فجّر جمال سند السويدي، مستشار رئيس الإمارات محمد بن زايد، موجة سجال حادة بعدما كتب عبر حسابه على منصة إكس أن دولة عربية واحدة أخذت من دول الخليج خلال 15 عاما أكثر من تريليون دولار ثم وقفت مع إيران، قبل أن يلتحق به علي النعيمي وعلي الظاهري وخالد الحمادي ووليد وآخرون في حملة لم تترك مجالا للبس بشأن المقصود من التلميح.
هذه الموجة لم تُفتح من فراغ، لأن ما جرى لم يكن خلافا عابرا بين حسابات متناحرة، بل كان انكشافا علنيا لطبيعة العلاقة التي أرادتها أبوظبي وبعض دوائرها الأمنية مع القاهرة منذ 3 يوليو 2013، حين جرى التعامل مع مصر باعتبارها ملفا أمنيا قابلا للشراء والتوجيه، لا دولة لها شعب دفع وحده ثمن الانقلاب والقمع والانهيار الاقتصادي. ولهذا انفجرت التعليقات المصرية، لا دفاعا عن سلطة السيسي، بل رفضا لخلط متعمد بين بلد كامل وبين نظام تلقى دعما سياسيا وماليا وعسكريا باسم محاربة الثورة والإسلاميين ثم انتهى إلى إرباك حلفائه أنفسهم.
ما كشفته الواقعة لم يكن فقط فجاجة الرقم المطروح ولا انحدار اللغة المستخدمة ضد مصر والمصريين، بل كشف أيضا مأزق الراعي والمُرعى معا بعد سنوات من التمويل والتوظيف السياسي. فحين يخرج مسؤول إماراتي بهذا الثقل ليتحدث عن تريليون دولار، بينما تؤكد تقديرات منشورة أن الدعم الخليجي لمصر كان بعيدا جدا عن هذا الرقم، فإن الأزمة تتحول من سِباب إلكتروني إلى سؤال سياسي ومالي مباشر عن الأموال التي دُفعت، والجهة التي قبضتها، والأهداف التي صُرفت من أجلها، والنتائج التي انتهت إليها.
وبينما رد مصريون كثر بأن الشعب لم ير من هذه الأموال شيئا، جاءت ردود خليجية أخرى لتقر ضمنيا بأن الأموال لم تكن لمصر كدولة ولا لمواطنيها، بل كانت رهانا على نظام أريد له أن يسحق الثورة ويؤمن مصالح الممولين. عند هذه النقطة تحديدا لم تعد القضية تغريدة مستفزة، بل وثيقة إدانة متبادلة بين داعم يدّعي الخديعة ونظام جرى تسويقه طويلا باعتباره حليف الضرورة.
من تلميح السويدي إلى تسمية مصر ثم ارتباك الرقم الكبير
ثم بدأ السجال من تغريدة كتبها جمال سند السويدي بصيغة تلميح متعمد قال فيها إن دولة عربية واحدة أخذت خلال 15 عاما أكثر من تريليون دولار من الخليج ووقفت مع إيران، قبل أن تتولى حسابات إماراتية مقربة من الأجهزة تضييق دائرة المقصود بعبارات عن انقطاع الكهرباء بعد الساعة 9 مساء، وعن الشحاتة والتسول، وعن ضرورة وقف الدعم الاقتصادي والعمالة المصرية.
دولة واحدة عربية اخذت من دول الخليج العربي في ١٥ عام أكثر من ترليون دولار ووقفت مع العدو الغاشم الإيراني. لماذا؟
— Prof. Jamal Sanad Al-Suwaidi (@suwaidi_jamal) April 14, 2026
وبعد ذلك تمددت الحملة من الإيحاء إلى الاتهام المباشر عبر علي النعيمي وعلي الظاهري وخالد الحمادي ووليد وغيرهم، فصار الخطاب الإماراتي المتداول أقرب إلى تصفية حساب مع النظام المصري لكن على ظهر المصريين جميعا. هنا ظهرت المفارقة الأساسية، لأن من حرّضوا لسنوات على دعم انقلاب 2013 عادوا الآن يتحدثون بلسان الدائن الغاضب الذي يطلب استرداد الثمن السياسي بعد تعثر العائد.
وفي هذا السياق بدت قيمة التريليون نفسها أقرب إلى فقاعة سياسية منها إلى رقم قابل للتصديق، لأن التقديرات المنشورة عن الدعم الخليجي لمصر منذ 2013 لا تسند هذا الادعاء. فقد قدّر ديفيد باتر، الباحث في تشاتام هاوس، أن السعودية والإمارات والكويت قدمت نحو 30 مليار دولار بين يوليو 2013 وأغسطس 2016، كما تؤكد تقديرات أوروبية لاحقة أن مصر كانت أكبر متلقٍّ للدعم الخليجي لكن بأرقام أقل كثيرا من التريليون المزعوم.
وبناء على ذلك، جاء رد كثير من المصريين حاسما في الفصل بين مصر والنظام، إذ قالوا إن الأموال التي دُفعت لم تذهب إلى الشعب بل ذهبت إلى تثبيت حكم عبد الفتاح السيسي، وإن من يريد محاسبة من أخذ المال فعليه أن يطالب السلطة التي دعمها لا المجتمع الذي حُرم من ثماره. ولهذا انتشرت تعليقات من نوع خذوا السيسي والكباري واتركوا المصريين.
