ممدوح الولي
خبير اقتصادي ونقيب الصحفيين سابقًا
في ضوء النسبة الكبيرة التي شكلتها دول الخليج العربي من الإنتاج العالمي للنفط والغاز الطبيعي والتي بلغت 20 في المئة، وما تسبب فيه إغلاق مضيق هرمز من ارتفاع أسعار كل من النفط والغاز الطبيعي، وبسبب نسب الاستيراد العالية لدى كبار المستهلكين للطاقة من الشرق الأوسط، فقد أثر ذلك على مواقفهم من الحرب على إيران، والتي رفضت خلالها بعض الدول الاستجابة لدعوة الرئيس ترامب لتوجيه قوات عسكرية لفتح مضيق هرمز، والتركيز على الأساليب الدبلوماسية لحل الصراع، خاصة مع إخفاق الرئيس ترامب عندما أعلن في بدايات الحرب عن حماية القوات الأمريكية للسفن التي ستعبر مضيق هرمز، وإدراك تلك الدول أن ترامب لا يسعى جديا لفتح المضيق، لإتاحة المجال لبيع كميات أكبر من النفط والغاز الطبيعي الأمريكي، وهو ما أفصح عنه علانية بقوله: لدينا نفط جيد وغاز طبيعي ونرحب بالمشترين.
ولهذا، أدركت تلك الدول أن تدخلها العسكرى يمكن أن يصيبها بخسائر وربما يطيل أمد الحرب، وعلى الجانب الآخر فقد سعت إيران لشق الصف الغربى حينما سمحت لسفن بعض الدول بالمرور من المضيق بترتيبات خاصة مع القوات الإيرانية.
ولا تقتصر أهمية مضيق هرمز على النفط والغاز الطبيعي، حيث تنتج دول الخليج العربي حصة غير قليلة من الأسمدة، والتي يؤثر نقصها على أسعارها ويزيد من التكلفة الزراعية، بخلاف تأثير ارتفاع أسعار الوقود على تكلفة العمليات الزراعية، كما تنتج دول الخليج العربي حصة جيدة من الألومنيوم والبتروكيماويات، الأمر الذى أدى إلى ارتفاع أسعارها بسبب إغلاق المضيق.
وها هي أسعار العديد من السلع قد شهدت ارتفاعا ملحوظا منذ بداية العام الحالي وحتى العاشر من الشهر الحالي. فبالنسبة للنفط، زاد الخام الأمريكي بنسبة 68 في المئة وخام برنت بنسبة 56.5 في المئة، وخام الأورال الروسي 141 في المئة، والنافثا 84.7 في المئة، وزيت التدفئة 77.5 في المئة، والقار 35 في المئة. وبالنسبة للغاز الطبيعي زاد الغاز الأوروبي بنسبة 55 في المئة، وغاز بريطانيا 48.6 في المئة، والغاز الألماني 50 في المئة.
وزاد الألومنيوم بنسبة 17 في المئة، وأسمدة اليوريا بنسبة 79.6 في المئة، وثنائي الأمونيوم 15 في المئة. ومن البتروكيماويات، زاد البولي إيثيلين 35 في المئة، والبولي بروبلين 45 في المئة، كما زاد الإيثانول 22 في المئة، والميثانول 51 في المئة. وانعكس ذلك على المنتجات الزراعية، حيث زاد فول الصويا بنسبة 14 في المئة، والقمح 13 في المئة، والأرز 10 في المئة، وزيت النخيل 12 في المئة، وزيت دوار الشمس 10 في المئة، واللحم البقري 14.5 في المئة، والجبن 14 في المئة.
نصيب مرتفع للطاقة من الواردات
وتضغط تلك الأسعار المرتفعة على الدول ذات العجز التجاري المزمن مثل فرنسا وبريطانيا والهند وإسبانيا ورومانيا والبرتغال والفلبين وتركيا وباكستان وبنغلاديش، حيث بلغ النصيب النسبي لواردات الوقود من إجمالي الواردات في العام الماضي 20 في المئة باليابان، وفي العام الأسبق 31 في المئة بالهند، و31.5 في المئة بباكستان، و19 في المئة بتركيا، و17 في المئة، بتايلاند، و13 في المئة بكل من فرنسا وإسبانيا.
