أكد الدكتور يوسف القرضاوي في كتابه «الإيمان والحياة» أن الإيمان والأمل متلازمان لا ينفصلان، وأن المؤمن الحق هو أوسع الناس رجاء وأكثرهم تفاؤلًا، لأنه يؤمن بإله قدير رحيم لا يعجزه شيء ولا تخفى عليه خافية، يجيب دعوة المضطر، ويكشف السوء، ويفتح لعباده أبواب التوبة والمغفرة والفرج مهما ضاقت بهم الأسباب.

 

وأوضح القرضاوي أن هذا الإيمان لا يصنع في قلب صاحبه رجاءً عابرًا، بل يغرس فيه يقينًا ثابتًا بأن الله أرحم بعباده من الأم بولدها، وأن رحمته أوسع من ذنوبهم، وكرمه أكبر من حاجاتهم، وقدرته أعظم من كل ضيق أو خوف أو ضعف، ولذلك يعيش المؤمن متفائلًا مستبشرًا، لا ينهزم أمام الشدة، ولا يستسلم للتشاؤم، ولا يقطع صلته بربه عند المرض أو الفقر أو المصيبة أو الظلم.

 

الإيمان بالله مصدر التفاؤل والرجاء

 

يربط الدكتور يوسف القرضاوي بين الإيمان والأمل من نقطة جوهرية، وهي أن المؤمن لا يرى الكون فوضى ولا الحياة مغلقة على الأسباب الظاهرة وحدها، بل يرى وراء كل شيء ربًا يدبر الأمر بعلم ورحمة وحكمة، ولذلك لا يكون اليأس طريقه ولا التشاؤم لغته.

 

فالإيمان عند القرضاوي اعتقاد بقوة عليا لا تحدها حدود، ورحمة لا تنتهي، وكرم لا ينفد، وإله يغفر الذنوب ويقبل التوبة ويعفو عن السيئات، ويفتح يده لعباده بالليل والنهار، ليتوب مسيء النهار ومسيء الليل، ويفرح بتوبة عبده فرحًا عظيمًا.

 

ومن هذا اليقين ينشأ التفاؤل، لأن المؤمن يعرف أن الحسنة عند الله بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف أو يزيد، وأن السيئة لا تجازى إلا بمثلها أو يعفو الله عنها، وأن الله قريب من عبده إذا ذكره، ويقابله بالمغفرة والرحمة إذا أقبل عليه.

 

لهذا يعيش المؤمن على أمل لا حد له، ورجاء لا تنقطع عراه، فينظر إلى الحياة بوجه باسم لا بوجه عابس، ويستقبل أحداثها بثقة في الله لا بضجر من الأقدار، لأنه يعلم أن الأيام يداولها الله بين الناس، وأن بعد الخوف أمنًا، وبعد الضعف قوة، ومع العسر يسرًا.

 

ويؤكد القرضاوي أن هذا الأمل يظهر في كل حال من أحوال المؤمن، فإذا حارب وثق بالنصر لأنه مع الله، وإذا مرض لم ينقطع رجاؤه في الشفاء، وإذا أذنب لم ييأس من المغفرة، وإذا أعسر بقي قلبه متعلقًا باليسر، وإذا أصابته مصيبة انتظر الأجر والخلف من الله.

 

كما يظل المؤمن قريبًا إلى الصلة والسلام حتى عند العداوة والخصومة، لأنه يؤمن بأن الله يقلب القلوب ويجعل بعد العداوة مودة، وإذا رأى الباطل قائمًا لم يظن أن قيامه دائم، بل يوقن أن الحق باق وأن الباطل إلى زوال، وإذا أدركته الشيخوخة ظل يرجو حياة أخرى لا هرم فيها ولا موت ولا شقاء.

 

حين تضيق الأسباب يبقى باب الله مفتوحًا

 

يفرق الدكتور يوسف القرضاوي بين نظرة الماديين ونظرة المؤمنين، فالماديون يقفون عند السنن المعتادة والأسباب الظاهرة، ولا يطمعون في شيء وراءها، أما المؤمنون فيرون أن خالق الأسباب هو الله، وأن عنده من الأسباب الخفية ما لا يحيط به عقل الإنسان.

 

ومن هنا يتجه المؤمن إلى الله عند اشتداد الأزمات واستحكام الحلقات، لأن القلب يجد عند الله الملاذ في الشدة، والأنيس في الوحدة، والنصير عند القلة، فلا يبقى الإنسان أسيرًا للحسابات الجامدة ولا للطرق المسدودة.

