تحيي مصر ذكرى تحرير سيناء كل عام بوصفها استعادة مكتملة للأرض، لكن واقع الحركة داخل شبه الجزيرة يطرح سؤالًا سياسيًا لا تغطيه الاحتفالات الرسمية. المواطن المصري يواجه نقاط تفتيش وتدقيقًا أمنيًا وقيودًا متغيرة، بينما تستمر حركة سياحية أجنبية عبر معبر طابا، بينها دخول إسرائيليين وفق ترتيبات سياحية محددة.

 

تكشف هذه المفارقة خللًا واضحًا في إدارة الإقليم بعد التحرير، لأن الحكومة تقدم سيناء في الخطاب الرسمي باعتبارها أرضًا محررة، ثم تديرها في الواقع كمنطقة أمنية استثنائية. لذلك يتجدد السؤال في كل أبريل: لماذا يصبح المصري محتاجًا إلى تبرير حركته داخل وطنه، بينما يحصل الأجنبي على مسار حدودي منظم نحو مناطق سياحية بعينها.

 

المصري داخل أرضه بين السيادة المعلنة والإدارة الأمنية

 

منذ سنوات، تخضع حركة المصريين داخل سيناء، خصوصًا في الشمال وبعض المناطق القريبة من الحدود، لإجراءات أمنية لا تشبه الحركة بين المحافظات الأخرى. يواجه المواطن نقاط تفتيش متكررة على الطرق الرئيسية، كما يواجه تدقيقًا في بطاقات الهوية، وتظهر أحيانًا قيود مؤقتة على طرق محددة تحت مبرر التقييمات الأمنية الميدانية.

 

وبسبب هذا النمط، لا يشعر كثير من المواطنين بأن سيناء تعمل كإقليم طبيعي داخل الدولة. الحكومة تقول إن الإجراءات لا تستهدف حرية التنقل، بل تستهدف إدارة منطقة حدودية عالية الحساسية، غير أن كثافة التفتيش وطول زمن العبور يحولان التفسير الأمني إلى عبء يومي على السكان والزائرين المصريين.

 

ثم يزداد الإحساس بالتمييز عندما تقارن الدولة بين المواطن والزائر الأجنبي بطريقة عملية لا بطريقة قانونية. المصري يتحرك داخل حدود دولته، لكنه يواجه نظامًا أمنيًا مفتوحًا على التقدير، بينما يدخل الزائر عبر معبر دولي بإجراءات مكتوبة ومحددة، وهو فارق يصنع شعورًا عامًا بأن الدولة لا تثق في مواطنها داخل سيناء.

 

وفي هذا السياق، يرى أحمد سالم، المدير التنفيذي لمؤسسة سيناء لحقوق الإنسان، أن شمال سيناء خضع خلال السنوات الماضية لمنطق عسكرة واسع جعل حياة السكان مرتبطة بإجراءات الأمن قبل الخدمات والحقوق. هذا الرأي يضع قضية الحركة داخل سيناء ضمن ملف أكبر، وهو ملف تحويل السكان إلى طرف خاضع للشك الدائم لا إلى أصحاب حق أصيل.

 

لذلك لا تبدو المشكلة في وجود إجراءات أمنية عند الحدود أو في المناطق الحساسة، بل في غياب معيار معلن يحدد متى تبدأ القيود ومتى تنتهي. الدولة التي تحتفل بتحرير الأرض مطالبة بأن تشرح للمواطن لماذا يتحول انتقاله داخلها إلى تجربة استجواب متكرر، خصوصًا عندما تستمر برامج السياحة الأجنبية داخل الإقليم نفسه.

 

طابا مفتوحة بنظام سياحي والمواطن يدفع كلفة الاستثناء

 

في المقابل، يعمل معبر طابا كمنفذ حدودي بين مصر وإسرائيل ضمن ترتيبات أمنية وسياحية معروفة. تشير إرشادات منشورة عن المعبر إلى أن من يذهب إلى طابا وسيناء لمدة لا تزيد على 14 يومًا لا يحتاج إلى تأشيرة مصرية كاملة، بينما يحتاج من يسافر لمدة أطول أو يتوجه إلى القاهرة إلى تأشيرة دخول.

 

وبناء على ذلك، يحصل الزائر الإسرائيلي أو غيره من بعض الجنسيات على تصريح سياحي محدود داخل نطاق جغرافي معين في سيناء. هذا التصريح لا يفتح مصر كلها أمام الزائر، لكنه يمنحه مسارًا واضحًا من المعبر إلى مناطق سياحية محددة، وهو ما لا يحصل عليه المصري بالبساطة نفسها عندما يتحرك في بعض مسارات سيناء الداخلية.

