دخلت أزمة لبنان مرحلة أكثر دموية بعد موجة الهجمات الإسرائيلية الواسعة التي طالت بيروت ومناطق أخرى، وسط تحذيرات أممية متصاعدة من أن حجم القتل والتدمير تجاوز حدود التصعيد العسكري التقليدي إلى مستوى يضرب المدنيين والبنية التحتية وشبكات الإغاثة والخدمات الأساسية. وأكد مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك أن حجم القتل والدمار في لبنان “مروع”، وأن فرص التهدئة ستظل ناقصة ما دام اللبنانيون يعيشون تحت النار والنزوح والخوف من مزيد من الهجمات.
ويكتسب هذا التحذير ثقله لأن مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان لم يكتف بإدانة المشهد العام، بل ربط بين القصف الحالي وبين انتهاكات مباشرة لقواعد القانون الدولي الإنساني، لا سيما في ما يتعلق بحماية المدنيين والمنشآت المدنية والعاملين في القطاع الصحي. كما أشار المكتب إلى أن الغارات دمرت مئات المنازل وأصابت منشآت صحية وبنى تحتية مدنية، بينما وسعت أوامر الإخلاء الإسرائيلية نطاق النزوح إلى مساحات جديدة من الجنوب اللبناني.
هجمات إسرائيلية واسعة تعيد لبنان إلى قلب الكارثة
أكدت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في إفادة صحفية بتاريخ 17 مارس 2026 أن لبنان يمر بـ”فصل مأساوي جديد” من تاريخه، بعد سقوط ما لا يقل عن 886 قتيلاً منذ 2 مارس، بينهم 111 طفلًا، وفق السلطات اللبنانية. وأضافت المفوضية أن الضربات الجوية الإسرائيلية دمرت مئات المنازل ومنشآت البنية التحتية المدنية، بما في ذلك مرافق الرعاية الصحية، وهو ما دفعها إلى التحذير من احتمال وقوع انتهاكات جسيمة للقانون الدولي الإنساني.
وجاءت هذه الإفادة الأممية بعد تقارير ميدانية متلاحقة عن استهداف مبانٍ سكنية كاملة في أحياء مكتظة، الأمر الذي أدى إلى مقتل عائلات بأكملها في بعض المواقع. ونبه مكتب الحقوق التابع للأمم المتحدة إلى أن الضربات التي تصيب الأبنية السكنية المكتظة، وتلك التي تطاول خيام النازحين على كورنيش بيروت، تثير “مخاوف جدية” بشأن مدى الالتزام بمبدأ التمييز بين الأهداف العسكرية والمدنيين.
ثم تصاعد المشهد أكثر يوم 8 أبريل 2026، عندما أعلنت فرق الدفاع المدني اللبناني مقتل 254 شخصًا وإصابة 1,165 آخرين خلال يوم واحد من الغارات التي استهدفت بيروت والبقاع وجنوب لبنان. ونقلت التغطيات الإخبارية أن هذه الضربات جاءت ضمن أكبر موجة منسقة منذ بدء العملية العسكرية الإسرائيلية الجديدة في لبنان في 2 مارس، وهو ما جعل اليوم نفسه أحد أكثر الأيام دموية في البلاد منذ سنوات.
استهداف البنية التحتية يوسع الدمار ويضغط على القطاع الصحي
أوضحت الأمم المتحدة أن الدمار لم يعد محصورًا في خسائر بشرية مباشرة، بل امتد إلى منشآت الرعاية الصحية والطرق والجسور وشبكات الخدمات الأساسية، وهو ما يفاقم الأزمة الإنسانية في المناطق المنكوبة. وذكرت مفوضية حقوق الإنسان أن الغارات الإسرائيلية دمرت جسورًا تربط جنوب لبنان ببقية البلاد، كما أصابت مرافق مدنية أخرى، بما يقلص قدرة فرق الإنقاذ والإغاثة على الوصول إلى المناطق المتضررة.
