أعادت توصية هيئة مفوضي الدولة بمحكمة القضاء الإداري فتح واحد من أكثر ملفات الصحة حساسية في مصر، بعدما انتهت إلى التوصية بإلغاء قرار وزير الصحة في شقه المتعلق بتسعير بعض خدمات الصحة النفسية وعلاج الإدمان داخل المنشآت التابعة للأمانة العامة للصحة النفسية. ويأتي ذلك بعد أشهر من جدل واسع أثارته اللائحة المالية الجديدة التي حملها القرار رقم 220 لسنة 2025، والتي نقلت العلاج النفسي الحكومي من خدمة يفترض أن تحمي الفئات الأشد هشاشة إلى عبء مالي ثقيل يطارد المرضى وذويهم. وقد اكتسبت القضية وزنها من طبيعة المجال نفسه، لأن الملف لا يتعلق بخدمة اختيارية أو تكميلية، بل بعلاج يرتبط في حالات كثيرة بالخطر على الحياة وبالسلامة العامة وبالتزامات دستورية مباشرة تقع على عاتق الدولة.
جاءت التوصية القضائية بعد دعوى أقامها المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالتنسيق مع حملة “مصيرنا واحد”، واستندت إلى أن القرار الوزاري لم يضمن صراحة مجانية علاج غير القادرين في حالات الطوارئ والخطر على الحياة. وهذه النقطة لم تكن تفصيلًا قانونيًا محدودًا، بل مثلت جوهر الطعن كله، لأن المادة 18 من الدستور تنص على أن لكل مواطن الحق في الصحة والرعاية الصحية المتكاملة، كما تجرم الامتناع عن تقديم العلاج في حالات الطوارئ أو الخطر على الحياة. ولهذا بدت اللائحة الجديدة، منذ صدورها، كأنها تنقل عبء تمويل المرفق العام من الدولة إلى المريض نفسه، في لحظة اجتماعية واقتصادية تتراجع فيها قدرة الأسر على تحمل أي تكلفة علاجية إضافية.
توصية قضائية تسحب الغطاء عن قرار التسعير
وتعود بداية الأزمة إلى 14 يوليو 2025 حين أصدر وزير الصحة القرار رقم 220 لسنة 2025 باعتماد لائحة مالية وإدارية جديدة لصندوق تحسين الخدمة بمستشفيات الصحة النفسية ومراكز علاج الإدمان. ومنذ ذلك التاريخ بدأت موجة اعتراضات متصاعدة من أطباء وحقوقيين وأسر مرضى، لأن القرار لم يقتصر على تنظيم مالي داخلي، بل مس جوهر إتاحة العلاج نفسه.
وبحسب الدعوى والمواد المنشورة حولها، كانت تكاليف العلاج بالأقسام الداخلية قبل اللائحة تتراوح بين 150 و6000 جنيه شهريًا، ثم قفزت بعد تطبيق القرار إلى ما بين 4500 و11500 جنيه شهريًا للإقامة فقط، بخلاف الفحوصات والجلسات العلاجية واختبارات العيادات الخارجية وبعض خدمات العلاج الكهربائي. وهذه القفزة لم تكن مجرد تحريك أسعار، بل إعادة تسعير شاملة لخدمة يفترض أن تبقى متاحة للفقراء قبل غيرهم.
كما أن مسار الدعوى نفسه كشف أن الاعتراض لم يكن سياسيًا مجردًا، بل استند إلى وقائع محددة وأثر مباشر على المرضى. فقد أوضح المركز المصري أن الدعوى أقيمت في أغسطس 2025 بمشاركة ممثلين عن المرضى والأطباء، ثم أحالت محكمة القضاء الإداري الشق العاجل إلى هيئة مفوضي الدولة في 11 أكتوبر، قبل أن تحجز الدعوى في ديسمبر لإعداد التقرير الذي أوصى أخيرًا بإلغاء القرار محل الطعن.
وفي هذا السياق قال المحامي مالك عدلي مدير المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية إن اللائحة ضاعفت مقابل خدمات الصحة النفسية الحكومية بصورة مبالغ فيها وحرمت قطاعًا عريضًا من المرضى من العلاج. وتكتسب هذه الشهادة أهمية خاصة لأنها صادرة عن الجهة التي صاغت الطعن وربطت بين التسعير الجديد وبين الإخلال المباشر بالحق الدستوري في العلاج وإتاحة المرفق العام دون تمييز طبقي.
قفزة الرسوم حولت العلاج إلى عبء على الأسر
ثم ظهرت خطورة القرار بوضوح أكبر في الحالات التي عرضها المركز أمام القضاء، إذ تحدث عن أب يعمل باليومية كان يسدد 1800 جنيه شهريًا لرعاية نجله المريض، قبل أن يطالب بعد القرار بسداد 5400 جنيه شهريًا، كما عرض حالة وصية على شقيقها كانت تتحمل 1800 جنيه شهريًا ثم فوجئت بالمطالبة بالمبلغ نفسه الجديد للإقامة فقط، من دون الطعام والعلاج. وهنا صار القرار نفسه عاملًا إضافيًا في تعقيد المرض لا في علاجه.
