انطلقت أعمال اجتماع لجنة الشئون الصحية بمجلس النواب، اليوم الخميس 23 أبريل 2026، بينما كانت شكاوى المرضى والمواطنين تسبق النواب إلى القاعة. اللجنة، برئاسة الدكتور شريف باشا، لم تدخل اجتماعًا عاديًا، بل فتحت دفعة واحدة ملفات تكشف اتساع الفجوة بين ما تعلنه الحكومة عن تطوير المنظومة الصحية وما يراه المواطن داخل المستشفيات والوحدات الصحية والتأمين الصحي في المحافظات. جدول المناقشات لم يأت من فراغ، لأن طلبات الإحاطة المطروحة تتوزع بين تدني الخدمة في مستشفى كفر الدوار، وتعطل استغلال أرض مخصصة للتأمين الصحي، وتأخر افتتاح وحدة صحية في الدلنجات، وتباطؤ تجهيز مستشفى أورام الأطفال، وصعوبة العلاج داخل المستشفيات التعليمية بالبحيرة، إلى جانب تراجع خدمات التأمين الصحي في إدفو والعجز في الأطباء. هذه الوقائع تثبت أن الأزمة لم تعد في نقص قرار أو توصية، بل في جهاز حكومي يتأخر ثم يبرر ثم يطلب وقتًا جديدًا.
هذه الملفات المتراكمة لا تكشف فقط مستوى التراجع داخل بعض المنشآت، بل تكشف أيضًا طبيعة إدارة صحية تعتمد على الإعلان أكثر مما تعتمد على الإنجاز. فبينما تتحدث الحكومة منذ سنوات عن تحسين الخدمة والتوسع في التأمين الصحي الشامل، تعود طلبات الإحاطة نفسها لتفضح أن مواقع كاملة ما زالت تنتظر أرضًا مستغلة، أو مبنى جاهزًا، أو تجهيزًا متعطلًا، أو طبيبًا غير موجود، أو خدمة لا تصل إلى مستحقيها. وحتى في الملفات التي وصلت إلى البرلمان، يبقى السؤال المباشر قائمًا: لماذا لا تتحرك الأجهزة التنفيذية إلا بعد أن تتحول المعاناة اليومية إلى أزمة نيابية موثقة؟ هذا الاجتماع، بصيغته الحالية، يوثق فشلًا إداريًا ممتدًا أكثر مما يوثق استجابة حكومية جادة.
مستشفيات معلقة ووحدات متأخرة وخدمة لا تصل إلى المرضى
في البحيرة، تتجمع عدة أزمات في ملف واحد يكشف حجم التعطل التنفيذي داخل قطاع الصحة. اللجنة تناقش تدني مستوى الخدمة في مستشفى كفر الدوار، وعدم استغلال قطعة أرض مخصصة للتأمين الصحي بجوار مدرسة رغم الحاجة إليها، كما تناقش أيضًا تأخر افتتاح الوحدة الصحية بقرية المحافظين بمركز الدلنجات، مع استمرار نقص الخدمات الأساسية للأهالي. هذا التراكم لا يمكن فصله عن عجز الإدارة المحلية والوزارة عن تحويل الاحتياج المعروف إلى خدمة قائمة فعليًا.
ثم يتسع المشهد داخل المحافظة نفسها مع طرح مشكلات المستشفى العام بدمنهور، وعدم الانتهاء من تجهيز مستشفى أورام الأطفال، وصعوبة حصول المواطنين على العلاج داخل المستشفيات التعليمية. تتابع هذه الوقائع داخل نطاق جغرافي واحد يعني أن الأزمة ليست حادثًا منفصلًا، بل نمطًا متكررًا: مبانٍ لا تعمل بكامل طاقتها، تجهيزات تتأخر، ومسارات علاجية تزداد تعقيدًا على المرضى الذين يفترض أن الدولة تقدم لهم رعاية منتظمة.
وفي هذا السياق، قال الدكتور محمد حسن خليل، المقرر المساعد للجنة الصحة في الحوار الوطني، إن نجاح التأمين الصحي الشامل لا يستقيم من دون تجهيزات ملائمة لخصوصية كل محافظة، وإن المحافظات تحتاج إلى بنية طبية وخدمات متخصصة تتناسب مع أمراضها وواقعها الميداني، لا إلى تطبيق شكلي موحد على الورق. أهمية هذا التقدير أنه يربط بين تعثر الخدمة في المحافظات وبين غياب التخطيط التنفيذي الذي يراعي الفروق الفعلية بين المناطق والاحتياجات.
وبالتالي، فإن ما يجري في كفر الدوار والدلنجات ودمنهور لا يبدو مجرد تأخير إداري محدود، بل نتيجة مباشرة لسياسة حكومية تتوسع في الخطاب قبل أن تضمن التشغيل. فحين تبقى أرض التأمين الصحي غير مستغلة، وتتعطل وحدة صحية، ويتأخر تجهيز مستشفى أورام أطفال، تصبح الحكومة مسؤولة عن إطالة معاناة المرضى زمنًا ومسافة وكلفة، لأن كل يوم تأخير يترجم إلى كشف مؤجل أو علاج معطل أو رحلة إضافية بحثًا عن سرير أو اختصاصي.
