يرصد الكاتبان حازم ثروت وإحسان صلاح، بمشاركة الصحفي ناجح داوود، ملامح التقارب الحذر بين القاهرة ودمشق بعد سنوات من التوتر السياسي، في ظل متغيرات إقليمية وضغوط اقتصادية دفعت الطرفين إلى إعادة تقييم مواقفهما. ويكشف التقرير عن اتصالات دبلوماسية وأمنية رفيعة المستوى جرت خلال الأشهر الماضية بين مصر والإدارة السورية الجديدة بقيادة أحمد الشرع، رغم استمرار الشكوك المصرية تجاه الخلفية الإسلامية للنظام الجديد في دمشق.


ونشر موقع مدى مصر التقرير موضحاً أن اللقاءات الجانبية التي جرت بين رئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي والرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع خلال اجتماعات قبرص الأوروبية الإقليمية أظهرت برودة واضحة في التعامل العلني، رغم وجود نقاشات سياسية واقتصادية خلف الكواليس بشأن مستقبل العلاقات الثنائية والتعاون الإقليمي.


القاهرة ودمشق تبحثان إعادة بناء العلاقات


عكست الصور الرسمية الصادرة عن الرئاسة المصرية حالة التحفظ بين السيسي والشرع، إذ حرص الطرفان على تجنب أي مشاهد قد توحي بتقارب سياسي مباشر. لكن مصادر مصرية وسورية أكدت أن الاتصالات بين الجانبين لم تتوقف، بل توسعت خلال الفترة الأخيرة لتشمل ملفات الأمن الإقليمي والعلاقات الدبلوماسية والتعاون الاقتصادي.


وشهدت القاهرة هذا الأسبوع خطوة جديدة نحو التقارب، بعدما عقد وزير الخارجية بدر عبد العاطي اجتماعاً مع وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ووزير الاقتصاد السوري محمد نضال الشعار، لبحث التعاون التجاري والاقتصادي وملفات الأمن الإقليمي. وأعلنت دمشق عقب الاجتماع تأسيس مجلس أعمال سوري مصري لتعزيز الشراكات الاستثمارية.


كما استقبلت الرئاسة السورية رجل الأعمال المصري حسن علام في دمشق، حيث ناقش الجانبان مشروعات التطوير العقاري والبنية التحتية وإعادة الإعمار، في إشارة واضحة إلى اهتمام القاهرة بالحصول على دور اقتصادي داخل السوق السورية.


التحولات الإقليمية تغيّر حسابات القاهرة


دفعت الحروب والأزمات الاقتصادية والتغيرات السياسية في المنطقة مصر إلى مراجعة تحالفاتها التقليدية ومواقفها القديمة تجاه الملف السوري. فالقاهرة التي دعمت سابقاً عودة نظام بشار الأسد إلى المؤسسات العربية، تجد نفسها اليوم أمام واقع جديد فرضته سيطرة هيئة تحرير الشام بقيادة أحمد الشرع على دمشق.


وتشير مصادر مصرية إلى أن دوائر داخل الدولة كانت تخشى صعود “النموذج الإسلامي المقبول” في سوريا، باعتباره يمثل تهديداً للرؤية المصرية التقليدية تجاه الحركات الإسلامية. لكن تطورات الأشهر الأخيرة عززت موقف التيار الداعم لإعادة الانفتاح على دمشق، خاصة بعد قرارات سورية بإعادة دمج ضباط سابقين في الجيش النظامي داخل المؤسسات العسكرية الجديدة.


وتؤكد مصادر مصرية أن القاهرة لم تعد تتحرك وفق تحالفات جماعية كما حدث بعد الربيع العربي، بل أصبحت تتعامل مع الملفات الإقليمية بصورة منفصلة تراعي مصالحها الاقتصادية والأمنية المباشرة.


إعادة الإعمار تدفع التقارب الاقتصادي


يمثل ملف إعادة إعمار سوريا المحرك الأبرز للتقارب المصري السوري في المرحلة الحالية، مع تقديرات دولية تشير إلى أن تكلفة إعادة بناء البنية التحتية السورية قد تصل إلى مئات المليارات من الدولارات.


وتسعى دمشق إلى جذب الاستثمارات العربية والأجنبية عبر تقديم سوريا كسوق مفتوحة للمشروعات الكبرى، بينما ترى القاهرة أن غيابها عن هذا الملف سيمنح دول الخليج وتركيا وإسرائيل نفوذاً أوسع داخل سوريا الجديدة.


وشهدت دمشق مطلع العام انعقاد المنتدى الاقتصادي والاستثماري السوري المصري الأول، بمشاركة مسؤولين ورجال أعمال من البلدين، حيث ناقش المشاركون فرص التعاون في قطاعات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية.


وتشير مصادر مطلعة إلى أن حجم المكاسب الاقتصادية التي قد تحصل عليها مصر من مشروعات إعادة الإعمار سيؤثر بصورة كبيرة على سرعة تطوير العلاقات السياسية والدبلوماسية بين البلدين.


وفي الوقت نفسه، تحاول القاهرة لعب دور سياسي داعم لاستقرار سوريا، إذ شجعت دمشق على تجنب التصعيد مع حزب الله، كما قدمت دعماً قانونياً ودبلوماسياً للحكومة السورية في مفاوضاتها غير المباشرة مع إسرائيل.


ورغم استمرار ملفات شائكة مثل تسليم مطلوبين مصريين وملف اللاجئين السوريين في مصر، تبدو القاهرة ودمشق أقرب من أي وقت مضى إلى بناء علاقة جديدة تحكمها البراجماتية السياسية والمصالح الاقتصادية أكثر من الحسابات الأيديولوجية القديمة.

 

https://www.madamasr.com/en/2026/05/06/feature/politics/a-cautious-rekindling-of-syria-egypt-relations-amid-economic-challenges-regional-upheaval/