تدير حكومة السيسي ملف الغذاء في مصر بمنطق سد العجز بعد وقوعه، لا بمنطق منع العجز من الأصل، ولذلك دخلت البلاد نهاية ديسمبر-2025 وهي مكشوفة في أكثر السلع اتصالًا بالقوت اليومي. وتؤكد البيانات المتاحة أن استهلاك القمح يدور حول 20.0 إلى 20.5 مليون طن سنويًا، بينما لا يتجاوز الإنتاج المحلي 9.2 مليون طن في تقديرات موسم 2025-2026، وهو فرق واسع أبقى الخبز نفسه مربوطًا بالاستيراد وتقلبات النقد الأجنبي.

 

هذه الفجوة لم تعد رقمًا زراعيًا معزولًا داخل تقارير رسمية، لأن أثرها انتقل إلى الموازنة والدعم والقدرة الشرائية للأسر في وقت واحد. وعندما تضطر الدولة إلى تدبير واردات ضخمة من أسواق متعددة لضمان تدفق القمح، فإنها تكون قد أقرت عمليًا بأن السيادة الغذائية تراجعت أمام منطق الاستيراد الدائم، لا أمام ظرف طارئ يمكن تجاوزه بقرار موسمي سريع.

 

القمح والبذور والعدس تكشف عمق التبعية

 

تبدأ الصورة من القمح، لأن مصر ظلت في موسم 2025-2026 بحاجة إلى واردات تُقدَّر بنحو 13.0 مليون طن حتى تغطي الاستهلاك المحلي. وهذا المستوى من الاستيراد لا يكشف فقط اتساع الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، بل يكشف أيضًا أن الحكومة أبقت السلعة الأساسية الأهم تحت رحمة السوق الدولية بدل بناء اكتفاء حقيقي يقلص هذا الارتهان.

 

ثم تظهر التبعية بصورة أشد فجاجة في ملف البذور، لأن تقديرات منشورة استنادًا إلى بيانات رسمية أشارت إلى أن مصر كانت تستورد نحو 98% من تقاوي الخضر والفاكهة، بينما لا يتجاوز الإنتاج المحلي 2%. وقال طارق السعيد، عضو الجمعية المصرية لصناعة التقاوي، إن هذا الوضع يعكس فجوة كبيرة في إنتاج الهجن وتطوير السلالات محليًا.

 

وبعد ذلك يبرز العدس بوصفه مثالًا مباشرًا على نتيجة السياسات نفسها، لأن دراسات منشورة رصدت هبوط المساحة المزروعة من 2.52 ألف فدان في 2011 إلى 528 فدانًا في 2020، أي تراجعًا يقترب من 79%، بينما تحدثت تقديرات أخرى عن انكماش أشد في العقد الأخير. وهذا التراجع هو الذي فتح الباب لاتساع الواردات لتغطية الاستهلاك المحلي.

 

وفي هذا السياق، قال الدكتور علاء خليل، مدير معهد المحاصيل الحقلية، إن تراجع زراعة العدس ارتبط بمحدودية المساحة في الوادي والدلتا ومنافسة محاصيل شتوية أخرى له، مثل القمح والفول والبرسيم وبنجر السكر ومحاصيل الخضر. وهذا التفسير الرسمي نفسه يفضح عجز الإدارة الزراعية، لأن الحكومة رأت التراجع وتعايشت معه بدل أن تعالجه بسياسة حماية وإنتاج واضحة.

 

صراع المياه والأرض يدفع الزراعة نحو التصدير ويضغط الغذاء المحلي

 

تتحول الأزمة بعد ذلك إلى مسألة مياه وأرض، لأن زراعة الأرز خضعت منذ سنوات لقيود صارمة خفضت المساحات المسموح بها إلى نحو 724 ألف فدان، بينما استندت الدولة لاحقًا إلى قانون الموارد المائية والري الصادر في أكتوبر-2021 لتشديد إدارة المحاصيل الأعلى استهلاكًا للمياه. وهذه السياسة لم تُنهِ الأزمة، لكنها نقلت كلفتها إلى السوق والمزارعين والمستهلكين.

 

وفي المقابل، زادت مخاطر التملح في أراضي الدلتا مع نقص المياه العذبة اللازمة لغسل التربة، وهو ما يضرب إنتاجية الأراضي القديمة نفسها. وقال الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، إن الضغوط المائية المرتبطة بسد النهضة والتصرفات الأحادية الإثيوبية رفعت مستوى القلق على الموارد المائية المصرية خلال 2025.

