شريف هلالي
محام وباحث حقوقي مصري
أثار تكرار حالات الانتحار أخيرًا في مصر جدلًا كبيرًا في الرأي العام، ما بين متعاطف مع المنتحرين وناقم عليهم. ... وخلال أسبوع تقريبًا، فُجع الرأي العام بثلاث حالات؛ منها حالة بسنت، صانعة المحتوى التي ألقت بنفسها من الطابق الثالث عشر في الإسكندرية، وهي أم مطلقة لطفلتين، وتعاني من مشكلاتٍ مع أسرة طليقها الذي يعمل في الخارج ولا ينفق على ابنتيه بشكل كافٍ. وكذلك انتحار السائق ماهر شنقًا على سور مركز طبي في محافظة دمياط بسبب رفض أوراق اعتماد معاشه، وانتحار شاب شنقًا على أسوار أحد الجسور. وأحدثت هذه الحالات نقاشات كثيرة على وسائل التواصل الاجتماعي، وخصوصًا فيما يتعلق بأسباب تزايدها، وهو ما دفع بعضهم إلى الحديث عن ضرورة إقرار تعديلات على قانون الأحوال الشخصية.
وتوضح تقارير حقوقية مختلفة تزايد هذه الحالات، حيث جرى رصد 216 حالة خلال عام 2024، ومن إبريل 2023 إلى مارس 2024 رُصدت 322 حالة انتحار، كما كشفت إحصائية صادرة عن مكتب النائب العام في عام 2021 عن تسجيل 2584 حالة انتحار في مصر.
وترجع أغلب حالات الانتحار إلى نوعين من الأسباب: اقتصادية، تتمثل في الفقر وتزايد الديون وعدم الحصول على عمل، واجتماعية، ترجع إلى الخلافات الزوجية والعائلية، وعدم القدرة على الزواج أو الفشل في الارتباط بسبب رغبات الأهل، ويرتبط جزء من هذا الجانب أيضًا بأسباب مالية، أو الفشل في التعليم، أو الفصل من العمل، أو لأسبابٍ أخرى مثل الإدمان. ووصل الأمر إلى محاولات انتحار عشرات السجناء بسبب أوضاع احتجازهم. وأصبح الانتحار ظاهرة متزايدة وسط الشرائح العمرية صغيرة السن، وخصوصًا من 20 إلى 30 عامًا، تليها الشريحة الأقل من 18 عامًا، ثم من 30 عامًا إلى 40، كما تنوّعت خلفيات المنتحرين الاجتماعية والوظيفية ما بين طلاب وربات منازل وعمال وتجّار ومهنيين وحرفيين وسائقين. والمهم أن هذا الجدل لم يمس كثيرًا مسؤولية النظام عن الأوضاع والسياسات التي تسبّبت في تردّي الواقعين، الاقتصادي والاجتماعي، والذي يؤدّي إلى مزيد من تلك الحالات. وشهدنا تزايد ظاهرة سفر الشباب، بل وحتى الأطفال، عبر مراكب الهجرة غير الشرعية التي تتعرّض للغرق في البحر المتوسط، وهو ما يمكن اعتباره شكلًا آخر من أشكال الانتحار.
تكتفي الحكومة بردات فعل، منها وجود خط ساخن تابع لوزارة الصحة لتلقي مكالمات الراغبين في الانتحار، ولم يثبت نجاح هذه الوسيلة بشكل واضح في التقليل من تلك الحالات، أو القيام بحملات إعلامية، وأقصى ما تم طرحه الحديث عن مشروعات قوانين ركزت على معاقبة من حاول الانتحار بغرامات مالية، وفي الوقت نفسه، لم نلمس ردة فعل حقيقية لمواجهة هذه الظاهرة. وقد بات منتحرون يبثّون رسائلهم الأخيرة إلى المجتمع عبر البث المباشر؛ حيث بثت بسنت فيديو ساعة انتحارها بإلقاء نفسها من الشرفة، ولم تحدُث أي محاولات فعالة لإنقاذها. ومثّلت تلك الحالات إحدى الرسائل الاحتجاجية إلى المجتمع والنظام معًا، لتعلن عن غضبها بشكل واضح مما وصلت إليه الأوضاع، وهو ما يذكّر بانتحار محمد البوعزيزي في تونس، والذي تسبب في اندلاع الثورة التونسية التي كانت أولى بشائر الربيع العربي.
