أعادت واقعة انتحار صانعة محتوى في الإسكندرية ملف قانون الأسرة إلى الواجهة، بعدما تحولت النفقة والحضانة والطلاق إلى صراع يومي تتحمل الحكومة مسؤوليته بتأخير تشريع عادل وواضح.
يكشف الجدل الحالي أن الدولة تركت الأسر داخل محاكم طويلة وإجراءات مرهقة، بينما تواصل الحكومة الحديث عن قانون جديد بلا مسودة معلنة وبلا جدول زمني يحاسبها عليه المجتمع.
دعوات رئاسية متكررة ومشروع حكومي بلا شفافية
بدأت الأزمة الجديدة بعد واقعة 12 أبريل، حين قفزت صانعة محتوى من الطابق الثالث عشر في الإسكندرية على خلفية خلافات مع طليقها تتعلق بالإنفاق على بناتها، ولذلك عاد ملف النفقة والحضانة والطلاق إلى النقاش العام بوصفه ملفا يمس حياة الأسر يوميا.
وبعد هذه الواقعة، أطلق عبد الفتاح السيسي في 13 أبريل دعوة جديدة للمعنيين من أجل تقديم مقترحات لمشروع قانون الأحوال الشخصية، لكن هذه الدعوة جاءت بعد دعوات سابقة لم تنتج حتى الآن قانونا معلنا، وهو ما عزز اتهام الحكومة بإدارة الملف عبر الوعود لا عبر التشريع.
وقبل ذلك، وجّه السيسي في عام 2022 بتشكيل لجنة في وزارة العدل تضم 10 قضاة بينهم قاضيتان لوضع تصور لقانون الأحوال الشخصية خلال 4 أشهر، وتلقت اللجنة وقتها 4733 مقترحا، منها 2595 من الرجال و2128 من السيدات و10 من هيئات ومؤسسات ومقترح واحد من حزب سياسي.
وفي هذا السياق، انتقدت المحامية مها يوسف رئيسة مجلس أمناء مؤسسة المرأة الجديدة غياب الشفافية حول المشروع الحكومي، وقالت إن قانون 1920 انتهت صلاحيته، لأن فلسفة الاحتباس مقابل النفقة لم تعد تناسب واقعا تنفق فيه ملايين السيدات على أسرهن.
وبسبب هذا الغياب، تحول النقاش العام إلى تسريبات إعلامية حول الخلع وسن الحضانة، بينما لم تعرض الحكومة مسودة رسمية للنقاش، ولذلك طالبت مها يوسف بإتاحة مشروع القانون لمدة لا تقل عن 7 أشهر وبناء فلسفته على الأهلية القانونية المتساوية للرجل والمرأة.
النفقة والحضانة ورؤية الطفل داخل صراع المحاكم
مع استمرار غياب المسودة الحكومية، اتسع الخلاف بين آباء يتهمون الأمهات باستغلال الأطفال لاستنزافهم ماديا ومنع الرؤية، وبين أمهات حاضنات يتهمن أزواجا سابقين بالامتناع عن الإنفاق والتحايل لإخفاء الدخل أمام المحاكم والتهرب من النفقة المحكوم بها.
ولهذا السبب، تمسكت المشاركات في مائدة مؤسسة المرأة الجديدة بعدم التنازل عن مكتسبات الخلع وسن الحضانة عند 15 سنة، ورفضن أي محاولة لربط الحضانة بطاعة الزوجة، لأن هذا الربط يحول الطفل إلى أداة ضغط على الأم داخل النزاع الأسري.
وفي الاتجاه نفسه، اقترحت المحامية انتصار السعيد رئيسة مجلس أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية إنشاء منظومة رقمية لإثبات دخل الزوج وتحديد حد أدنى للنفقة، كما طالبت بتنظيم الزواج والطلاق تحت رقابة القضاء وعدم الاعتداد بالطلاق بالإرادة المنفردة وتمكين الحاضنة من الولاية التعليمية.
وبناء على هذا الطرح، يصبح تطوير نظام الرؤية والاستضافة ضروريا بشرط أن يحمي الطفل والحاضنة معا، لأن الإبقاء على الحضانة الحالية مع تطوير التواصل بعد سن الحضانة يمكن أن يمنع الانتقام المتبادل ويضمن علاقة آمنة وحقيقية بين الطفل ووالديه.
وفي ملف تعدد الزوجات، شددت انتصار السعيد على ضرورة وضع ضوابط قانونية صارمة، لأن النساء يواجهن أحيانا تهكما عند اعتبار الزواج الثاني سببا للضرر، ولذلك يحتاج القانون إلى الاعتراف بأثر التعدد على الاستقرار النفسي والاقتصادي داخل الأسرة.
وبالتوازي، حمّلت الناشطة النسوية آية عبد الحميد الدولة مسؤولية النزاعات المرتبطة بالحضانة والنفقة، وقالت إن الحكومة تلقي العبء على الأفراد وتترك الصراع مفتوحا داخل المحاكم، بينما يحتاج الأطفال إلى تدخل مؤسسي يضمن الحماية والاستقرار وتقليل تكلفة التقاضي.
