يتسع نطاق الأزمة الإنسانية في قطاع غزة يوماً بعد آخر، مع استمرار الحرب والحصار وتراجع تدفق المساعدات الإنسانية، في وقت تتصاعد فيه التحذيرات المحلية والدولية من عودة المجاعة إلى مستويات غير مسبوقة تهدد حياة مئات الآلاف من السكان، خصوصاً الأطفال والنساء وكبار السن.
ففي المخيمات ومراكز الإيواء المنتشرة في أنحاء القطاع، لم يعد الحصول على وجبة طعام أمراً مضموناً كما كان خلال الأشهر الماضية، بعدما بدأت المطابخ الخيرية والجهات الإغاثية تقليص خدماتها أو إيقافها جزئياً نتيجة النقص الحاد في المواد الغذائية والوقود، وسط استمرار القيود المفروضة على دخول المساعدات عبر المعابر.
معاناة يومية في مخيمات النزوح
داخل أحد مراكز الإيواء غرب مدينة غزة، تجلس أم محمد أمام خيمتها البسيطة التي أصبحت مأوى لعائلتها منذ نزوحها من حي الشجاعية شرق المدينة. تحاول الأم الفلسطينية أن تجد إجابة مقنعة لأسئلة أطفالها المتكررة عن الطعام، بعدما تحولت الوجبات الساخنة التي كانت تصل يومياً إلى أمر نادر الحدوث.
وتقول إن الأسر النازحة كانت تعتمد بشكل شبه كامل على المساعدات الغذائية التي توفرها المطابخ الإنسانية، إلا أن الكميات بدأت بالتراجع تدريجياً خلال الأسابيع الأخيرة، قبل أن يتوقف التوزيع في بعض الأيام بسبب نقص الإمدادات.
وتعكس قصة أم محمد واقعاً تعيشه آلاف العائلات الفلسطينية التي فقدت مصادر دخلها ومنازلها، وأصبحت تعتمد على المساعدات الإنسانية بوصفها الوسيلة الوحيدة للبقاء.
ومع الارتفاع الكبير في أسعار السلع المتوفرة داخل الأسواق المحلية، باتت معظم الأسر عاجزة عن شراء احتياجاتها الأساسية، خصوصاً في ظل البطالة الواسعة وانعدام الموارد المالية لدى غالبية السكان.
المساعدات تتراجع والأزمة تتفاقم
خلال الأسابيع الأخيرة، أعلنت مؤسسات إغاثية عدة عن تقليص عملياتها الغذائية داخل قطاع غزة بسبب تراجع كميات المواد الأساسية التي تصل إلى القطاع، إضافة إلى نقص الوقود اللازم لتشغيل المخابز والمطابخ الجماعية.
وتشير المعطيات الميدانية إلى انخفاض واضح في عدد الوجبات اليومية المقدمة للنازحين، مقابل تزايد أعداد المحتاجين للمساعدات، الأمر الذي أدى إلى مشاهد يومية من الاكتظاظ أمام نقاط التوزيع.
ويصطف الرجال والنساء والأطفال لساعات طويلة أملاً بالحصول على وجبة تسد رمقهم، بينما يضطر كثيرون إلى العودة بأوعية فارغة بعد نفاد الكميات المخصصة للتوزيع.
وأصبحت مشاهد الطوابير الطويلة الممتدة أمام مراكز الإغاثة جزءاً من الحياة اليومية في القطاع، حيث يتنافس آلاف الجوعى على كميات محدودة من الطعام لا تكفي لتلبية الاحتياجات المتزايدة.
اتهامات باستمرار سياسة تقييد المساعدات
وتؤكد السلطات المحلية في غزة أن الأزمة الحالية ترتبط بشكل مباشر باستمرار القيود المفروضة على إدخال المساعدات الإنسانية، مشيرة إلى أن كميات الغذاء والدواء التي تدخل القطاع لا تزال أقل بكثير من الاحتياجات الفعلية للسكان.
ووفق بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في غزة، فإن النقص الحاد في المواد الغذائية انعكس بصورة مباشرة على قدرة المؤسسات الإنسانية على تشغيل المطابخ الخيرية والمخابز، ما أدى إلى تراجع أعداد المستفيدين من برامج الإغاثة الغذائية.