يرى صاحب هذه المقالة أن السبب الرئيسي لتزايد هذه الحالات تراجع الدولة عن العقد الاجتماعي الذي كان سائدًا حتى نهاية الستينيات، واستمر بدرجة أقل حتى نهاية الألفية الثانية، من خلال توفير الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمصريين، وهو ما حققته ثورة يوليو (1952) التي أعادت الاعتبار إلى الفئات الفقيرة من خلال سياسات مجانية التعليم، والرعاية الصحية، وتوفير المسكن، وإيجاد فرص العمل، في مقابل درجة أكبر من التضييق السياسي. ومنذ 2014، خرج النظام بشكل واضح عن هذا المفهوم؛ إذ بات ينظر إلى المصريين عبئًا لا ميزة، ويحمّلهم أوزار السياسات الاقتصادية التي أدّت إلى إفقار الملايين منهم، من خلال تزايد الاقتراض، وبيع الأصول، وتعويم العملة. وتجلّى هذا في النظر إلى المواطنين باعتبارهم زبائن، وليسوا مواطنين لهم حقوق وعليهم واجبات، حيث أصبح عليهم دفع تكلفة الخدمات بأسعار تقترب من نظيرتها في الخارج، رغم ضآلة دخولهم، وباتت أسعار الخدمات مثل الغاز والكهرباء تزيد دوريًا، بمبرّر الأزمات الدولية، وكأن قدر هذا المواطن أن يتحمل الثمن دائمًا.
ومن الطبيعي أن تتزايد حالات الانتحار مع الإصرار على هذه السياسات التي لم تُراجع بشكل جاد طوال 12 عامًا، في ظل ترك ملايين المواطنين لمصيرهم، مع مطالبتهم بالتكيف مع أوضاع تضعف دخولهم الشهرية، نتيجة تعويم العملة، وارتفاع أسعار السلع الأساسية، وعدم كفاية الحد الأدنى للدخل، فضلًا عن إهمال الحق في الصحة والتعليم، وتدهور أوضاع المستشفيات الحكومية التي أصبحت تُطرح للبيع. والمهم أن هؤلاء المواطنين، في ظل هذه السياسات التي تتخلى عن مسؤوليتها الاجتماعية والاقتصادية تجاههم، باستثناء بعض البرامج مثل "تكافل وكرامة" و"حياة كريمة"، والتي تقدم دعمًا محدودًا، وجدوا أنفسهم عاجزين عن توفير حياة إنسانية لأنفسهم. كما أدّى التضييق على الوضع السياسي العام إلى تهميش المنظمات الاجتماعية والسياسية التي يمكن من خلالها مساعدة المهمشين والفقراء في ظل وضع اقتصادي أصبحت صعبة على الجميع.
وفي ظل البيروقراطية الرسمية، وبطء إجراءات التقاضي، وغياب أدوات الحوار المباشر بين أجهزة الدولة والمواطنين، وإضعاف المجتمع المدني، يتعرّض كثيرون لحالة من اليأس، يتزايد معها الغضب، ليرى من يرى أن اللجوء إلى الانتحار الحل الوحيد في ظل العجز عن المواجهة. ومن ناحية أخرى، أصبح اللجوء إلى مراكز الصحة النفسية عبئًا ماليًّا، فضلًا عن الوصم الاجتماعي الذي قد يلاحق من يطلب هذا النوع من الدعم.
وفي النهاية، يحتاج الوضع إلى نقاش حقيقي يشارك فيه الخبراء والباحثون في المراكز المتخصّصة، ومسؤولو الوزارات المعنية، بالتعاون مع المجتمع المدني، لوضع استراتيجية متكاملة بأبعادها الصحية والاجتماعية والنفسية والإدارية والسياسية، تبدأ برصد العدد الحقيقي لهذه الحالات وأماكن تركزها، بما يساعد على طرح حلول فعالة لمواجهتها. وفي الوقت نفسه، على أجهزة الدولة مراجعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية الحالية التي أدّت إلى تردّي أوضاع الطبقات الفقيرة، والعمل على تحقيق قدر من الانفتاح السياسي والإعلامي، واحترام الحقوق والحريات، وتوفير آليات فعالة لتلقي شكاوى المواطنين والعمل على حلها، مثل إنشاء ما يشبه "ديوان مظالم" في كل وزارة وهيئة.

