عادل صبري

كاتب وصحفي مصري

 

وضعت الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، مصر فوق فوهة بركان اقتصادي، جعلتها من أكثر الدول تضررًا من العمليات العسكرية الدائرة في كل دول الخليج والعراق والأردن ولبنان وإسرائيل. وجعلت الحرب الحكومة المصرية تستجدي الولايات المتحدة ومؤسسات مالية لكي تمنحها قروضًا عاجلة لسداد الفجوة في فاتورة استيراد الغاز والمحروقات التي ارتفعت من 650 مليون دولار إلى 2.5 مليار دولار خلال شهر مارس 2026، ومرشحة للزيادة مع استمرار الحرب واتساع نطاقها.

 

في الظاهر، تبدو المؤشرات الكلية في مصر أقل إثارة للقلق مما كانت عليه قبل عامين، فالحكومة تعلن وجود احتياطي نقدي يتجاوز 52 مليار دولار، مع تراجع نسبي في معدلات التضخم حتى نهاية شهر فبراير الماضي، واستعادة جزئية لتدفقات النقد الأجنبي، في شكل تدفقات استثمارية على أدوات الدين المحلية وقروض عاجلة، وخطط لتقليل الواردات. غير أن هذه الصورة تخفي وراءها واقعًا أكثر هشاشة. فالتقلبات الأخيرة في أسعار السلع، وبخاصة المحروقات، وزيادة سعر صرف الدولار مقابل الجنيه المصري ليست حدثًا عابرًا، بل تعكس ضغوطًا متراكمة تشير إلى أن نموذج الاستقرار الحالي يقترب من التلاشي.

 

تصف دراسة حديثة أجراها رئيس هيئة الرقابة المالية الحكومية والبورصة المصرية السابق وأستاذ التمويل في الأكاديمية العربية محمد عمران، صادرة عن "المبادرة العربية للإصلاح"، الوضع بدقة: مصر ليست في أزمة عملة، لكنها تواجه إشارة تحذير متقدمة. المشكلة كما يراها عمران ليست في التحرك الأخير للجنيه بحد ذاته، بل في ما يكشفه من استمرار اعتماد الاقتصاد على عوامل خارجية متقلبة، بدلًا من بناء مصادر قوة داخلية مستدامة.

 

التصعيد العسكري في الخليج والمنطقة، بما يحمله من اضطرابات في أسواق الطاقة، وتراجع في شهية المخاطر عالميًا، وتهديد لمسارات التجارة، لا يمثل في حد ذاته مفاجأة للاقتصاد المصري، لأن مقدماته كانت معروفة سلفًا، وتأثرت بها الدول كافة، وإن ظهر أكثر خطورة عما شهده العالم من أحداث ساخنة، منذ انتشار وباء كوفيد 19 عام 2020، ثم اندلاع الحرب الروسية في أوكرانيا عام 2022، لكن ما يثير القلق هو سرعة انتقال هذه الصدمات العنيفة إلى الداخل.

 

فارتفاع أسعار الوقود عالميًا يضغط على الموازنة المصرية، واضطرابات الملاحة تهدد إيرادات قناة السويس، وخروج الاستثمارات قصيرة الأجل يعيد التوتر إلى سوق الصرف، وأي تباطؤ في اقتصادات الخليج سينعكس مباشرة على تحويلات المصريين العاملين في الخارج، التي تمثل أحد أهم مصادر النقد الأجنبي على مدار السنوات الماضية. قنوات الدخل ليست جديدة، والمخاطر المحيطة بها متكررة في كل أزمة تأتي بها الرياح من الخارج، لكنها تكشف أن الاقتصاد لا يزال شديد الحساسية للصدمات الخارجية، وهو ما يعكس، في جوهره، غياب مناعة هيكلية كافية.

