تشهد أسواق الملابس في قطاع غزة حالة ركود حاد وغير مسبوق مع اقتراب عيد الأضحى، في مشهد يعكس عمق الأزمة الإنسانية والاقتصادية التي يعيشها سكان القطاع في ظل استمرار الحرب وتداعيات الحصار المشدد، حيث اختفت مظاهر الحركة الشرائية المعتادة وتحولت الأسواق إلى مساحات شبه خالية من المتسوقين.
ويأتي هذا الانهيار في النشاط التجاري بالتزامن مع ظروف معيشية بالغة القسوة داخل قطاع غزة، حيث دفعت الأوضاع المتدهورة آلاف الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها بشكل قسري، لتصبح الاحتياجات الأساسية مثل الغذاء والمياه والمأوى فوق أي اعتبارات أخرى، بما في ذلك مستلزمات العيد.
انهيار القدرة الشرائية وتراجع الطلب
داخل الأسواق الشعبية، يقف التجار أمام بضائعهم دون حركة تُذكر، بينما يكتفي القليل من الزبائن بالاستفسار عن الأسعار قبل المغادرة دون شراء، في ظل انعدام شبه كامل للسيولة وتراجع القدرة الشرائية إلى مستويات غير مسبوقة.
ويؤكد تجار أن الموسم الحالي يُعد الأضعف منذ سنوات، إذ لم تعد هناك حركة شراء جماعية كما كان يحدث في المواسم السابقة، حين كانت المبادرات الخيرية وبرامج الدعم تسهم في تنشيط السوق عبر توزيع “كسوة العيد” على الأسر المحتاجة.
ويشير أصحاب محال الملابس إلى أن غياب هذه المبادرات هذا العام عمّق حالة الركود، خاصة مع توقف أو تقلص العديد من المشاريع الإنسانية التي كانت تُشكّل متنفسًا محدودًا للسكان.
العيد فقد ملامحه التقليدية
وتصف نازحات الوضع الحالي بأنه “خروج كامل للعيد من الذاكرة اليومية”، إذ بات التفكير محصورًا في توفير الاحتياجات الأساسية للبقاء فقط.
وتقول إحدى النازحات من شمال القطاع إن الأطفال باتوا يدركون صعوبة الوضع الاقتصادي، ويخففون من طلباتهم حتى لا يضيفوا عبئًا إضافيًا على أسرهم، في ظل ظروف النزوح وفقدان المنازل.
وتضيف أن العيد فقد كثيرًا من ملامحه التقليدية، حيث لم تعد الأسر قادرة حتى على تخصيص مبالغ رمزية لشراء الملابس، بعدما استُنزفت المدخرات في تأمين الغذاء والمياه والاحتياجات اليومية.
كما تشير إلى أن الارتفاع الكبير في الأسعار جعل حتى المبالغ الصغيرة غير كافية لتغطية شراء قطعة ملابس واحدة، ما دفع كثيرًا من الأسر إلى التخلي عن فكرة “كسوة العيد” بالكامل.
التجار بين الركود وارتفاع التكاليف
في المقابل، يعاني التجار من ضغوط مزدوجة، حيث يواجهون ضعف الطلب من جهة، وارتفاع تكاليف إدخال البضائع من جهة أخرى، نتيجة الأعباء المالية والرسوم المرتبطة بمرور الشحنات إلى القطاع.
ويؤكد أحد التجار أن ارتفاع الأسعار لا يرتبط فقط بندرة البضائع، بل أيضًا بتكاليف النقل والرسوم الإضافية التي تُفرض على الشحنات، ما ينعكس مباشرة على أسعار البيع النهائية ويزيد من عزوف المواطنين عن الشراء.
كما يشير إلى أن غياب الاتفاقيات مع المؤسسات والجمعيات هذا العام، والتي كانت تموّل عادة مشاريع كسوة العيد للأسر الفقيرة، ساهم في تعميق حالة الركود بشكل كبير.
عيد بلا كسوة.. وأولويات البقاء تتصدر المشهد
في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة وتداعياتها الإنسانية على القطاع، تتراجع مظاهر العيد التقليدية إلى أدنى مستوياتها، حيث لم تعد الملابس الجديدة أولوية لدى غالبية السكان، بل أصبح التركيز منصبًا على البقاء اليومي وسط ظروف معيشية متدهورة.
وبينما تغيب الزينة والفرحة عن الأسواق، يبقى المشهد الإنساني هو الأكثر حضورًا، مع اتساع رقعة الفقر والنزوح، وتراجع فرص العمل والدخل، ما يجعل عيد الأضحى هذا العام مختلفًا تمامًا عن سابقاته، ليس فقط في الأسواق، بل في تفاصيل الحياة اليومية لسكان القطاع بأكمله.

