كشفت بيانات البنك المركزي المصري تصدر الإمارات قائمة الدول العربية الأكثر استثمارًا في السوق المصرية بصافي تدفقات بلغ 538 مليون دولار بنهاية الربع الأول من العام المالي 2025/2026، وجاءت الكويت ثانية والسعودية ثالثة.
وتوضح الأرقام أن حكومة السيسي تواصل الاعتماد على المال الخليجي كبديل عن الإنتاج والاستثمار المحلي، بينما تتحول الأصول والمشروعات الاستراتيجية إلى مدخل سريع للدولار بدل إصلاح الاقتصاد الحقيقي.
الإمارات في الصدارة والكويت والسعودية خلفها
أظهرت بيانات البنك المركزي المصري أن الإمارات جاءت في المركز الأول عربيًا من حيث صافي التدفقات الاستثمارية إلى مصر بقيمة 538 مليون دولار بنهاية الربع الأول من العام المالي 2025/2026، مقابل نحو 528 مليون دولار بنهاية الربع الرابع من العام المالي السابق.
وبحسب البيانات نفسها، سجلت الكويت المركز الثاني بصافي تدفق استثماري بلغ 204.4 مليون دولار بنهاية الربع الأول من 2025/2026، مقابل 123.9 مليون دولار بنهاية الربع الرابع من 2024/2025، بما يعكس زيادة ملحوظة في التدفقات الكويتية خلال فترة قصيرة.
ثم جاءت السعودية في المركز الثالث بين الدول العربية المستثمرة في السوق المصرية، وفق ترتيب البيانات المنشورة عن البنك المركزي، وهو ترتيب يؤكد استمرار هيمنة رؤوس الأموال الخليجية على الجزء الأكبر من التدفقات العربية بدل تنويع حقيقي في مصادر الاستثمار.
وفي إجمالي الاستثمارات العربية، أشار تقرير البنك المركزي إلى أن صافي التدفقات الاستثمارية للدول العربية في السوق المصرية بلغ نحو 1.1918 مليار دولار بنهاية الربع الأول من العام المالي 2025/2026، مقابل نحو 1.1903 مليار دولار بنهاية الربع الرابع من العام المالي السابق.
كما سجلت التدفقات الداخلة من الدول العربية نحو 1.8085 مليار دولار خلال الربع الأول من العام المالي، في حين بلغت التدفقات الخارجة نحو 616.7 مليون دولار، بما يوضح أن الحضور العربي في السوق لا يعني تدفقات صافية ضخمة بقدر ما يعكس دخولًا وخروجًا متزامنين لرؤوس الأموال.
لذلك، لا تكشف الصدارة الإماراتية عن قوة جذب اقتصادية مستقلة فقط، بل تكشف اعتمادًا مصريًا متزايدًا على مستثمرين محددين من الخليج، وهي معادلة تجعل القرار الاقتصادي أكثر حساسية أمام مصالح العواصم المالكة لرؤوس الأموال والمشروعات الكبرى.
أرقام الاستثمار تخفي اعتمادًا على بيع الأصول
قبل هذه البيانات، وقعت مصر في فبراير 2024 اتفاقًا مع الإمارات لتطوير رأس الحكمة بقيمة 35 مليار دولار، ووصفت رويترز الصفقة بأنها واحدة من أكبر الصفقات من نوعها، لأنها منحت مصر دفعة دولارية كبيرة في لحظة أزمة عملة حادة.
وبعد صفقة رأس الحكمة، تلقت الأوضاع المالية في مصر دعمًا واضحًا، إذ ذكرت رويترز أن الدين الخارجي تراجع 7.4 مليارات دولار في الربع الأول من 2024، بعد حصول القاهرة على دعم مالي مرتبط ببيع حقوق تطوير أراض ساحلية للإمارات.
لكن هذا الدعم لم ينه أصل الأزمة، لأن تدفق الدولار عبر صفقات كبرى لا يساوي بناء اقتصاد قادر على التصدير والتشغيل المستدام، بل يمنح الحكومة وقتًا إضافيًا قبل موجة جديدة من الديون والاستحقاقات والبحث عن مستثمر خليجي آخر.
