تكشف القوائم المالية الرسمية للهيئة القومية لسكك حديد مصر والهيئة القومية للأنفاق أن الرواية الحكومية التي ربطت زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات بارتفاع الأجور وكلفة التشغيل تخفي العبء الحقيقي الذي يضغط على المرفقين.
فالأرقام المنشورة في الحسابات الختامية ومشروعات الموازنات تشير إلى أن بند الأجور، رغم ضخامته النسبية في السكك الحديدية، لا يفسر وحده القفزات السعرية الأخيرة التي أُقرت في مارس 2026، بينما تكشف الوثائق نفسها تصاعدًا واضحًا في أعباء الفوائد والاقتراض المرتبط بمشروعات التوسع والتحديث.
وبذلك يصبح الراكب هو الطرف الذي يُطلب منه سداد فاتورة مالية لم تنشأ من جيبه، لكنه يُجبر الآن على تحملها عند شباك التذاكر، في وقت تصر فيه الحكومة على تقديم الزيادة باعتبارها ضرورة تشغيلية مباشرة، رغم أن هيكل التكلفة المعلن يقول شيئًا آخر أكثر قسوة على المواطنين.
وتؤكد البيانات المتاحة أن الأزمة لا تتعلق فقط بارتفاع مصروفات يومية مثل الوقود أو الصيانة أو الرواتب، بل تمتد إلى هيكل تمويلي بات يبتلع الفوائض التشغيلية نفسها.
فوزارة المالية نشرت الحساب الختامي للسنة المالية 2025/2024، كما أظهرت وثائق الموازنة العامة واتجاهات الدين العام استمرار الضغط المتولد من خدمة الدين على المالية العامة، وهو ما ينعكس بدوره على الهيئات الاقتصادية التي تعتمد على الاقتراض لتوسيع الأصول والمشروعات.
وفي هذا السياق تبدو زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات أقرب إلى وسيلة لتحصيل سيولة من الجمهور لسد فجوات أعمق من كلفة الرحلة نفسها، لا إلى إجراء محدود لتغطية مصروفات تشغيلية عاجلة كما جرى الترويج له رسميًا بعد القرارات الأخيرة.
الأجور ليست التفسير الكامل لزيادة التذاكر
وفي حسابات الهيئة القومية لسكك حديد مصر عن السنة المالية 2024/2023، بلغ بند الأجور نحو 4.88 مليار جنيه، بما يعادل 46.5% من إيرادات النشاط الأساسية البالغة 10.49 مليار جنيه، وتنخفض النسبة إلى 37.8% عند حساب إجمالي الموارد البالغة 12.9 مليار جنيه.
وفي المقابل سجل بند الوقود والخامات 1.59 مليار جنيه فقط، بما يضعف الادعاء بأن الزيادة الأخيرة فُرضت أساسًا بسبب الرواتب أو مصروفات التشغيل المباشر.
كما تُظهر البيانات نفسها أن عدد العاملين تراجع من مستويات سابقة قاربت 52 ألفًا إلى نحو 34 ألف عامل حاليًا، وهو ما يعني أن كلفة الأجور الإجمالية لا تتحرك في اتجاه يبرر وحده موجات الرفع المتكرر للتذاكر.
ولذلك يصبح الاستناد إلى الرواتب باعتبارها السبب الرئيسي خطابًا دعائيًا أكثر منه تفسيرًا ماليًا دقيقًا لما جرى إقراره.
ثم يتسع التناقض عندما تُقارن هذه الأرقام بما أعلنته وزارة النقل عند رفع الأسعار في 26 مارس 2026، إذ تحدثت عن الوقود والكهرباء والصيانة وزيادة الأجور واستمرار التطوير.
لكن الأرقام المنشورة عن آخر حسابات ختامية متاحة توضح أن بند الأجور لا يحتل الموقع الحاسم الذي جرى تسويقه للرأي العام، وأن المشكلة المالية أوسع من هذا التبرير المبسط.
فوائد القروض تلتهم الفائض التشغيلي للمرفقين
لذلك تكشف الحسابات الختامية للسكك الحديدية أن الهيئة حققت ربحًا من النشاط يقترب من 4 مليارات جنيه، لكن هذا الفائض تآكل بشدة بعد خصم الفوائد البنكية ليهبط إلى نحو 880 مليون جنيه فقط.