التأمين الصحي تحت الضغط وعجز الأطباء يضرب قلب المنظومة
في إدفو، تعود المشكلة الأكثر مباشرة داخل النظام الصحي: تراجع خدمات التأمين الصحي نفسه، مع عجز في أعداد الأطباء، وطلبات لتطوير وحدات ورفع كفاءتها وتحويل بعضها إلى مستشفيات متخصصة أو مراكز طوارئ. خطورة هذا الملف أن التأمين الصحي يفترض أن يكون أداة التخفيف عن المواطنين، لكنه يظهر هنا باعتباره جزءًا من الشكوى، لا جزءًا من الحل، وهو ما يضع الوزارة والجهات التابعة لها أمام مسؤولية سياسية وإدارية لا يمكن التهرب منها.
وتزداد الصورة قسوة مع الأرقام الرسمية الخاصة بالكوادر الطبية. بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أظهرت أن عدد الأطباء البشريين في القطاع الحكومي انخفض إلى 120.4 ألف طبيب في 2024 مقابل 122.4 ألفًا في 2023، كما تظهر البيانات الدولية أن كثافة الأطباء في مصر كانت عند 7 لكل 10 آلاف نسمة في 2020، وهي نسبة تعكس ضيق القاعدة البشرية مقارنة باتساع الطلب على الخدمة. هذه الأرقام تجعل أي حديث حكومي عن تطوير المنظومة بلا علاج لعجز الأطباء حديثًا ناقصًا من أساسه.
وفي هذا الإطار، أكد الدكتور إسلام عنان، أستاذ اقتصاديات الصحة وعلم انتشار الأوبئة، أن أي توسع في إدارة أو تشغيل المستشفيات لا يحقق أثره المطلوب من دون التزام فعلي بالجودة واستقرار التشغيل. قيمة هذا الرأي أنه يوضح أن الحديث عن شراكات أو توسع تنظيمي لا يعالج وحده جذور الأزمة، ما دامت الخدمة اليومية تعاني من نقص الأطباء وضعف الإتاحة وتعثر التنفيذ داخل المحافظات.
ثم تأتي أزمة هجرة الأطباء لتزيد الوضع تدهورًا. بيانات وتصريحات نقابية وإعلامية خلال أبريل 2025 أشارت إلى هجرة نحو 7000 طبيب شاب خلال عام واحد، بينما شددت نقابة الأطباء على أن مواجهة الهجرة لا تبدأ بالقيود، بل بتحسين الأجور وبيئة العمل والتأمين داخل المستشفيات. هذا الربط مهم لأن البرلمان يناقش اليوم جودة الخدمة، بينما أحد أسباب انهيارها مستمر من دون حل جذري، وهو نزيف الكفاءات من المستشفيات الحكومية نفسها.
نقص الدواء وتعثر العلاج يكشفان حدود الرواية الحكومية
تتجاوز الأزمة حدود المباني والأطباء إلى القدرة الفعلية على توفير العلاج، خصوصًا حين تتزامن شكاوى المستشفيات والخدمات التعليمية مع استمرار أزمات الدواء. محمود فؤاد، مدير المركز المصري للحق في الدواء، قال في أكثر من مناسبة خلال 2025 و2026 إن النقص ما زال قائمًا في عدد من الأصناف الحيوية، وإن بعض الأدوية المستوردة كاملة أو المرتبطة بالأورام والأمراض المزمنة ما زالت تواجه تعثرًا في الإتاحة. هذه الشهادات تضيف بعدًا آخر لملفات اللجنة، لأن الخدمة الصحية لا تقاس بالمبنى وحده، بل بقدرة المريض على الحصول على العلاج في موعده.
ثم يتصل ذلك مباشرة بما طرحته اللجنة بشأن صعوبة حصول المواطنين في البحيرة على الخدمات العلاجية داخل المستشفيات التعليمية. فالمريض الذي يواجه تأخرًا في الوصول إلى مستشفى مجهز، ثم يصطدم بعد ذلك بنقص دواء أو تأجيل خدمة، لا يرى من الدولة سوى سلسلة عوائق متتابعة. هنا لا تبدو الأزمة منفصلة بين إدارة مستشفى وهيئة دواء وتأمين صحي، بل تظهر كمنظومة حكومية واحدة تنقل العبء كاملًا إلى المواطن.
ومن جهة أخرى، تزداد الأزمة وضوحًا مع تصاعد الضغوط المرتبطة بأسعار الدواء. تقارير منشورة في مارس وأبريل 2026 نقلت عن محمود فؤاد أن ضغوط الشركات لرفع الأسعار تتزايد، وأن النقص في السوق الرسمي لم ينته تمامًا. هذا التطور يعني أن المرضى يواجهون معادلة قاسية: خدمة عامة متراجعة من ناحية، وأعباء دوائية متصاعدة من ناحية أخرى، بينما تكتفي الحكومة بإدارة الأزمة يومًا بيوم من دون معالجة مستقرة تضمن الإتاحة والسعر معًا.
وأخيرًا، ينتهي الاجتماع البرلماني إلى اختبار لا يتعلق بما سيقال داخله، بل بما سيحدث بعده. فإذا خرجت الحكومة بردود عامة وخطط مؤجلة، فستكون قد أكدت مرة جديدة أن البرلمان يستدعي الأزمات بعد انفجارها، لا قبلها. أما إذا كانت هناك إجراءات حقيقية، فستبدأ من تشغيل الأراضي المعطلة، وافتتاح الوحدات المتأخرة، وتجهيز المستشفيات غير المكتملة، وسد عجز الأطباء، وضمان الدواء داخل المستشفيات العامة والتعليمية. غير ذلك سيبقي ما جرى اليوم مجرد محضر جديد في أرشيف التدهور الصحي، بينما يدفع المرضى الثمن وحدهم.

