لم يعد هبوط أسعار الخضر والفاكهة في مصر خبرًا سارًا بالضرورة، لأن ما يبدو للمستهلك انفراجة مؤقتة، يتحول بالنسبة إلى آلاف الفلاحين إلى خسارة مباشرة تهدد استمرارهم في الزراعة. فخلال 2025 وبداية 2026، تكرر الحديث عن انهيار أسعار عدد من المحاصيل بسبب زيادة المعروض واتساع الرقعة المزروعة، بينما تواصل الدولة التفاخر بأرقام التوسع والإنتاج والصادرات، من دون أن تقدم بالقدر نفسه شبكة حماية حقيقية للفلاح الصغير حين ينهار السوق المحلي. وفي هذا السياق برزت تحذيرات وتحليلات من خبراء معروفين، بينهم الدكتور نادر نور الدين أستاذ الأراضي والمياه بجامعة القاهرة، وحسين عبد الرحمن أبو صدام نقيب الفلاحين، والخبير الزراعي محمد الجوهري، وكلها تصب في نقطة واحدة: المشكلة ليست في وفرة الإنتاج وحدها، بل في غياب إدارة حكومية كفؤة لهذا الإنتاج.
أولًا - الحكومة نجحت في زيادة الإنتاج.. وفشلت في إدارة السوق
جوهر الأزمة أن الدولة دفعت لسنوات باتجاه زيادة الإنتاج الزراعي والتوسع في الأراضي والصادرات، وهو هدف مشروع في ظاهره، لكن من دون بناء آليات موازية لتنظيم السوق الداخلي، والتخزين، والتصنيع، والإنذار المبكر للفلاحين قبل التوسع العشوائي في بعض المحاصيل. وزارة الزراعة نفسها أعلنت عن قفزات في الصادرات الزراعية، كما تحدثت تقارير رسمية عن ارتفاع ملحوظ في حجم الصادرات وخطط لمزيد من التوسع. لكن السؤال الذي يتجاهله الخطاب الرسمي هو: ماذا يحدث عندما يزيد الإنتاج أسرع من قدرة السوق المحلية على الاستيعاب؟
هنا تظهر المفارقة القاسية: الحكومة تعتبر ارتفاع الإنتاج إنجازًا، لكن الفلاح يراه أحيانًا بداية الأزمة، لأن زيادة المعروض بلا سياسة تسويق ولا عقود مسبقة ولا مخازن مبردة كافية تعني ببساطة هبوط السعر إلى مستويات لا تغطي التكلفة. وهذا ما أشار إليه محمد الجوهري، الذي تحدث عن موجة نزول حادة ضربت محاصيل رئيسية في موسم 2025، معتبرًا أن ما يجري يعكس تغيرًا كبيرًا في معادلة العرض والطلب. أما حسين أبو صدام فأكد أن ارتفاع تكاليف الإنتاج، من مستلزمات زراعية إلى نقل وطاقة، يجعل الفلاح عاجزًا عن احتمال المزيد من الهبوط السعري.
ثانيًا - الفلاح يدفع ثمن التخبط.. لا ثمن المناخ أو السوق فقط
الخطاب الرسمي يحب إرجاع الأزمات إلى “ظروف السوق” أو “الوفرة الموسمية”، لكن هذا تفسير ناقص. لأن الخسارة الحالية ليست قدرًا طبيعيًا، بل نتيجة مباشرة لضعف الإدارة الحكومية لسلاسل القيمة الزراعية. فحين يزرع الفلاح من دون قاعدة بيانات واضحة عن الاحتياجات الفعلية، ومن دون نظام فعال للتجميع والتبريد والتصنيع، ومن دون تأمين سعري أو تدخل منظم عند الانهيار، يصبح الحلقة الأضعف التي تتحمل وحدها تكلفة كل خطأ مؤسسي.
الدكتور نادر نور الدين وصف عام 2025 بأنه من أصعب الأعوام على الفلاحين والزراعة المصرية، وهو توصيف لا يمكن فصله عن اتساع الأزمات الهيكلية داخل القطاع. المشكلة لم تعد فقط في سعر محصول هنا أو هناك، بل في نموذج كامل يطلب من الفلاح أن ينتج أكثر، ثم يتركه يواجه السوق وحده عند انهيار الأسعار. وحتى حين تتسع الصادرات وتُفتح أسواق خارجية جديدة، فإن العائد لا ينعكس تلقائيًا على المنتج الصغير إذا لم تكن هناك منظومة عادلة للتسويق والتعاقد والنقل.
الأخطر أن هذه الدورة تتكرر: موسم ربح مرتفع يدفع الفلاحين إلى التوسع، ثم موسم فائض يهبط بالسعر، ثم خسائر جماعية، ثم خروج بعض المنتجين من السوق. هذه ليست أزمة عابرة، بل دليل على أن الحكومة تدير الزراعة بمنطق رد الفعل، لا بمنطق التخطيط الاستباقي.
ثالثًا - الحل معروف.. لكن الإرادة السياسية والإدارية غائبة
الحلول ليست غامضة ولا معقدة. الخبراء يتحدثون منذ سنوات عن الأدوات نفسها: خريطة محصولية ملزمة أو إرشادية فعالة، تعاقدات مسبقة، توسع جاد في التخزين المبرد، دعم الصناعات الغذائية، وفتح قنوات تصدير سريعة عند ظهور فوائض كبيرة. كما أن تحسين إدارة ما بعد الحصاد وتقليل الفاقد الزراعي يمثلان جزءًا أساسيًا من أي حل حقيقي، لأن الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بزيادة الإنتاج، بل أيضًا بغياب منظومة متكاملة تحفظ قيمة هذا الإنتاج وتمنع انهيار أسعاره.
بكلمات أوضح: الأزمة لم تعد في أن مصر تنتج كثيرًا، بل في أن الحكومة لا تعرف كيف تدير هذا الكثير. والنتيجة أن المستهلك قد يفرح مؤقتًا بانخفاض السعر، لكن الفلاح يخسر، والسوق يختل، والإنتاج نفسه يصبح مهددًا في المواسم التالية. لذلك فإن استمرار تجاهل الأزمة ليس نجاحًا في خفض الأسعار، بل فشل في حماية المنتج الزراعي المصري. ومن دون سياسة تسويق عادلة، وتدخل حكومي محترف، ستظل كل موجة وفرة مشروع أزمة جديدة يدفع ثمنها الفلاح وحده.

