أعلنت محافظة الإسكندرية تلقي غرفة العمليات الرئيسية ومركز السيطرة بلاغا بوقوع انهيار داخلي جزئي في عقار بشارع المنزلاوي بمنطقة محرم بك في نطاق حي وسط مساء الجمعة 1 مايو 2026، وأسفر الحادث عن إصابة 11 شخصا ونقلهم إلى مستشفى الميري بحالة مستقرة.

 

ويضع الحادث ملف انهيار عقار بالإسكندرية أمام مسؤولية حكومية مباشرة، لأن العقار صادر له قرار ترميم رقم 155 لسنة 2012 ومحضر مخالفة لعدم تنفيذ الترميم، ولذلك لم تكن الواقعة مفاجأة إنشائية فقط، بل نتيجة إدارية معلنة تركت السكان داخل خطر معروف قبل سقوط السقف.

 

قرار ترميم مؤجل وسقف يسقط على السكان

 

في البداية، أكدت المعاينة الأولية أن العقار مكون من دور أرضي و4 أدوار علوية، وأن الانهيار وقع بسقف إحدى الغرف في الدور الثالث وفق بيان المحافظة، بينما ذكرت مصادر محلية أن السقوط امتد بين طابقين، وهو اختلاف لا يغير جوهر المسؤولية عن عقار معروف الخطر.

 

وبعد ذلك، انتقلت قوات الحماية المدنية وسيارات الإسعاف ومسؤولو حي وسط إلى موقع البلاغ، وفرضت الأجهزة التنفيذية كردونا أمنيا وحواجز حول العقار، ثم أخلت المبنى من السكان كإجراء احترازي، وهي إجراءات جاءت بعد إصابة السكان لا قبل وقوع الخطر الذي سجله قرار الترميم القديم.

 

كما أحالت المحافظة ملف العقار إلى مهندس المنطقة لاتخاذ الإجراءات الفنية والقانونية، وراجعت الأجهزة التنفيذية السلامة الإنشائية للعقارات المجاورة، غير أن هذه الخطوات تكشف نمطا متكررا في الإدارة المحلية، حيث تتحرك المعاينات الجادة بعد الانهيار بينما تبقى قرارات الترميم سنوات بلا تنفيذ ملزم.

 

لذلك يطرح الباحث العمراني يحيى شوكت في كتاباته عن أزمة السكن في مصر علاقة واضحة بين تدهور الصيانة ورغبة بعض الملاك في ترك المباني تنهار للتخلص من علاقات إيجارية قديمة، وهذا التفسير يضع تأخر تنفيذ الترميم في قلب أزمة قانونية واجتماعية لا تعالجها بيانات الطوارئ وحدها.

 

محرم بك وغربال يكشفان نمطا واحدا في حي وسط

 

في السياق نفسه، لم يكن حادث محرم بك واقعة منفصلة داخل الإسكندرية، فقد شهد حي وسط في أبريل 2026 انهيارا آخر بمنطقة غربال أسفر عن وفاة 3 أفراد من أسرة واحدة وإصابة رابع، وذكرت تقارير أن العقار كان بدوره مرتبطا بقرار ترميم لم ينفذ.

 

ثم أظهر تقرير مدى مصر في 23 أبريل 2026 أن تجاهل أوامر الترميم يعد مخالفة تستوجب الغرامة، لكنه نقل عن محامين ومتابعين أن عددا من الملاك يتجاهلون هذه القرارات، وبذلك تتحول الورقة الإدارية إلى سجل سابق للخطر لا إلى أداة فعلية لحماية السكان.

 

وعلى هذا الأساس، لا تكشف إصابة 11 شخصا في محرم بك عن خلل في سقف غرفة فقط، بل تكشف عن عجز حي كامل عن إجبار المالك على الترميم منذ 2012، وعن ضعف رقابة محافظة تعرف القرار وتنتظر الحادث قبل أن تفرض الحواجز وتراجع العقارات المجاورة.

 

في المقابل، يرى المؤرخ المعماري محمد الشاهد أن أزمة المباني القديمة في المدن المصرية ترتبط بإدارة عمرانية تسمح بتدهور الرصيد القائم ثم تتدخل متأخرة، وقد استحضرت كتاباته العلاقة بين الإهمال والهدم والربح العقاري، وهو ما يشرح استمرار الخطر داخل أحياء قديمة مثل محرم بك وغربال.

 

مدينة مثقلة بالمباني الخطرة وسلطة تلاحق الحطام

 

إلى جانب ذلك، وثقت رويترز في يوليو 2025 أن انهيارات المباني في الإسكندرية ارتفعت من حالة واحدة سنويا قبل عقد إلى نحو 40 حالة سنويا حاليا، كما نقلت عن مصطفى مدبولي قوله إنه لا يمر يوم من دون انهيار جزئي أو كامل لعقار صادر له قرار إزالة.

 

وبالتزامن، أورد التقرير نفسه أن السلطات حددت نحو 7500 مبنى للهدم وبناء 55000 وحدة سكنية بديلة، بينما أشار إلى أن قرابة 7000 مبنى من رصيد الإسكندرية السكني قد تكون غير آمنة، وهذا الحجم يجعل حادث محرم بك جزءا من أزمة مدينة لا من خطأ عقار منفرد.

 

وفوق ذلك، تضغط العوامل البيئية والعمرانية على مباني الإسكندرية، حيث تحدثت رويترز عن ارتفاع مستوى البحر وتآكل السواحل وهبوط الأرض وتسرب المياه المالحة، لكن هذه العوامل لا تعفي الحكومة من مسؤولية تنفيذ قرارات الترميم والإزالة وإخلاء السكان قبل وقوع الإصابات.

 

ومن ناحية أخرى، يصف الباحث العمراني ديفيد سيمز التوسع العمراني غير الرسمي في مصر بأنه تطور خارج السيطرة الحكومية أو رغمها، وهذا الوصف يفسر كيف تراكمت عقارات قديمة ومخالفة ومهددة داخل المدن، بينما عجزت الأجهزة المحلية عن تحويل القانون إلى صيانة إلزامية أو إخلاء آمن.

 

ختاما، يؤكد انهيار عقار محرم بك أن أزمة انهيار العقارات في الإسكندرية ليست قدرا عمرانيا، بل نتيجة مباشرة لقرارات ترميم مؤجلة ورقابة محلية ضعيفة وسياسات إسكان لا تحمي السكان قبل الكارثة، ولذلك تبقى إصابة 11 شخصا إنذارا جديدا ضد حكومة تلاحق الحطام ولا تمنع سقوطه.