ثم دعت فاطمة خفاجي منسقة الشبكة العربية للمجتمع المدني النسوي المؤسسات النسوية إلى توحيد مقترح واحد، لأن تشتت المطالب يضعف الضغط المجتمعي، بينما تستطيع رؤية موحدة أن تفرض على الحكومة والبرلمان نقاشا علنيا حول الحقوق والنفقات والحضانة.
مشاريع بديلة وعقوبات سفر وملف قبطي ينتظر الحسم
في مقابل الغموض الحكومي، أعلن حزب العدل تقدمه رسميا بمشروع قانون متكامل للأحوال الشخصية، وقالت النائبة فاطمة عادل إن المشروع جاء بعد عمل تراكمي شارك فيه متخصصون وخبراء وجلسات نقاش مجتمعي، وإن الهدف معالجة المشكلات جذريا لا ترقيعها.
وبحسب ما أعلن الحزب، يضع المشروع مصلحة الطفل كمرجعية أساسية، ويتناول الحضانة والرؤية بصيغ أكثر مرونة تحفظ علاقة الطفل بوالديه داخل إطار قانوني منضبط، كما يطرح حلولا لحالات فقد أحد الوالدين ويستفيد من خبرات دولية مع مراعاة طبيعة المجتمع المصري.
وفي مسار الضغط المالي، أدرجت مصر يوم الأربعاء الماضي المحكوم عليهم بأحكام جنائية نهائية واجبة النفاذ بسبب الامتناع عن سداد النفقات على قوائم المنع من السفر وترقب الوصول، كما أوقفت وزارة العدل في مارس خدمات حكومية عن محكوم عليهم حتى سداد المستحقات.
ورغم أهمية هذه الإجراءات، فإنها لا تعالج أصل الأزمة وحدها، لأن وقف الخدمات والمنع من السفر يأتيان بعد سنوات من التقاضي غالبا، بينما تحتاج الأسر إلى نظام سريع لإثبات الدخل وتوحيد القضايا وتخفيف الكلفة وضمان نفقة ثابتة للأطفال قبل الانهيار.
وفي ملف المسيحيين، أعلنت الحكومة الانتهاء من إعداد مشروع قانون الأسرة للمسيحيين، وقالت مصادر كنسية إن الكنائس وقعت المسودة وقدمتها إلى وزارة العدل تمهيدا لإرسالها إلى البرلمان، بينما كشف المستشار نجيب جبرائيل عن وجود نحو 270 ألف حالة طلاق مسيحي منظورة أمام القضاء.
وبحسب جبرائيل، يملك القانون الجديد قدرة على حل أكثر من 70 في المئة من النزاعات القائمة، لأنه يستند إلى توافق الطوائف الخمس، ويتضمن أسبابا أوسع للطلاق مثل الهجر لمدة لا تقل عن 3 سنوات والإلحاد والإصابة بمرض الإيدز والزنا الحكمي.
كما يتوسع المشروع في إثبات الغش والخيانة، ويعد الخطابات الغرامية والفيديوهات وأدلة الخيانة من قرائن الزنا الحكمي، ويفتح باب الطلاق بسبب العجز الجنسي أو الغش في المؤهل أو الحالة الشخصية، لأن قاعدة الغش يفسد كل شيء تصبح أساسا لحماية الطرف المتضرر.
وفي المواريث، ينص المشروع على تطبيق الشريعة المسيحية بدلا من الشريعة الإسلامية عند غياب نص واضح، بما يجعل ميراث الزوجة مثل ميراث الزوج، كما يلغي الخلع للمسيحيين ويمنع اعتبار تغيير الملة سببا للطلاق ويعتمد شريعة العقد عند النزاع.
ويرتبط هذا التعديل بتاريخ طويل من أزمة طلاق الأقباط، لأن الزواج لا يتم قانونيا إلا على يد كاهن معتمد، ولا يقع الانفصال إلا بموافقة الكنيسة، بينما وسعت لائحة 1938 أسباب الطلاق قبل أن يحصر تعديل البابا شنودة الثالث عام 2008 الطلاق في علة الزنا.
وبسبب حصر الطلاق، ظهرت أزمة العائدين للمسيحية بين 2008 و2010، لأن بعض أصحاب مشكلات الطلاق لجأوا إلى تغيير الدين للحصول على الانفصال، ثم واجهوا صعوبات عند العودة إلى المسيحية، وهو ما كشف فشل الدولة في تقديم حل مدني عادل ومنضبط.
وفي النهاية، تتحمل الحكومة مسؤولية إبقاء قانون الأسرة رهينة التسريبات واللجان المغلقة، لأن النفقة والحضانة والطلاق ليست ملفات مؤجلة، بل حقوق يومية لأطفال ونساء ورجال يدفعون ثمن بطء التشريع وقسوة المحاكم وغياب الشفافية الرسمية.