وتتضح صعوبة الأثر السلبي لارتفاع أسعار الطاقة لدى كبار المستهلكين للطاقة في العالم خاصة في الدول ذات النسب المتدنية من الاكتفاء الذاتي من أنواع الوقود، فها هي فرنسا التي احتلت المركز الثالث دوليا في استهلاك الطاقة، والمركز الرابع عشر دوليا في استهلاك النفط، قد بلغت نسبة الاكتفاء الذاتي من النفط بنسبة 10 في المئة فقط، ومن الغاز الطبيعي 4 في الألف، ومن الفحم لا شيء، وقد بلغت قيمة العجز التجاري لديها العام الماضي 103 مليارات دولار، فما بالنا بزيادة ذلك العجز التجاري في العام الحالي مع زيادات أسعار الوقود، ولهذا لم تستجب لدعوة ترامب بإرسال قوات لفتح مضيف هرمز.
وها هي إسبانيا التي رفضت مرور الطائرات الأمريكية المشاركة في الحرب عبر أراضيها، بلغت نسبة الاكتفاء الذاتي بها من النفط 6 في المئة، ومن الغاز الطبيعي أقل من 4 في المئة، ومن الفحم صفرا، وبلغت قيمة العجز التجاري لديها في العام الماضي 68 مليار دولار. وقد تضمن التوزيع النسبي لموارد الطاقة لديها ما بين 52 في المئة للنفط، و20 في المئة للغاز الطبيعي، و12 في المئة للطاقة النووية، و10 في المئة للطاقة المتجددة، و2 في المئة للفحم.
وفي إيطاليا بلغت نسب الاكتفاء الذاتي من النفط 7 في المئة، ومن الغاز الطبيعي 5 في المئة، ومن الفحم صفرا. وقد توزعت موارد الطاقة لديها ما بين 46 في المئة من النفط، و38 في المئة من الغاز الطبيعي، ومن الطاقة المتجددة 11 في المئة، ومن الطاقة الكهرومائية أقل من 4 في المئة، ومن الفحم 2 في المئة.
وفي ألمانيا التي احتلت المركز الثاني عشر في استهلاك الطاقة دوليا، بلغت نسبة الاكتفاء الذاتي لديها من النفط 2 في المئة، ومن الغاز الطبيعي 5 في المئة، ومن الفحم 76 في المئة.
وفي بريطانيا بلغت نسبة الاكتفاء الذاتي من النفط 44 في المئة، ومن الغاز الطبيعي 49 في المئة، ومن الفحم 5 في المئة.
نصيب أكبر لطاقة الشرق الأوسط بآسيا
أما في أبرز الدول الآسيوية المستهلكة الطاقة، فيزداد النصيب النسبي للنفط والغاز الطبيعي الوارد من منطقة الشرق الأوسط، ففي العام الأسبق كان نصيب دول الشرق الأوسط من واردات الصين من النفط الخام 57 في المئة، ومن المشتقات 25 في المئة، ومن الغاز المُسال 27 في المئة. وفي الهند كان نصيب دول الشرق الأوسط 33 في المئة من النفط الخام، و61 في المئة من المشتقات المستوردة، و58 في المئة من الغاز المسال المستورد.
وفي اليابان، كان نصيب دول الشرق الأوسط 95 في المئة من النفط الخام المستورد، و32 في المئة من المشتقات المستوردة، و11 في المئة من الغاز المسال المستورد.
وفي سنغافورة كان نصيب دول الشرق الأوسط 52 في المئة من مجمل وارداتها من النفط الخام، و19 في المئة من وارداتها من المشتقات، وهي نسب أعلى من نصيب الشرق الأوسط من واردات أوروبا النفطية، والتي بلغت 17 في المئة للخام المستورد و24 في المئة من المشتقات المستوردة.