 

ثم دفعت هذه المعادلة الدولة وأصحاب الاستثمارات الكبرى إلى تفضيل محاصيل تصديرية قادرة على جلب العملة الصعبة، مثل الموالح والفاكهة، على حساب محاصيل استراتيجية تحقق إمدادًا مباشرًا للسوق المحلي. وعندما تتقدم أولويات التصدير على أولويات الأمن الغذائي، فإن الحكومة تكون قد نقلت الأرض والمياه من خدمة المائدة المصرية إلى خدمة ميزان العملات الأجنبية.

 

وبالتوازي، تركزت استثمارات واسعة في الأراضي المستصلحة والمناطق الصحراوية مثل توشكى وشرق العوينات، مع حضور لشركات خاصة كبرى ومستثمرين خليجيين وكيانات رسمية. لكن هذا النمط ظل منصبًا على الزراعة الواسعة الموجهة للأسواق، بينما بقيت الصناعات التحويلية اللاحقة ضعيفة، وهو ما حرم الاقتصاد من القيمة المضافة وأبقى السوق المحلي أسيرًا لتقلبات الخارج.

 

وهنا يتضح أن الحكومة لم تفشل فقط في حماية المحاصيل الاستراتيجية داخل الوادي والدلتا، بل أعادت توزيع الموارد المحدودة نحو نموذج لا يضمن الخبز ولا البقول ولا الزيوت ولا البروتين للمواطن. وهذا الاختيار السياسي هو الذي جعل الحديث الرسمي عن الأمن الغذائي يبدو منفصلًا عن بنية الزراعة الفعلية التي تشكلت على الأرض.

 

انخفاض البروتين وابتلاع الأجر يؤكدان أن الأزمة وصلت إلى طبق الطعام

 

تظهر النتيجة الاجتماعية مباشرة في ملف البروتين، لأن البيانات المنشورة في ديسمبر-2025 عن إحصاءات 2024 أظهرت أن نسبة الاكتفاء الذاتي من اللحوم الحمراء بلغت 55.4% فقط، بينما سجل متوسط نصيب الفرد 8.0 كيلوجرام سنويًا. وهذه الأرقام تكشف أن الدولة لم تنجح في تأمين أحد أهم مكونات الغذاء اليومي، رغم سنوات من الوعود المتكررة.

 

وبسبب هذا التراجع، اتجهت شرائح واسعة من المستهلكين إلى النشويات والكربوهيدرات والزيوت الأرخص ثمنًا لتعويض غياب البروتين الحيواني عن الوجبات الأساسية. وهذه ليست مجرد مسألة تفضيل استهلاكي، لأن الأسرة عندما تُقصي اللحوم والبقول الأعلى كلفة من إنفاقها اليومي تكون قد دخلت فعليًا في نمط غذائي مفروض عليها بالأسعار لا بالاختيار.

 

وفي فبراير-2025 قرر المجلس القومي للأجور رفع الحد الأدنى لأجور القطاع الخاص إلى 7000 جنيه بدءًا من مارس-2025، ثم نشرت الجريدة الرسمية في يوليو-2025 تعديلات مرتبطة بحدود الأجور للعاملين بالدولة. لكن الزيادة الاسمية لم توقف الضغط المعيشي، لأن الغذاء ظل يلتهم القسم الأكبر من الدخل، بينما ظلت الأسعار تتحرك أسرع من الأجور.

 

وبحسب التقدير الوارد في البيانات التي يستند إليها هذا التقرير، فإن تكلفة الوجبات الأساسية لأسرة من 3 أفراد تلتهم ما يعادل 64% من حد أدنى للأجور يبلغ 7000 جنيه. وقال الخبير الاقتصادي محمد الكيلاني إن أي زيادة في الأجر تفقد معناها إذا لم تقترن بضبط أسعار السلع الأساسية ومنع انتقال التضخم إلى غذاء الأسر الفقيرة ومحدودة الدخل.

 

لذلك تنتهي الصورة إلى نتيجة واحدة لا تحتمل التخفيف، وهي أن الحكومة لم تُدِر ملف الغذاء باعتباره حقًا اجتماعيًا يجب حمايته، بل باعتباره أزمة مؤجلة يجري احتواء آثارها كلما انفجرت. وعندما تعجز الدولة عن تأمين القمح محليًا، وتعتمد على بذور مستوردة، وتترك العدس ينكمش، وتضغط الأرز بالمياه، ثم تعجز عن حماية البروتين من الغلاء، فإنها تكون قد دفعت المصريين إلى مائدة أقل أمنًا وأفقر قيمة وأكثر تبعية.