 

فالمريض الذي عجز الأطباء عن علاجه يتجه إلى الله راجيًا الشفاء، والمكروب يسأله الصبر والرضا والعوض، والمظلوم ينتظر يومًا ينصره الله فيه على ظالمه، لأن دعوة المظلوم لا حجاب بينها وبين الله، والمحروم من الولد يسأل ربه ذرية طيبة.

 

ويضرب القرضاوي أمثلة قرآنية عظيمة تؤكد أن الرجاء في الله لا يسقط مهما ضعفت الأسباب، فإبراهيم عليه السلام طلب الولد وهو شيخ كبير، فاستجاب الله له وبشره بإسماعيل وإسحاق، فقال شاكرًا إن ربه لسميع الدعاء.

 

ويعرض كذلك موقف يعقوب عليه السلام حين طالت غيبة يوسف، ثم فقد أخاه من بعده، ومع ذلك لم ينطفئ أمله، بل قال لأبنائه أن يتحسسوا من يوسف وأخيه ولا ييأسوا من روح الله، لأن اليأس من رحمة الله لا يكون إلا من قوم انقطعوا عن حقيقة الإيمان.

 

ويذكر القرضاوي دعاء زكريا عليه السلام حين وهن عظمه واشتعل رأسه شيبًا وكانت امرأته عاقرًا، ومع ذلك دعا ربه أن يهبه وليًا صالحًا، فجاءت البشارة بيحيى، ليبقى هذا المشهد شاهدًا على أن رحمة الله لا تقف عند حدود السن ولا العادة ولا ضعف الأسباب.

 

كما يستحضر قصة أيوب عليه السلام حين مسه الضر، فدعا ربه بأنه أرحم الراحمين، فكشف الله ما به من ضر وآتاه أهله ومثلهم معهم، ويذكر يونس عليه السلام في بطن الحوت حين نادى في الظلمات فاستجاب الله له ونجاه من الغم.

 

قصص الأنبياء شهادة على أن اليأس لا يليق بالمؤمن

 

يرى الدكتور يوسف القرضاوي أن قصص الأنبياء ليست مجرد حكايات ماضية، بل شواهد إيمانية تؤكد أن الرجاء في الله يصنع الثبات في أشد اللحظات ضيقًا، وأن المؤمن حين يحاصر من كل اتجاه لا يفقد يقينه بأن الله معه.

 

ويبرز القرضاوي موقف موسى عليه السلام عندما سار بقومه هربًا من فرعون وجنوده، حتى صار البحر أمامهم والعدو وراءهم، فقال أصحابه إنهم مدركون، لكن موسى أجابهم بيقين ثابت: كلا إن معي ربي سيهدين، فجاء الفرج من حيث لا يتوقع الناس وانفلق البحر بأمر الله.

 

ثم ينتقل إلى مشهد الهجرة النبوية، حين لجأ النبي محمد صلى الله عليه وسلم مع أبي بكر الصديق إلى غار ثور، واقترب المشركون حتى خاف أبو بكر على رسول الله، فقال له النبي بثبات المؤمن الواثق: ما ظنك باثنين الله ثالثهما، فكانت العاقبة نصرة الله وسكينته وتأييده.

 

هذه الوقائع كما يقرر القرضاوي يعرفها التاريخ ويؤمن بها المؤمنون، حتى لو أنكرها الماديون لأنها تخرج عن الأسباب المعتادة، فالمؤمن لا يرى العادة قيدًا على قدرة الله، ولا يرى قوانين الأسباب حاجزًا أمام مشيئة الخالق الذي يقول للشيء كن فيكون.

 

ويختم القرضاوي المعنى بأن التقدم نفسه لم يكن ليقع لو ظل الإنسان حبيس ما اعتاده الناس في كل عصر، فلو جمد العلماء والمخترعون على المعروف والمألوف لما تقدم العلم، ولما وصل الإنسان إلى عصر الذرة والفضاء.

 

والخلاصة الدعوية من كلام الدكتور يوسف القرضاوي أن الإيمان ليس شعورًا ساكنًا في القلب، بل قوة تبعث الأمل، وتطرد اليأس، وتدفع المؤمن إلى الثقة والعمل والدعاء، لأنه يعلم أن الله فوق الأسباب، وأن رحمته أوسع من البلاء، وأن كل ضيق عند المؤمن له باب إلى الفرج.