 

تشير الدراسة إلى أنه منذ تحرير سعر الصرف في أكتوبر 2016، اعتمدت مصر على مزيج من التمويل الخارجي وتدفقات رؤوس الأموال قصيرة الأجل لتحقيق الاستقرار، وقد نجح هذا النموذج، إلى حد ما، في استعادة الثقة وبناء احتياطيات قوية، بلغت 52.8 مليار دولار في شهر مارس الماضي، لكن هذا الاستقرار كان يحمل في داخله تناقضًا واضحًا، فهو قائم على تدفقات يمكن أن تتعطل بسرعة، وليس على توسع مستدام في الإنتاج أو الصادرات.

 

ظهر هذا بوضوح خلال أزمتي الفترة بين 2022 و2024 حين أدى إغلاق الدول وتعطل سلاسل الإمداد ثم المخاوف من توسع العمليات العسكرية في أوروبا وتغير الظروف المالية العالمية إلى خروج سريع لرؤوس الأموال، بما كشف هشاشة النموذج وأعاد الضغوط على الجنيه. أما التحسن النسبي الذي أعقب ذلك، فقد ارتبط بعوامل استثنائية، منها تدفقات استثمارية كبيرة لمرة واحدة تمثلت بشراء الصندوق السيادي لدولة الإمارات مدينة رأس الحكمة بقيمة 35 مليار دولار، وعودة التحويلات عبر القنوات الرسمية، بعد تعويم للجنيه أفقده نحو 40% من قيمته في مارس 2024، وهو ما يجعل هذا الاستقرار مشروطًا بطبيعته، وليس نتيجة تحول هيكلي مكتمل.

 

في ظل هذه البيئة، تصبح إدارة العملة الصعبة مسألة مركزية، في رأي كثير من الاقتصاديين، ومنهم صاحب الدراسة المشار إليها، غير أن السياسة الحالية تثير تساؤلات جوهرية عن كفاءة تخصيص هذه الموارد. فلا يزال الطلب على الدولار مرتفعًا، من جهة الحكومة والشركات والأفراد، مدفوعًا بواردات تشمل سلعًا استهلاكية وخدمات دولية غير أساسية كالسفر للتسوق والسياحة غير الدينية، في وقت تعاني فيه القطاعات الإنتاجية من قيود تمويلية وارتفاع في تكاليف التشغيل. هذا التناقض يعكس خللًا في الأولويات لدى الحكومة والأفراد، حيث الاستهلاك الخارجي يحظى بإمكانية الوصول إلى العملة الصعبة، من البنوك بسهولة، بينما يواجه الإنتاج المحلي قيودًا متزايدة.

 

في المقابل، لا توجد مؤشرات كافية على تبني الحكومة سياسات حازمة لإعادة توجيه الموارد نحو القطاعات القادرة على توليد النقد الأجنبي، سواء في الصناعة أو الزراعة أو الخدمات، بل هي مستمرة في الإنفاق على مشروعات، طالما أهدرت العملة الصعبة في بناء ناطحات سحاب ومكاتب حكومية ومنشآت بالعاصمة الإدارية والساحل الشمالي، تعتمد بنسبة 80% على توفير احتياجاتها من الخارج، وعبر قروض مرتفعة التكلفة تدخل البلاد في سباق مزعج مع فواتير السداد الشهرية. تترك الحكومة عبء التكيف مع الأزمة الاقتصادية على الداخل الذي يبدأ بالمنتجين وسلاسل البيع والمستهلكين، لأن الضغوط على العملة لا تبقى في نطاق سوق الصرف بمفرده.

 

في اقتصاد يعتمد على الاستيراد، تنتقل هذه الضغوط سريعًا إلى الأسعار المحلية، وهذا ما رأيناه مع رفع أسعار الوقود أخيرًا، في توقيت يتسم بارتفاع عدم اليقين من تداعيات الحرب وإطالة أمدها، الأمر الذي انعكس على إعادة تسعير واسعة للسلع والخدمات كافة التي تأتي من الخارج عبر سلاسل الإمداد ومن الداخل من مخازن الشركات والموزعين.