ويرتبط هذا الاستهداف المباشر للبنية التحتية بضغط متزايد على المستشفيات وسيارات الإسعاف وفرق الطوارئ، إذ قالت المفوضية إن 16 من العاملين في المجال الطبي قُتلوا خلال الأيام الأولى من التصعيد في مارس. كما نقلت التغطيات الميدانية أن المستشفيات في بيروت استقبلت أعدادًا ضخمة من الجرحى بعد غارات 8 أبريل، في وقت ناشد فيه وزير الصحة اللبناني المنظمات الدولية دعم القطاع الصحي الذي يواجه ضغطًا استثنائيًا بعد أكثر من 100 غارة في يوم واحد.
ويعني ذلك أن الضرر لا يتوقف عند مشهد الدمار المادي، بل يمتد إلى تقويض القدرة المؤسسية للدولة والمجتمع على احتواء الخسائر. فحين تُقصف الأحياء السكنية وتُستنزف المستشفيات وتُقطع الطرق، تصبح الكلفة الإنسانية مضاعفة، لأن الضحايا لا يفقدون فقط المأوى أو الممتلكات، بل يفقدون أيضًا إمكان الوصول إلى العلاج والإنقاذ والإغاثة في الوقت المناسب.
النزوح الجماعي يبدد أي حديث عن تهدئة قريبة
دفعت الضربات الإسرائيلية المتواصلة إلى اتساع حركة النزوح داخل لبنان على نحو غير مسبوق في الأسابيع الأخيرة. وذكرت تقارير أممية أن عدد النازحين تخطى 1 مليون شخص، بينما أشارت منظمة الأمم المتحدة للطفولة إلى أن المتضررين من النزوح بلغوا 1,049,328 شخصًا حتى 16 مارس، بينهم أكثر من 350,000 طفل، مع إقامة 133,492 شخصًا في 633 مركز إيواء رسميًا.
ويترتب على هذا النزوح ضغط هائل على السكن والغذاء والمياه والتعليم والرعاية الصحية، إذ قالت مفوضية حقوق الإنسان إن كثيرًا من العائلات بات ينام في خيام مؤقتة أو في مراكز إيواء مكتظة أو داخل شقق مشتركة مع أسر أخرى. وأضافت المفوضية أن التعليم تعطل لعام دراسي جديد، وأن سبل العيش تضررت بشدة، في وقت تستمر فيه الضربات الإسرائيلية في تدمير المنازل والأراضي الزراعية وممتلكات المدنيين.
كما ربطت الأمم المتحدة بين هذا النزوح وبين أوامر الإخلاء الواسعة التي فرضتها إسرائيل في الجنوب ومناطق أخرى، معتبرة أن هذه الأوامر قد ترقى إلى “التهجير القسري” المحظور بموجب القانون الدولي الإنساني. ويعني هذا التوصيف أن الأزمة لم تعد ملفًا إنسانيًا فقط، بل أصبحت أيضًا ملفًا قانونيًا مفتوحًا على مساءلات تتعلق بحماية المدنيين وحدود القوة العسكرية المستخدمة في المناطق المأهولة.
وفي هذا السياق، شدد فولكر تورك على أن الجهود الرامية إلى إحلال السلام في المنطقة ستظل غير مكتملة ما دام اللبنانيون يعيشون تحت القصف والنزوح والخوف. وتنسجم هذه الخلاصة مع ما وثقته الأمم المتحدة من قتل واسع ودمار للبنية المدنية وتوسع رقعة التهجير، وهي عناصر تجعل أي حديث عن استقرار قريب أو تسوية فعالة حديثًا منفصلًا عن الوقائع الميدانية القائمة الآن في لبنان.
وتكشف الحصيلة الحالية أن لبنان يواجه أزمة مركبة تجمع بين القتل الجماعي، واستهداف المرافق المدنية، وضغط النزوح واسع النطاق، في وقت تتزايد فيه التحذيرات الأممية من أن استمرار هذا المسار سيؤدي إلى مزيد من التدهور الإنساني والأمني. لذلك يبقى مطلب وقف الهجمات وحماية المدنيين وفتح ممرات المساعدات الإنسانية شرطًا أوليًا لأي مسار جدي نحو التهدئة، لأن الوقائع التي وثقتها الأمم المتحدة لا تترك مساحة لاعتبار ما يحدث مجرد تصعيد عابر.

