التحصيل أكثر من كونها نتيجة مباشرة لنمو الإنتاج الحقيقي داخل الاقتصاد المصري خلال الفترة محل الرصد.

 

ويشير خبراء إلى أن استمرار هذا النمط من النمو في الإيرادات قد يواجه تحديات في حال تراجع معدلات التضخم أو تباطؤ النشاط الاقتصادي، حيث ترتبط نسبة كبيرة من الحصيلة بالتغيرات السعرية وليس بالإنتاج الفعلي.

 

كما يحذر مراقبون من أن الاعتماد المتزايد على الضرائب غير المباشرة مثل ضريبة القيمة المضافة قد يرفع الضغط على الطبقات المتوسطة ومحدودة الدخل في ظل ثبات نسبي للأجور الحقيقية مقارنة بارتفاع الأسعار.

 

وفي المحصلة تعكس بيانات وزارة المالية تحسنا رقميا كبيرا في الإيرادات الضريبية، إلا أن هذا التحسن يظل محل جدل حول مصادره الحقيقية بين النمو الاقتصادي الفعلي وتأثير التضخم وتوسع منظومة الجباية داخل الدولة.