كذلك وثق المركز أن هيكل المستشفيات كان ينص قبل القرار على تخصيص ما لا يقل عن 60% من الأسرة للعلاج المجاني دون رسوم، بينما أثارت المناقشات العامة بعد اللائحة مخاوف من تآكل هذا الحق تدريجيًا. وعندما يجري تقليص المجانية في قطاع شديد الحساسية مثل الطب النفسي، فإن النتيجة المباشرة لا تقف عند باب المستشفى، بل تمتد إلى الأسرة والشارع وأقسام الطوارئ.
وفي هذا الإطار قال الدكتور أحمد حسين منسق حملة “مصيرنا واحد” وأحد مقيمي الدعوى إن الفترة الأخيرة شهدت حوادث اجتماعية جسيمة كان المرض النفسي أحد عناصرها، محذرًا من تداعيات تسعير الخدمات الصحية، خصوصًا في مجال الصحة النفسية وعلاج الإدمان. وتضع هذه الشهادة الملف في سياقه الحقيقي، لأن الحديث هنا ليس عن خدمة تجميلية أو مؤجلة، بل عن علاج يرتبط أحيانًا بمنع الانهيار الكامل أو العنف أو إيذاء النفس.
كما دعمت حملة “مصيرنا واحد” اعتراضها ببيانات قالت إنها تستند إلى نتائج أبحاث قومية أجرتها الأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان، وخلصت إلى أن أكثر من 3% من السكان يواجهون الإدمان وأن 25% يعانون أعراضًا نفسية. وحتى حين ترد هذه الأرقام في سياق حملة حقوقية، فإن دلالتها الأساسية تبقى واضحة، وهي أن الحكومة اختارت توقيتًا خاطئًا تمامًا لتحميل المرضى كلفة إضافية بدل توسيع الإتاحة العامة للعلاج.
شهادات مهنية تكشف أثر القرار وتدين منطق الجباية
وبموازاة المسار القضائي، ظهرت اعتراضات مهنية مباشرة على القرار. فقد وصف الطبيب النفسي فادي صفوت رفع أسعار الكشف والعلاج في مستشفيات الصحة النفسية بأنه “كارثة صحية”، مؤكدًا أن العلاج النفسي ليس رفاهية بل حجر أساس في أمن المجتمع واستقراره. وهذه الشهادة جاءت من داخل المجال الطبي نفسه، ولذلك بدت أكثر إحراجًا للرواية الحكومية التي حاولت تقديم القرار بوصفه مجرد إعادة تنظيم إداري وتمويلي.
أما الطبيب عبد الفتاح محمود عبد الباقي، عضو النقابة العامة للأطباء، فقد ذهب أبعد من ذلك حين طعن رسميًا على القرار مؤكدًا أنه يمثل انتهاكًا صارخًا للمادة 18 من الدستور، وأن الأمراض النفسية المصنفة في قانون رعاية المريض النفسي قد تستوجب دخولًا إلزاميًا للمستشفى حفاظًا على سلامة المريض والمجتمع. ومع هذا التكييف القانوني والطبي معًا، يصبح التسعير الجديد أقرب إلى معاقبة المرضى على مرضهم.
أما الحكومة فقد بررت القرار بأنه يأتي في إطار دعم المستشفيات وتطوير البنية التحتية وتوفير موارد إضافية لتحسين جودة العلاج داخل المنشآت التابعة للأمانة العامة للصحة النفسية. لكن هذه الحجة تتهاوى أمام النص الدستوري نفسه، لأن تطوير الخدمة لا يجيز تحويلها إلى امتياز مدفوع، ولا يسمح للدولة بأن تعالج عجز التمويل بتحميل الفئات الأضعف فاتورة المرفق العام.
وعلى هذا الأساس يبدو تقرير هيئة مفوضي الدولة أكثر من مجرد رأي قانوني تمهيدي، لأنه يسجل رسميًا أن الدولة أخفقت في تضمين القرار ضمانًا صريحًا لمجانية علاج غير القادرين في حالات الطوارئ والخطر على الحياة. وهذا الإخفاق لا يكشف خللًا فنيًا في الصياغة فقط، بل يكشف تصورًا حكوميًا أوسع يتعامل مع الصحة النفسية باعتبارها بابًا للرسوم في وقت يفترض فيه أن تكون بابًا للحماية.
وفي المحصلة يوثق هذا الملف كيف دفعت الحكومة خدمات الصحة النفسية في اتجاه الجباية بدل الإتاحة، ثم اضطرت إلى مواجهة اعتراض حقوقي ومهني وقضائي متصاعد انتهى إلى توصية صريحة بإلغاء القرار في جوهره المطعون عليه. وإذا صدر الحكم النهائي على خطى هذا التقرير، فسيكون ذلك إدانة واضحة لسياسة نقل كلفة العلاج من الدولة إلى المرضى، لا مجرد تصحيح إداري محدود في لائحة أسعار.

