تشهد الأسواق واحدة من أعنف موجات الارتفاع في أسعار المواد الخام خلال السنوات الأخيرة، بعد أن قفزت أسعار منتجات البلاستيك ومواد التغليف بنسب قياسية تراوحت بين 90% و110% خلال شهر إبريل الجاري، في تطور يعكس بوضوح حجم الضغوط التي يتعرض لها الاقتصاد المحلي.

 

هذه القفزة الحادة لم تأتِ بمعزل عن سياق أوسع، إذ ترتبط بشكل مباشر بارتفاع أسعار الغاز الطبيعي، الذي يُعد المكون الأساسي في الصناعات البتروكيماوية، حيث يمثل نحو 70% من تكلفة الإنتاج.

 

وبحسب مصادر صناعية، ارتفع سعر الغاز المورد للمصانع من نحو 5.5 دولارات لكل مليون وحدة حرارية في مارس إلى ما بين 9 و12 دولاراً خلال إبريل، مع توقعات ببلوغه مستويات قد تصل إلى 20 دولاراً، في حال استمرار ربط الأسعار المحلية بالسوق العالمية.

 

أزمة طاقة ممتدة وتأثيرات عالمية

 

تعكس هذه التطورات عمق أزمة الطاقة التي تضرب المنطقة، خاصة في ظل تعطل إمدادات الغاز من أسواق رئيسية. ويشير خبراء إلى أن اضطراب منشآت الغاز في منطقة الخليج أدى إلى تراجع كبير في المعروض العالمي، شمل أيضاً توقف إنتاج مواد أساسية مثل الإيثيلين والبروبيلين، وهما العمود الفقري لصناعة البلاستيك.

 

ويؤكد متخصصون في اللوجستيات والصناعات البتروكيماوية أن هذا النقص العالمي انعكس بشكل مباشر على السوق المصرية، التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد لتوفير مدخلات الإنتاج، ما أدى إلى ارتفاع تكلفة التشغيل وتراجع قدرة المصانع على تأمين احتياجاتها.

 

كما أن استمرار التوترات الجيوسياسية في المنطقة يفاقم المشهد، حيث يُتوقع أن تستمر تداعيات الأزمة حتى في حال توقف الحرب، نظراً للحاجة إلى فترات طويلة لإعادة تأهيل البنية التحتية لقطاع الغاز في الدول المتضررة.

 

ضغط مزدوج على الصناعة

 

تواجه المصانع خصوصاً الصغيرة والمتوسطة، تحدياً مركباً يتمثل في ارتفاع تكلفة الإنتاج من جهة، وصعوبة توفير المواد الخام من جهة أخرى. ومع اتجاه الحكومة إلى تطبيق آلية تسعير مرنة للغاز تعتمد على الأسعار العالمية، تبدو الضغوط مرشحة للتصاعد خلال الفترة المقبلة.

 

ويحذر عاملون في قطاع الصناعات الكيماوية من أن هذه الآلية ستنقل تقلبات الأسواق الدولية إلى الداخل، ما يعني استمرار موجات الارتفاع في أسعار المنتجات النهائية، وعلى رأسها البلاستيك والأسمدة، في ظل زيادة تكلفة الشحن وارتفاع سعر الدولار.

 

انعكاسات مباشرة على الأسواق والمستهلكين

 

على أرض الواقع، بدأت تداعيات الأزمة تظهر بوضوح في الأسواق المحلية، حيث تضاعفت أسعار المنتجات البلاستيكية في فترة زمنية قصيرة.

 

ويؤكد تجار أن أسعار الأكياس البلاستيكية، على سبيل المثال، ارتفعت من نحو 80 جنيهاً للكيلو إلى 150 جنيهاً خلال أسابيع قليلة، مع استمرار الموردين في رفع الأسعار وتقليص الكميات المعروضة.

 

هذا الواقع دفع العديد من التجار والمستهلكين إلى تغيير أنماط الاستهلاك، عبر تقليل استخدام البلاستيك أو اللجوء إلى منتجات أخف وزناً، بينما اتجه البعض إلى استخدام البلاستيك المعاد تدويره كبديل أقل تكلفة، رغم ما يحمله ذلك من مخاطر صحية، خاصة عند استخدامه في تغليف المواد الغذائية.

 

مخاوف صحية وتضخم ممتد

 

يثير التوسع في استخدام البلاستيك المعاد تدويره في تغليف الأغذية مخاوف متزايدة، في ظل تحذيرات من مخاطره على الصحة العامة، خاصة مع انتشاره في مصانع غير خاضعة للرقابة الكافية.

 

اقتصادياً، لا تتوقف تداعيات الأزمة عند حدود قطاع البلاستيك، بل تمتد إلى قطاعات صناعية متعددة، من بينها الصناعات الغذائية والهندسية والسيارات والأثاث، حيث تنتقل زيادات التكلفة إلى المستهلك النهائي، ما يعزز الضغوط التضخمية في السوق.