شهدت العلاقات بين إيطاليا وإسرائيل تطورًا لافتًا بعدما أعلنت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني تعليق التجديد التلقائي لاتفاقية الدفاع بين البلدين، وهي الاتفاقية التي ظلت تمثل أحد أطر التعاون الثابت في مجالات الصناعات العسكرية وتبادل المعدات والأبحاث التقنية والتدريب منذ إقرارها قبل نحو عقدين. هذا القرار لم يأتِ في فراغ، بل جاء في لحظة إقليمية ودولية شديدة الحساسية، تتداخل فيها الحرب في لبنان مع تداعيات ما جرى في غزة، وتتصاعد فيها الضغوط السياسية والأخلاقية على الحكومات الأوروبية التي تجد نفسها مطالبة بإعادة النظر في طبيعة علاقاتها مع حكومة بنيامين نتنياهو.

 

ويحمل القرار الإيطالي دلالة تتجاوز الجانب الإجرائي المتعلق بعدم تجديد اتفاق يخضع للمراجعة كل خمس سنوات، لأنه يعكس تحولًا سياسيًا في موقف دولة أوروبية تقودها حكومة محسوبة على اليمين المحافظ، وليس على تيار يساري تقليدي اعتادت إسرائيل اتهامه بالتحيز ضدها. ولهذا بدا التعليق أكثر إيلامًا داخل إسرائيل، حيث سارع زعيم المعارضة يائير لابيد إلى وصفه بأنه فشل محرج جديد لحكومة نتنياهو ووزير خارجيته. وبينما بررت روما موقفها بالوضع الراهن وبصعوبة الاستمرار سياسيًا في الاتفاق، ظهر بوضوح أن السلوك الإسرائيلي في لبنان، والاحتكاك المباشر مع القوات الإيطالية العاملة ضمن اليونيفيل، كانا من أبرز العوامل التي دفعت إيطاليا إلى هذه الخطوة.

 

قرار إيطالي يتجاوز الإجراء الفني إلى الرسالة السياسية

 

أعلنت جورجيا ميلوني تعليق التجديد التلقائي لاتفاقية الدفاع مع إسرائيل بعبارة مختصرة لكنها شديدة الوضوح، حين قالت إن الحكومة قررت ذلك “نظرًا للوضع الراهن”. ورغم أن الصياغة بدت دبلوماسية، فإن مضمونها السياسي كان واضحًا، لأن المقصود بالوضع الراهن هو التوتر المتصاعد نتيجة العمليات العسكرية الإسرائيلية في لبنان، وما رافقها من غضب أوروبي متزايد تجاه أداء حكومة نتنياهو في أكثر من ساحة. ومن ثم لم يعد ممكنا التعامل مع الاتفاق الدفاعي بوصفه ملفًا منفصلًا عن السياق السياسي والأمني الأوسع.

 

ويكتسب القرار ثقله من طبيعة الاتفاقية نفسها، إذ لا يتعلق الأمر ببند بروتوكولي محدود، بل بإطار تعاون ينظم الصناعات الدفاعية والأبحاث التكنولوجية وتكنولوجيا المعلومات والتدريبات العسكرية، فضلًا عن تسهيل جوانب من التفاهمات التجارية المرتبطة بقطاع الدفاع. لهذا فإن وقف التجديد لا يُقرأ فقط كتعليق تقني، بل باعتباره إشارة مباشرة إلى أن روما لم تعد راغبة في منح العلاقة العسكرية مع إسرائيل غطاءً طبيعيًا في هذه المرحلة، خاصة في ظل تصاعد الانتقادات الداخلية من المعارضة الإيطالية التي طالبت منذ أشهر بهذه الخطوة.

 

كما أن أهمية القرار ترتبط بالشخصية السياسية التي اتخذته. فميلوني لم تصل إلى السلطة بوصفها صوتًا معاديًا تقليديًا لإسرائيل، بل جاءت من معسكر يميني محافظ يُفترض أنه أقرب سياسيًا إلى حكومة نتنياهو من خصومه الأوروبيين. لذلك فإن تعليق الاتفاقية من جانبها يوجه رسالة مزدوجة، الأولى إلى إسرائيل بأن هامش الدعم الأوروبي يتآكل حتى داخل البيئات السياسية التي كانت تُعد أكثر تفهمًا لها، والثانية إلى الداخل الإيطالي بأن الحكومة لم تعد قادرة على تجاهل الكلفة السياسية والأخلاقية للاستمرار في التعاون العسكري كما لو أن شيئًا لم يتغير.

 

التوتر في لبنان يكشف حدود الصبر الإيطالي

 

جاء القرار الإيطالي بعد أسبوع شهد احتقانًا ملحوظًا بين روما وتل أبيب، إثر اتهام الحكومة الإيطالية القوات الإسرائيلية بإطلاق نيران تحذيرية على قافلة لجنود إيطاليين ضمن قوة الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان. وعلى الرغم من أن الحادث لم يسفر عن إصابات بشرية، فإنه ألحق أضرارًا بمركبة واحدة على الأقل، وهو ما دفع إيطاليا إلى استدعاء السفير الإسرائيلي للاحتجاج. ومثل هذا الاستدعاء لا يُفهم عادة باعتباره مجرد إجراء شكلي، بل يعكس مستوى مرتفعًا من الاستياء السياسي والدبلوماسي.