الرد المصري يكشف الفارق بين الدولة والنظام وبين الممول والمستفيد
وفي المقابل لم يسر أغلب الرد المصري في اتجاه الدفاع عن السلطة المصرية، بل اتجه إلى تفكيك الرواية الإماراتية من داخلها، لأن المعلقين المصريين كرروا أن الخليج لم يدعم مصر حبا في المصريين ولا إنقاذا لاقتصادهم، بل موّل انقلابا عسكريا أطاح بمسار ديمقراطي ثم موّل القمع والسجون والمجازر ورفع الجنرالات وترك المجتمع يغرق في الديون والفقر.
ومن هنا جاءت الردود التي طالبت بكشف أين ذهبت تلك الأموال ومن قبضها ومن راكم بها ثروته ومشروعاته المغلقة على المؤسسة العسكرية. وفي هذا المسار يلتقي ما قاله تيموثي كالداس من أن الدولة المصرية باعت أصولا عامة تحت ضغط مالي شديد، مع صورة أوسع لنظام أنفق سياسيا باسم الاستقرار ثم عاد يطلب مزيدا من المال لتغطية أزماته المتفاقمة.
وعلى المستوى السياسي، يفسر الباحث مَاجد مندور هذا النمط بوصفه جزءا من اقتصاد سياسي هش يعتمد على الدعم الخارجي وتأجيل الإصلاح الحقيقي، بينما يظل هامش الخطأ ضيقا للغاية بسبب اعتماد القاهرة على المساندة الدولية والإقليمية. لذلك لم يكن مستغربا أن يرى كثير من المصريين أن الأزمة الحالية ليست خيانة من مصر للخليج، بل حصاد طبيعي لتحالف بُني منذ البداية ضد إرادة المصريين.
وبسبب ذلك، حملت التعليقات المصرية قدرا كبيرا من السخرية والغضب في آن واحد، إذ سأل كثيرون عن التريليون التي لم يرها الشعب، بينما صاغ آخرون المسألة بوضوح أكثر حين قالوا إنكم دعمتم النظام المصري لا مصر. هذا الفارق لم يعد ممكنا طمسه بعد 13 عاما من التدهور، لأن المصري الذي يواجه الغلاء وانقطاع الخدمات والديون لا يمكن إقناعه بأنه كان شريكا في صفقة لم يستفد منها أصلا.
بين إيران والخليج لماذا انفجرت الفاتورة الآن
وفي الشق المتعلق بإيران، حاولت الحملة الإماراتية أن تربط بين الدعم المالي القديم وبين ما اعتبرته اصطفافا مصريا مع طهران خلال التوترات العسكرية الأخيرة. غير أن الوقائع المعلنة تشير إلى أن القاهرة لم تتبن موقفا مؤيدا لإيران، بل أدانت استهداف دول عربية، وتحركت دبلوماسيا لاحتواء التصعيد، كما أعلنت العمل مع أطراف إقليمية لصوغ إطار يمنع انفجارا أوسع في المنطقة.
وفي هذا الإطار، يرى الباحث ه. أ. هيليير أن الدور المصري في أزمة إيران كان أقرب إلى التنسيق ونقل الرسائل منه إلى وساطة حاسمة، وأن القاهرة سعت إلى البقاء داخل مساحة عربية حذرة تتجنب الانخراط العسكري المباشر. هذا التوصيف ينسف رواية الاصطفاف مع إيران، ويضع الغضب الخليجي المتداول في خانة توقعات سياسية مبالغ فيها من نظام لم يعد قادرا حتى على تلبية احتياجاته الداخلية.
ثم زادت الحرب نفسها من حساسية الموقف الاقتصادي، لأن صندوق النقد الدولي حذر هذا الشهر من أن مصر وغيرها من الدول المستوردة للطاقة في المنطقة تواجه ضغوطا من ارتفاع تكاليف الوقود وتراجع بعض التدفقات. كما أشار جهاد أزعور إلى أن أثر الحرب لا يقتصر على النفط والغاز بل يطال سلاسل الإمداد والمنتجات الاستراتيجية، ما يعني أن أي توتر بين القاهرة والخليج يتجاوز السياسة إلى معيشة المصريين اليومية مباشرة.
ولهذا بدا انفجار السجال الآن مفهوما زمنيا وسياسيا، لأن من موّلوا النظام باسم الاستقرار اكتشفوا أن فاتورة التحالف لم تنتج التبعية الكاملة التي أرادوها، وأن النظام الذي أُغدقت عليه المليارات لم يتحول إلى ذراع مطيعة في كل ملف إقليمي. أما المصريون، فقد ردوا بالطريقة الوحيدة الممكنة بعد هذه السنوات، إذ قالوا بوضوح إن من أخذ الأموال هو السيسي ونظامه، وإن من دفع الثمن كان الشعب وحده، دما وحريات وأرزاقا ومستقبلا.
انتم اعطيتوه اموال علشان يقتل الاخوان ويغتال التجربة الديمقراطية الوليدة في مصر يا انجاس ولم تعطوه الاموال علشان الشعب المصري او مصالح المصريين الاقتصادية .
— abo aymen (@aboaymenA12) April 14, 2026
والدليل على ذلك ان مصر مرت بازمات في عهد السيسي واصبحت على وشك الافلاس ولم تعطوه دولار واحد بعد ان ضمنتوا انه قد تمكن . pic.twitter.com/IYU3AX5mVr
وفي الخاتمة، لم تعد القضية مجرد مشادة على منصة إكس بين حسابات متحفزة، بل تحولت إلى اعتراف سياسي فاضح بأن الدعم الخليجي لمصر لم يكن دعما لمصر، وأن ما سمي بالمساندة كان استثمارا في انقلاب ثم مطالبة لاحقة بعائد النفوذ. وعندما تعثر العائد، خرجت لغة الإهانة إلى العلن. هنا تحديدا سقط القناع عن الجميع، وبقي الشعب المصري وحده خارج الصفقة وداخل الخراب.