وتظهر الأرقام كذلك أن فوائد القروض المستحقة على الهيئة قفزت إلى 1.59 مليار جنيه، وهو ما يوضح أين يذهب الجزء الأكبر من الفائض الذي ينتجه المرفق.
كذلك تبدو الصورة أكثر وضوحًا في الهيئة القومية للأنفاق، إذ بلغ بند الأجور 205 ملايين جنيه فقط في حساب 2024/2023، وهي نسبة محدودة من إجمالي التكاليف والمصروفات البالغة 6.14 مليار جنيه.
ورغم أن الهيئة حققت أرباحًا من النشاط بنحو 3 مليارات جنيه، فإنها انتهت إلى خسائر نهائية بلغت 385.4 مليون جنيه بعد خصم الفوائد ومصروفات أخرى.
وبينما تتحدث الموازنات الجارية عن قروض واستثمارات ضخمة، تشير البيانات المتداولة المستندة إلى وثائق وزارة المالية إلى أن القروض المخصصة لاستثمارات السكك الحديدية وصلت إلى 47.6 مليار جنيه، فيما ارتفعت القروض الاستثمارية المرتبطة بهيئة الأنفاق إلى 242 مليار جنيه.
وعند هذه النقطة يتضح أن فاتورة التوسعات الممولة بالاستدانة تنتقل تدريجيًا من دفاتر الدولة إلى جيب الراكب.
المواطن يدفع ثمن التمويل بينما تتراجع قيمة الأجر والخدمة
كما تؤكد المقارنة بين الأجور والتضخم أن العاملين أنفسهم لم يكونوا المستفيدين من الزيادات السعرية التي فُرضت على الجمهور، إذ لم تتجاوز زيادة أجور العاملين في السكك الحديدية 6.1%، وبلغت في هيئة الأنفاق 4.8%، بينما كانت معدلات التضخم في مستويات أعلى بكثير خلال الفترات المقارنة.
وهذا يعني أن الحكومة لم ترفع أسعار الخدمة لتحسين أوضاع العاملين بقدر ما رفعتها لتغذية مسار مالي مثقل بالديون.
وفي هذا السياق قال مدحت نافع، عضو هيئة التدريس بكلية الاقتصاد بجامعة القاهرة، إن فوائد الدين في الحساب الختامي لموازنة مصر التهمت ما يقارب نصف المصروفات، وإن هذا الواقع يترك للحكومة حيزًا ماليًا ضيقًا ويدفعها إلى المزيد من الاستدانة.
وتكتسب هذه الملاحظة أهمية مباشرة عند قراءة موازنات النقل، لأن الفكرة نفسها تتكرر داخل الهيئات الاقتصادية التابعة للدولة.
كما قال عبد النبي عبد المطلب في تصريحات صحفية إن الدين العام يلتهم أكثر من نصف الموازنة ويدفع الدولة إلى التخارج وبيع الأصول تحت ضغط الالتزامات المتراكمة، وهو توصيف ينسجم مع ما تكشفه موازنات النقل من تحويل الخدمة العامة إلى أداة لتحصيل تكلفة الاستدانة.
ومن زاوية أوسع، خلص إبراهيم العيسوي في دراسة منشورة خلال أبريل 2026 إلى أن أكثر من 63% من استخدامات الموازنة العامة يذهب إلى الفوائد وسداد القروض.
وأخيرًا تضع هذه الأرقام الحكومة أمام حقيقة يصعب إنكارها، وهي أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات لم تكن نتيجة مباشرة لأجور العاملين ولا لكلفة الوقود وحدها، بل نتيجة مسار تمويلي قائم على التوسع في الاقتراض ثم تحميل المواطنين فاتورة خدمته.
وعندما يتحول مرفق عام يفترض أن يدار لمصلحة الناس إلى قناة لسداد فوائد القروض، فإن الأزمة لا تعود أزمة نقل، بل أزمة عدالة مالية وسياسة عامة تدفع الركاب ثمنها كل يوم.