 

شاهدنا النتيجة بسرعة في الأسواق، تمثلت بعودة الضغوط التضخمية. فالأسعار ترتفع بسرعة، بقرارات حكومية أو بإرادة المنتجين والموزعين، بينما يظل ضبط الإنفاق العام أكثر بطئًا وانتقائية، وتبدو الحكومة غير قادرة على ضبط الأسعار بالسوق. هذا الاختلال في توزيع عبء التكيف الحكومي مع الأزمة الاقتصادية المتصاعدة يثير تساؤلات عن استدامة المسار الحالي، لا اقتصاديًا فقط، بل اجتماعيًا أيضًا.

 

وفقًا لما نراه من تصريحات رئاسية وما يكرره رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، من الناحية النظرية، هناك إدراك حكومي واسع لأهمية التحول نحو نموذج يعتمد على الإنتاج والتصدير والاستثمار طويل الأجل، لكن على مستوى الواقع، لا نرى أية نتائج حاسمة، حيث لا تزال السياسات الحكومية تعكس اعتمادًا مستمرًا على الاقتراض وجذب التدفقات النقدية قصيرة الأجل "الأموال الساخنة"، وإدارة الأزمات عند وقوعها.

 

وفقًا للدراسة المشار إليها آنفًا وأخرى عرضها رجال الأعمال وبرلمانيون، فإن البدائل معروفة، لكنها لم تُفعّل بالقدر الكافي، تتطلب تقييد مؤقت للواردات غير الأساسية لتخفيف الضغط على العملة ببرامج متكاملة لدعم الصناعة تتجاوز الحوافز الشكلية، واستثمارات حقيقية في الزراعة لتعزيز الأمن الغذائي وتطوير قطاع الخدمات مصدرًا مستدامًا للنقد الأجنبي.

 

التجربة تؤكد بوضوح أن الاستقرار لا يمكن أن يُبنى على تدفقات مالية سريعة الزوال، بل على تراكم إنتاجي وادخار محلي، لأن الاحتياطي النقدي الحالي يوفر هامشًا من الوقت، لكنه لا يغير من طبيعة التحدي الذي تحتاجه الدولة في مواجهة أزمة خانقة لا نعلم متى تنتهى، خصوصًا أن هناك ارتفاعًا عالميًا بأسعار الفائدة، وتزايد الاضطرابات الجيوسياسية يجعل مصر باعتبارها واحدة الأسواق الناشئة، غير قادرة على الاعتماد على التمويل الخارجي الأكثر محدودية.

 

هذا يعني أن نافذة التصحيح للأخطاء المتكررة لا تزال مفتوحة، لكنها تضيق تدريجيًا، وكلما تأخر التحول نحو نموذج أكثر توازنًا، زادت تكلفة هذا التحول، فما تواجهه مصر اليوم ليس أزمة بالمعنى التقليدي، بل اختبار لمدى قدرة السياسة الاقتصادية على الانتقال من إدارة التقلبات إلى بناء الاستقرار المستدام.

 

فما نراه من ضغوط حالية وسابقة على الجنيه، جعلته يفقد نحو 80% من قيمته منذ عام 2016، ليست سوى عرض لمشكلة أعمق، تكشف عن اقتصاد لا يزال يعتمد على الخارج في تمويل استهلاكه، دون أن يحقق بعد القفزة المطلوبة في الإنتاج، وبما يعمّق الفجوة بين الصادرات والواردات لأكثر من 50 مليار دولار سنويًا، تعمل العمل على تدبيرها عبر صفقات الديون وبيع الأصول العامة. إذا سرنا بهذا السياق لفترات مقبلة، فإن الخطر لا يكمن في الصدمة الحالية، بل في احتمال أن تتحول صدمات الحرب إلى حلقة جديدة في دفع العملة المحلية إلى الهاوية وكسر قدرة المصريين على تدبير احتياجاتهم اليومية ودفعهم إلى مزيد من الفقر والديون.