وفي السياق نفسه، قالت الشرق بلومبرغ إن شركة أبوظبي القابضة حصلت على حقوق تطوير مشروع رأس الحكمة مقابل 35 مليار دولار، وهو رقم يوضح حجم انتقال السيطرة على مواقع استراتيجية من الدولة المصرية إلى رأس مال خليجي تحت عنوان الاستثمار المباشر.
ومن ناحية سياسية واقتصادية، يرى الخبير الاقتصادي هاني جنينة في مداخلاته المتكررة أن أزمة مصر لا تعالج بتدفقات مؤقتة فقط، بل تحتاج إصلاحًا جذريًا في الإنتاج والتصدير وسعر الصرف والديون، وهو ما يجعل أرقام الإمارات والكويت والسعودية مؤشرًا على اعتماد لا على تعافٍ كامل.
كذلك تحذر الباحثة الاقتصادية سلمى حسين في كتاباتها من أن بيع الأصول لا يعالج خلل الموازنة ولا يعوض غياب العدالة الضريبية، لأن الدولة التي تجمع الدولار من صفقات استثنائية تعود سريعًا إلى الاقتراض إذا لم تغير نموذج الإنفاق والاستثمار.
الخليج يربح والمواطن لا يرى عائدًا مباشرًا
بالتوازي مع ارتفاع الاستثمارات الخليجية، لا يرى المواطن المصري أثرًا مماثلًا في الأسعار أو الأجور أو الخدمات، لأن الأموال تدخل غالبًا إلى قطاعات العقار والموانئ والسياحة والخدمات الكبرى، بينما تظل الصناعة والزراعة وفرص العمل المستقرة خارج مركز الاهتمام الحكومي.
كما أن الاستثمارات العربية لا تأتي في فراغ، بل تأتي بعد سنوات من تراجع الجنيه وارتفاع التضخم وزيادة تكلفة المعيشة، ما يجعل الأصول المصرية أرخص للمستثمر الخارجي، بينما يصبح المواطن صاحب الأرض والسوق عاجزًا عن شراء السكن أو حماية دخله.
وعلى هذا الأساس، تتحول عبارة جذب الاستثمار إلى غطاء سياسي لواقع أشد قسوة، حيث تعرض الحكومة أصولًا وأراضي وفرصًا استراتيجية على مستثمرين كبار، ثم تقدم الصفقة للرأي العام باعتبارها شهادة ثقة في الاقتصاد، من دون نقاش حول شروط الملكية والعائد الاجتماعي.
وفي المقابل، تحتاج مصر إلى استثمارات تضيف إنتاجًا وتكنولوجيا وفرص عمل حقيقية، لا تدفقات تتركز في أصول قائمة أو مشروعات عقارية مغلقة، لأن الاستثمار الذي لا يخفض البطالة ولا يرفع التصدير ولا يحسن دخل الأسر يتحول إلى رقم في بيان البنك المركزي فقط.
ومن زاوية التنمية، يؤكد الخبير الاقتصادي وائل جمال في كتاباته أن الاقتصاد المصري يحتاج إعادة توجيه الموارد إلى القطاعات المنتجة والعدالة الاجتماعية، وهو طرح يصطدم بنموذج يعتمد على بيع مواقع مميزة وجذب أموال سريعة بدل بناء قاعدة إنتاجية واسعة.
لذلك، تكشف صدارة الإمارات للاستثمارات العربية في مصر عن جوهر سياسة السيسي الاقتصادية، حيث تبحث الحكومة عن دولارات عاجلة من الخليج، وتمنح المستثمرين الكبار مواقع ونفوذًا، بينما يبقى المواطن خارج معادلة الربح، ويدفع ثمن الفشل عبر الغلاء والضرائب والديون.
وفي الخلاصة، لا تمثل الـ538 مليون دولار الإماراتية خبرًا اقتصاديًا محايدًا، بل تمثل حلقة جديدة في مسار ربط الاقتصاد المصري بالمال الخليجي، فالحكومة تحتفي بالتدفقات، والمستثمر يقتنص الفرص، والمواطن ينتظر عائدًا لا يصل إليه من صفقات تعقد فوق رأسه.