وتحذر الجهات الرسمية من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى اتساع رقعة الجوع بشكل غير مسبوق، خصوصاً مع وجود مئات الآلاف من النازحين الذين يعتمدون بشكل كامل على المساعدات اليومية.
كما تؤكد أن أزمة الغذاء لم تعد تقتصر على نقص بعض السلع، بل باتت تمس أساسيات الحياة اليومية، في ظل محدودية الخيارات المتاحة أمام السكان للحصول على الغذاء والمياه والدواء.
"معركة يومية" للحصول على الطعام
في دير البلح وسط قطاع غزة، يصف أبو جهاد، وهو أب لخمسة أطفال يعيش داخل مدرسة تؤوي مئات العائلات النازحة، رحلة البحث عن الطعام بأنها تحولت إلى "معركة يومية".
ويقول إن الحصول على وجبة بسيطة قد يتطلب الانتظار لساعات طويلة تحت أشعة الشمس، مضيفاً أن كثيراً من الأسر تغادر نقاط التوزيع من دون أن تحصل على أي شيء بسبب نفاد الكميات المتوفرة.
وتتكرر المشاهد نفسها في مخيم النصيرات ومناطق أخرى من القطاع، حيث يقف السكان في طوابير طويلة منذ ساعات الصباح الأولى على أمل الحصول على الخبز أو الأرز أو العدس، وهي مواد أصبحت تمثل الوجبة الأساسية لمعظم العائلات.
وتقول أم فلسطينية نازحة في النصيرات إن أحلام السكان لم تعد تتجاوز الحصول على رغيف خبز أو وجبة بسيطة تسد الجوع، بعدما أصبحت اللحوم والفواكه والعديد من المواد الغذائية الأخرى خارج متناول غالبية الأسر.
وتضيف أن أكثر ما يؤلم الأمهات هو عدم القدرة على توفير الطعام لأطفالهن، في وقت تزداد فيه الاحتياجات الغذائية بسبب ظروف النزوح القاسية.
تحذيرات أممية من انهيار الوضع الإنساني
في المقابل، تواصل الأمم المتحدة والمنظمات الدولية دق ناقوس الخطر بشأن الأوضاع الإنسانية المتدهورة في قطاع غزة.
وأكدت وكالات أممية خلال الأيام الماضية أن القيود المفروضة على دخول المساعدات الإنسانية تعرقل بشكل كبير عمليات الإغاثة، وتحد من قدرة المؤسسات الدولية على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة للسكان.
كما أشارت تقارير أممية إلى أن النقص في الغذاء والوقود والمياه النظيفة ينعكس بصورة مباشرة على مختلف القطاعات الحيوية، بما فيها الصحة والخدمات الأساسية.
وتحذر المؤسسات الدولية من أن الأطفال يمثلون الفئة الأكثر عرضة للخطر، في ظل تزايد مؤشرات سوء التغذية وتراجع القدرة على توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية للأسر.
ويخشى مختصون في الشأن الإنساني من أن يؤدي استمرار تراجع المساعدات إلى ارتفاع معدلات الأمراض المرتبطة بسوء التغذية، إضافة إلى تفاقم الأوضاع الصحية بين المرضى وكبار السن.
خطر المجاعة يلوح مجدداً
ومع استمرار الحرب وتفاقم أزمة النزوح واتساع الاحتياجات الإنسانية، تتزايد المخاوف من انزلاق قطاع غزة نحو مرحلة أكثر خطورة من انعدام الأمن الغذائي، خصوصاً في ظل تراجع المخزون المتاح لدى المؤسسات الإغاثية.
وبين الخيام المترامية ومراكز الإيواء المكتظة، أصبحت الوجبة الواحدة يومياً تمثل الفارق بين الجوع والبقاء على قيد الحياة بالنسبة لعشرات الآلاف من الأسر الفلسطينية.
وفي وقت تتواصل فيه التحذيرات الدولية من كارثة إنسانية وشيكة، يبقى سكان غزة عالقين بين الحرب والحصار ونقص الغذاء، بينما يواصل شبح المجاعة تمدده بصمت في قطاع أنهكته شهور طويلة من القتال والنزوح والحرمان.
https://x.com/thaeralbannaa/status/2057819376733110703?s=20
https://x.com/EbrahimMsalam/status/2057834941149331713?s=20

