كشفت تحقيقات نشرتها منصة متصدقش عن قضية فساد داخل مديرية الإسكان بالقاهرة، بعد اتهام مسؤولة بالمكتب الفني بتسريب القيم التقديرية لأربعة مشروعات خدمية، هي حديقة الحرية بالزمالك، وحديقة العاشر من رمضان، ومركز القاهرة لتنمية الموارد البشرية، ومول المواردي بالسيدة زينب، بما فتح الطريق أمام شركتي العراقي للمقاولات وناديكو للمقاولات للفوز بها بالأمر المباشر.
.
وأوضحت التحقيقات أن المتهمة حصلت على رشاوى بلغت 125 ألف جنيه مقابل تسهيل الإسناد، بينما حققت الشركتان أرباحا غير مشروعة تجاوزت 9.6 مليون جنيه، ولم يتوقف الخلل عند قرار الترسية، بل امتد إلى التنفيذ عبر خامات أقل جودة، وأسعار متضخمة، وتلاعب في المقايسات، بما يجعل القضية نموذجا فاضحا لتحويل مشروعات عامة إلى باب للنهب المنظم.
تسريب القيم التقديرية يكسر المنافسة من داخل الجهاز الحكومي
أوضح مسار القضية أن تسريب القيم التقديرية لم يكن مخالفة إدارية عابرة، لأن هذه القيم تمثل جوهر المنافسة بين الشركات، وعندما تصل إلى مقاول بعينه قبل الطرح أو الإسناد، يصبح الفوز نتيجة مرتبة سلفا، وتتحول الجهة الحكومية من حارس للمال العام إلى طرف يمنح أفضلية غير قانونية لمن يدفع الرشوة.
ولفتت تفاصيل المشروعات الأربعة إلى أن الخلل طال مواقع خدمية داخل القاهرة، بينها حديقة عامة، ومركز تدريبي، ومول خدمي، وهي أماكن يفترض أن تعود فائدتها على السكان أو الموظفين أو رواد الخدمات، لكن التسريب نقلها من نطاق المصلحة العامة إلى نطاق ترتيبات مغلقة، دفعت فيها الدولة التكلفة، وحصل المقاولون على الربح المضمون.
وفي ظل هذا المسار، يرى الدكتور زياد بهاء الدين، نائب رئيس الوزراء ووزير التعاون الدولي الأسبق، أن حماية المنافسة لا تنفصل عن شفافية القرار الاقتصادي، لأن السوق لا يعمل بعدالة عندما تعرف شركة وحدها السعر المتوقع بينما تدخل الشركات الأخرى ببيانات ناقصة، وهذا المنطق يفسر كيف يصبح الأمر المباشر أداة لإقصاء المنافسين لا وسيلة استثنائية للضرورة.
الأمر المباشر يتحول من استثناء قانوني إلى بوابة ربح خاص
ويبين ملف الإسناد أن استخدام الأمر المباشر في هذه المشروعات لم ينتج عن حالة طارئة واضحة، بل جاء بعد تسريب مسبق للقيم التقديرية، وهو ما يضرب فلسفة التعاقدات العامة من أساسها، لأن الاستثناء القانوني يصبح خطيرا عندما يستخدم لإخفاء التفاهمات، وتجاوز المناقصات، وتفصيل العقود على شركات محددة قبل بدء الإجراءات الفعلية.
وأكدت التحقيقات أن شركتي العراقي للمقاولات وناديكو للمقاولات حققتا أرباحا غير مشروعة تجاوزت 9.6 مليون جنيه، وهذا الرقم يكشف أن الرشوة البالغة 125 ألف جنيه لم تكن سوى مفتاح صغير لربح أكبر، حيث يدفع المقاول مبلغا محدودا داخل المكتب الحكومي، ثم يسترده مضاعفا من فروق الأسعار والخامات والمقايسات.
وفي موازاة ذلك، يؤكد الدكتور جودة عبد الخالق، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة ووزير التموين والتضامن الاجتماعي الأسبق، أن إهدار المال العام لا يظهر فقط في بند الرشوة المباشرة، بل يظهر في الفرصة الضائعة على الخزانة والمواطن، لأن كل جنيه زائد في عقد فاسد يعني خدمة أقل جودة، أو تكلفة أعلى، أو مشروعا لا يؤدي وظيفته كما يجب.
خامات أقل جودة ومقايسات متلاعب بها تكشف الخسارة الحقيقية
وأشار جانب التنفيذ إلى أن الفساد لم يقف عند أبواب الترسية، لأن التحقيقات تحدثت عن استخدام خامات أقل جودة، وتضخم في الأسعار، وتلاعب في المقايسات، وهذه المخالفات تنقل القضية من فساد مكتبي إلى ضرر مادي مباشر، إذ لا يدفع المواطن ثمن العقد فقط، بل يدفع أيضا ثمن مشروع ضعيف يتآكل قبل موعده.
كما يرى الخبير الاقتصادي هاني جنينة أن تضخم التكلفة داخل المشروعات العامة يضغط على موارد الدولة مرتين، مرة عند دفع قيمة العقد، ومرة عند إصلاح العيوب الناتجة عن التنفيذ الرديء، ولذلك تصبح الرقابة الفنية والمالية شرطا لحماية الموازنة، وليست إجراء شكليا بعد انتهاء الأعمال أو بعد ظهور الفضيحة.
وفي هذا السياق، تكشف القضية خللا أوسع في إدارة المشروعات المحلية، لأن موظفة واحدة استطاعت، بحسب التحقيقات، التأثير في مسار أربعة عقود، وتمكين شركتين من أرباح ضخمة، وهو ما يطرح سؤالا مباشرا عن الرقابة السابقة على الإسناد، والرقابة اللاحقة على التنفيذ، ومسؤولية القيادات التي سمحت بمرور هذه الإجراءات دون كشف مبكر.
واخيرا تأتي النتيجة السياسية والإدارية لهذه الواقعة في أن مكافحة الفساد لا تبدأ ببيانات عامة عن النزاهة، بل تبدأ بنشر تفاصيل العقود، وإتاحة المنافسة العلنية، ومراجعة الأمر المباشر، ومحاسبة كل حلقة استفادت أو صمتت، لأن قضية بهذا الشكل لا تخص موظفة ومقاولين فقط، بل تخص منظومة سمحت بتحويل المال العام إلى مكاسب خاصة تحت غطاء مشروعات خدمية.