 

وتضاعفت حساسية هذا الحادث لأن الجنود المستهدفين ينتمون إلى مهمة أممية تعمل تحت مظلة دولية، بما يعني أن التوتر لم يعد يتعلق فقط بالخلاف حول الحرب أو المواقف من لبنان وغزة، بل تجاوز ذلك إلى احتكاك مباشر مع وجود عسكري إيطالي شرعي ومعلن. وعندما تصل الأزمة إلى هذه النقطة، يصبح من الصعب على أي حكومة أن تواصل الدفاع عن اتفاقية تعاون عسكري مع الطرف الذي تتهمه بتعريض قواتها للخطر، حتى لو حاولت الإبقاء على لغة رسمية متوازنة.

 

وفي هذا السياق، عززت تصريحات وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني خلال زيارته إلى بيروت من وضوح الموقف الإيطالي، عندما وصف الهجمات الإسرائيلية على المدنيين في لبنان بأنها غير مقبولة، ودعا إلى حوار بين لبنان وإسرائيل وإلى وقف إطلاق نار ضروري ودائم. هذه التصريحات لم تكن مجرد تعبير إنساني، بل شكلت إطارًا سياسيًا مكملاً لقرار تعليق الاتفاقية، لأنها أوضحت أن روما باتت تنظر إلى السلوك الإسرائيلي باعتباره عنصرًا مهددًا للاستقرار الإقليمي، لا مجرد ملف أمني يمكن التعامل معه بمنطق الشراكة المعتاد.

 

كما أن الربط الذي أجرته ميلوني بين الحاجة إلى دفع مفاوضات السلام قدمًا، والعمل على إعادة فتح مضيق هرمز، يكشف أن الحكومة الإيطالية تنظر إلى المشهد بأكمله من زاوية المصالح الاستراتيجية الواسعة. فإيطاليا لا تخشى فقط من انعكاسات الحرب على لبنان، بل أيضًا من توسع التوتر الإقليمي بما يهدد إمدادات الوقود والأسمدة وحركة التجارة. ومن ثم فإن تعليق التعاون الدفاعي مع إسرائيل يبدو أيضًا جزءًا من محاولة الضغط السياسي لاحتواء التصعيد ومنع انزلاق المنطقة إلى مسار أكثر كلفة على أوروبا.

 

صدمة داخل إسرائيل وتراجع في صورة نتنياهو لدى الحلفاء

 

أثار القرار الإيطالي ردود فعل إسرائيلية غاضبة، وكان أبرزها موقف زعيم المعارضة يائير لابيد الذي اعتبر تعليق اتفاقية التعاون الأمني فشلًا محرجًا جديدًا لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير خارجيته جدعون ساعر. وتكتسب تصريحات لابيد أهمية خاصة لأنه لم يتعامل مع القرار بوصفه نتيجة عداء أيديولوجي من حكومة أوروبية يسارية، بل شدد على أن ميلوني تنتمي إلى المعسكر اليميني المحافظ وتفهم، وفق تعبيره، ضرورة مكافحة الإرهاب. بهذا المعنى، أراد لابيد أن يقول إن المشكلة لم تعد في خصوم إسرائيل التقليديين، بل في الطريقة التي تدير بها الحكومة الحالية علاقاتها حتى مع أقرب الحلفاء المفترضين.

 

ويكشف هذا التوصيف حجم المأزق الذي تواجهه حكومة نتنياهو في المجال الدبلوماسي. فإذا كانت دولة مثل إيطاليا، بقيادة حكومة يمينية، تجد نفسها مضطرة إلى تعليق اتفاق دفاعي قائم منذ سنوات، فإن ذلك يعني أن إسرائيل باتت تخسر تدريجيًا مساحات الدعم التلقائي في أوروبا. وهذا لا يرتبط فقط بالعمليات العسكرية أو الحوادث الميدانية، بل أيضًا بالصورة العامة التي تشكلت عن الحكومة الإسرائيلية باعتبارها عاجزة عن تهدئة الجبهات، وغير قادرة على طمأنة حلفائها إلى أن تصرفاتها لن تجر المنطقة إلى مزيد من الفوضى.

 

ومن جهة أخرى، يمنح القرار الإيطالي دفعة سياسية للمعارضة داخل إسرائيل التي تحاول تحميل نتنياهو مسؤولية تدهور العلاقات الخارجية. فعندما يقول لابيد إن حكومته المقبلة ستعيد إسرائيل إلى موقع الدولة التي كان الجميع يريد محبتها، فهو يطرح انتقادًا يتجاوز الواقعة الإيطالية نفسها إلى مجمل طريقة إدارة السياسة الخارجية في عهد نتنياهو. وهذا يوضح أن أزمة الاتفاقية لم تعد مجرد خبر خارجي، بل تحولت إلى مادة في الصراع الداخلي الإسرائيلي حول الكفاءة السياسية والقدرة على حماية المصالح الاستراتيجية للدولة.

 

وفي المحصلة، فإن تعليق إيطاليا اتفاقية الدفاع مع إسرائيل يمثل محطة سياسية مهمة تكشف اتساع الفجوة بين حكومة نتنياهو وعدد متزايد من العواصم الأوروبية. فالخطوة الإيطالية لا تنفصل عن الغضب من العمليات الإسرائيلية في لبنان، ولا عن الضغوط المتعلقة بالحرب في غزة، ولا عن المخاوف الأوروبية من توسع الصراع وتهديد الملاحة والطاقة. ولذلك فإن الرسالة الأساسية في هذا التطور هي أن كلفة السياسات الإسرائيلية لم تعد تُقاس فقط في الميدان، بل باتت تُترجم أيضًا في خسائر دبلوماسية متراكمة تضرب صورة إسرائيل حتى لدى من كانوا يُعدون حلفاءها الطبيعيين في أوروبا.