 

ثم تكشف الإرشادات الأمريكية والبريطانية الخاصة بالسفر عبر طابا أن هناك نظامًا منفصلًا للتعامل مع من يريد البقاء داخل سيناء ومن يريد الخروج إلى القاهرة أو باقي المحافظات. هذه الإرشادات تتحدث عن ختم أو تصريح قصير داخل سيناء، وعن تأشيرة أوسع عند الرغبة في السفر خارجها، بما يؤكد أن حركة الأجانب منظمة إداريًا لا عشوائية.

 

غير أن هذه الإدارة المنظمة لا تعفي الحكومة المصرية من سؤال العدالة السياسية. الدولة تستطيع أن تنظم دخول الأجانب عبر طابا لخدمة السياحة، لكنها لا تستطيع أن تجعل هذا التنظيم يبدو أكثر وضوحًا واحترامًا من طريقة تعاملها مع مواطنيها. هنا تصبح القضية قضية أولوية حكومية لا قضية معبر فقط.

 

ويرى الباحث يزيد صايغ، المتخصص في أدوار الجيوش العربية والاقتصاد السياسي للمؤسسات الأمنية، أن تضخم الدور الأمني في المجالين السياسي والاقتصادي يغير علاقة الدولة بالمجتمع. وبالقياس على سيناء، يظهر هذا التضخم في تحويل التنمية والحركة والخدمات إلى ملفات تمر من بوابة الأمن قبل بوابة الحقوق المدنية.

 

لذلك تصبح طابا نموذجًا كاشفًا لا نموذجًا منفصلًا. المعبر يعمل وفق بروتوكولات واضحة عندما يتعلق الأمر بالزائر الأجنبي، بينما يعيش المواطن داخل سيناء أو المتجه إليها تحت نظام أقل وضوحًا وأكثر قسوة. هذا الفارق لا يحتاج إلى مبالغة خطابية، لأن تفاصيل العبور اليومية تكفي لإظهار الخلل.

 

تحرير بلا مساواة كاملة وخاتمة لا تحتمل التجميل

 

ترتبط سيناء باتفاقات أمنية وسياسية منذ معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية الموقعة في 26 مارس 1979، كما ترتبط بحدود ملتهبة مع قطاع غزة وإسرائيل وبحسابات أمن قومي معقدة. هذه الخلفية تفسر جزءًا من حساسية المنطقة، لكنها لا تمنح السلطة تفويضًا مفتوحًا لإدارة حياة المصريين بمنطق الاستثناء الدائم.

 

وبسبب هذه الخلفية، تكرر الحكومة حديثها عن الأمن القومي كلما طُرح سؤال الحركة داخل سيناء. غير أن الأمن القومي لا يكتمل بمجرد نشر نقاط التفتيش، لأن الأمن الحقيقي يحتاج إلى سكان يشعرون بأن الدولة تحميهم لا تشتبه فيهم. كما يحتاج الأمن إلى اقتصاد محلي وخدمات عادلة ومسارات انتقال واضحة وحقوق لا تخضع للمزاج الأمني.

 

ثم تفرض السياحة في جنوب سيناء معادلة أخرى. شرم الشيخ ودهب وطابا ونويبع تمثل مناطق اقتصادية مهمة، والحكومة تريد استمرار تدفق الزوار الأجانب لأنها تحتاج إلى العملة الصعبة وإلى صورة استقرار أمام الخارج. لكن هذه الحاجة لا تبرر أن يظهر الأجنبي كصاحب مسار أسهل من المواطن في أرض يجري الاحتفال بتحريرها كل عام.

 

وتوضح الباحثة سحر عزيز، في دراساتها عن الأمن والحقوق في مصر وسيناء، أن السياسات الأمنية التي تتجاهل التهميش الاجتماعي تعيد إنتاج أسباب التوتر بدلًا من إنهائها. هذا الطرح يربط بين حرية الحركة والتنمية والعدالة، لأن المواطن الذي يواجه الإقصاء والتفتيش الدائم لا يشعر بأن الدولة تتعامل معه كشريك في حماية الحدود.

 

لذلك تعود الأسئلة نفسها في كل ذكرى لتحرير سيناء. لماذا تبدو الحركة داخل سيناء أكثر تعقيدًا للمصريين. ولماذا تستمر حركة السياحة الأجنبية، بما فيها الإسرائيلية، عبر طابا في إطار منظم. ولماذا لا تعلن الحكومة قواعد واضحة تجعل المواطن يعرف حقه وحدود الإجراء الأمني بدل تركه أمام سلطة تقديرية واسعة.

 

وفي النهاية، لا تحتاج الحكومة إلى خطابات جديدة عن تحرير سيناء بقدر ما تحتاج إلى سياسة تثبت أن التحرير وصل إلى حياة الناس. الأرض لا تصبح محررة بالكامل عندما ترفع الدولة العلم فقط، بل تصبح كذلك عندما يتحرك المواطن داخلها بكرامة ووضوح. أما استمرار المفارقة بين مواطن تحت التفتيش وزائر يعبر بتصريح منظم، فهو اتهام سياسي مفتوح لطريقة إدارة سيناء بعد عقود من استعادتها.