وفي الصين التي تمثل المستهلك الأول للطاقة في العالم، والمركز الأول في استهلاك الفحم، والمركز الثاني دوليا في استخدام النفط، والمركز الثالث في استهلاك الغاز الطبيعي، كانت نسبة الاكتفاء الذاتي من النفط 26 في المئة، ومن الغاز الطبيعي 61 في المئة، ومن الفحم 89 في المئة. وتركزت مصادر الطاقة لديها بنسبة 58 في المئة للفحم، و20 في المئة للنفط، و10 في المئة للغاز الطبيعي، وأقل من 6 في المئة للطاقة المتحددة، و3 في المئة للطاقة النووية ومثلها للطاقة الكهرومائية.
أما في الهند التي تحتل المركز الثالث دوليا في استهلاك الطاقة ونفس المركز في استهلاك النفط والثاني في استهلاك الفحم والمركز الحادي عشر في استهلاك الغاز الطبيعي، فقد بلغت نسبة الاكتفاء الذاتي من النفط 10 في المئة، ومن الغاز الطبيعي 51 في المئة، و89 في المئة من استهلاك الفحم. واستحوذ الفحم على النصيب الأكبر من مواردها للطاقة بنسبة 59 في المئة، يليه النفط بنسبة 28 في المئة، و6.5 في المئة للغاز الطبيعي، و3 في المئة للطاقة المتجددة، و1.5 في المئة للطاقة النووية ومثلها للطاقة الكهرومائية، ولهذا سعت لتفاهمات مع إيران لمرور سفنها عبر المضيق خلال الحرب، خاصة مع بلوغ العجز التجاري لديها في العام الماضي 308 مليارات دولار.
نسب اكتفاء متدنية باليابان وكوريا وتايوان
وفي ضوء احتلال اليابان المركز الخامس دوليا في استهلاك الطاقة والمركز الرابع في استهلاك الغاز الطبيعي والحادي عشر في استهلاك النفط والسادس في استهلاك الفحم، فقد بلغت نسبة الاكتفاء الذاتي لديها من النفط نسبة 1 في الألف، ومن الفحم ثلاثة في الألف، ومن الغاز الطبيعي 2 في المئة، كما بلغ العجز التجاري لديها في العام الماضي 17 مليار دولار. واستحوذ النفط على النصيب الأكبر من مصادر الطاقة بنسبة 39 في المئة، و28 في المئة للفحم، و20 في المئة للغاز الطبيعي، و6 في المئة للطاقة النووية، ومثلها للطاقة المتجددة، و2 في المئة للطاقة الكهرومائية.
وبكوريا الجنوبية التي احتلت المركز الثامن دوليا في استهلاك الطاقة ،بلغت نسبة الاكتفاء الذاتي لديها من النفط 4 في المئة، ومن الغاز الطبيعي 3 في المئة، ومن الفحم 0.5 في المئة. وقد استحوذ النفط على النصيب الأكبر من مواردها للطاقة بنسبة 42 في المئة، يليه الفحم 22 في المئة ،والغاز الطبيعي 17 في المئة، والطاقة النووية 16 في المئة، والطاقة المتجددة 3 في المئة.
وتتكرر تلك النسب المتدنية للاكتفاء الذاتي من النفط والغاز والفحم في كل من تايوان وسنغافورة، وزادت نسب الاكتفاء الذاتي في باكستان إلى 12 في المئة من النفط، و71 في المئة من الغاز الطبيعي، و67 في المئة من الفحم، إلا أن العجز التجاري المزمن لديها والذي بلغ 35 مليار دولار في العام الماضي، وارتفاع نسب اعتمادها على الطاقة الواردة من الشرق الأوسط والتي بلغت 89 في المئة من الغاز الطبيعي المستورد، قد دفعها لتبني مجال الوساطة بين الولايات المتحدة وإيران وإرسال مقاتلات وقوات عسكرية إلى السعودية، حفاظا على استمرار تدفق الطاقة إليها.

