المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

 

بعد مواجهات عسكرية استمرت 40 يومًا، وكادت تتسبب في حرب إقليمية أوسع نطاقًا، وأزمة طاقة عالمية كبرى، أعلن الجانبان الأميركي والإيراني، في 8 إبريل 2026، التوصّل إلى اتفاق هدنة، توسطت فيه باكستان، وتضمّن تعليق الأعمال القتالية مدة أسبوعين، والبدء في مفاوضات، في إسلام أباد، تنطلق في 10 إبريل 2026، من أجل التوصل إلى اتفاق يحقق وقفًا دائمًا للحرب. وجاء اتفاق الهدنة قبل ساعتين فقط من انقضاء مهلةٍ حدّدها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لفتح مضيق هرمز قبل ضرب محطات الطاقة والجسور وغيرها من منشآت البنية التحتية الإيرانية. ولم تتضح بعدُ تفاصيل الاتفاق الذي جرى التوصل إليه بين الجانبين لوقف الأعمال القتالية، في خضمّ روايات متضاربة بينهما، خصوصًا بشأن وضع مضيق هرمز، وإذا ما كانت الهدنة تشمل وقف الحرب في لبنان، وسط مزاعم كل طرف بتحقيق انتصار كبير ليبرر موافقته على الهدنة.

 

سياقات الهدنة ودوافعها

 

بعد نحو ستة أسابيع على انطلاق الحرب التي شنّتها إسرائيل والولايات المتحدة على إيران بغرض إخضاعها أو إسقاط نظامها، بدا واضحًا للرئيس ترامب أن الحرب التي بدأها وفق حسابات روّجتها إسرائيل، ومفادها بأن القضاء على القيادة السياسية والأمنية والعسكرية الإيرانية سيفتح الباب أمام ثورة شعبية تؤدي إلى انهيار النظام، أو على الأقل إخضاع ما تبقّى منه، جاءت بنتائج عكسية؛ إذ تبوأت السلطة في إيران قيادة أكثر تشدّدًا. وهذا يعني أن العملية العسكرية التي كان يُفترض أن تكون قصيرة وسريعة وحاسمة سوف تطول، مع تداعيات سياسية واقتصادية كبيرة، نجمت، على نحو رئيس، عن إغلاق إيران مضيق هرمز، وارتفاع أسعار الطاقة في الولايات المتحدة في وقت ستشهد فيه انتخابات نصفية مهمة.

 

وفي محاولة لكسر الجمود الذي سيطر على المسار السياسي، نتيجة استمرار إيران في رفض شروط الاستسلام لوقف الحرب، رغم استمرار الضغط العسكري، لجأ ترامب إلى التصعيد، فأطلق في 21 مارس 2026 إنذارًا مؤدّاه أن الولايات المتحدة ستقوم بـ "ضرب وتدمير" محطات الطاقة الإيرانية "بدءًا من أكبرها"، إذا لم تُعِد إيران فتح مضيق هرمز خلال 48 ساعة.

 

لكنّه، وبضغط من حلفاء إقليميين، تراجع قبل ساعات من انقضاء المهلة في 23 مارس، معلنًا تأجيل تنفيذ ضربات أميركية محتملة ضد محطات الطاقة الإيرانية مدة خمسة أيام. وعزا تمديد المهلة إلى محادثات "جيدة وبنّاءة" أجرتها واشنطن مع طهران، زاعمًا توصّل الطرفين إلى اتفاق على 15 نقطة، وتفضيله ترتيباتٍ مشتركةً لإدارة مضيق هرمز بين الولايات المتحدة وإيران، نفتها الأخيرة. ثمّ عاد ومدّد المهلة مرتين بعد ذلك، إلى 6 إبريل في الأولى، ثم إلى الساعة الثامنة مساء من 8 إبريل، بتوقيت واشنطن. وفي الأثناء، أخذ يطلق تهديدات تضمّنت شتائم يطالب فيها إيران بفتح المضيق، ويتوعد بتدمير الحضارة الإيرانية وإعادتها إلى العصر الحجري إذا لم تفعل ذلك. وتزامنًا مع هذا، كانت الولايات المتحدة تحشد مزيدًا من القدرات العسكرية لممارسة مزيد من الضغوط على إيران، بما في ذلك ترويج عمليةٍ برية محدودة تستهدف جزيرة خرج، وهي موقع تحميل 90% من صادرات إيران من النفط. وزيادة في الضغط، حاولت واشنطن استصدار قرار من مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، تقدّمت به البحرين، الرئيس الحالي للمجلس، يدعو إلى "حماية حرية الملاحة في مضيق هرمز". لكنّ مشروع القرار سقط بعدما استخدمت الصين وروسيا حق النقض (الفيتو)، بحجّة عدم تعرّض القرار لمن بدأ الحرب وتسبّب في إغلاق المضيق، وخشية أن تتخذه واشنطن منطلقًا قانونيًّا لعمل عسكري أوسع ضد إيران.

 

وفي مقابل توجّس ترامب من التورط في حرب طويلة مع إيران، تمتد شهورًا، وتؤثّر في حظوظ حزبه الانتخابية، وتترك تداعيات كبيرة على الاقتصاد الأميركي المرهق، فضلًا عن مخاوفه من الانزلاق إلى عملية برّية مكلفة في إيران، كانت الأخيرة تبحث، في المقابل، عن مخرج مشرّف من حربٍ مكلفة، وتأخذ بجدّية كبيرة تهديدات ترمب، الذي بدا يائسًا ومحبطًا في تصريحاته أخيرًا، لجهة تدمير محطات الطاقة ومنشآت البنية التحتية الرئيسة في إيران. وبناء عليه، قرّرت طهران في اللحظة الأخيرة، وبعد تدخّل من الصين، الموافقة على المقترح الذي طرحته باكستان وأعلنه رئيس الوزراء، شهباز شريف، وتضمّن موافقة الولايات المتحدة وإيران على ما يلي:

 

  1. وقف فوري لإطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة وحلفاء كل منهما في جميع الأماكن، بما في ذلك لبنان وغيرها.

 

  1. يسري وقف إطلاق النار فورًا.

 

  1. دعوة وفدَي الدولتين، في 10 أبريل، إلى مواصلة التفاوض في إسلام أباد من أجل التوصل إلى اتفاق شامل يشمل جميع النزاعات.

 

وتوافق الطرفان على فتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة الدولية، أسبوعين، قابلة للتمديد، تجري خلالها مفاوضات للتوصل إلى اتفاق دائم لوقف الحرب، رغم تضارب الروايات الأميركية والإيرانية في هذا الشأن. وفي حين صرّح وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، على منصة "إكس": "سيكون المرور الآمن عبر مضيق هرمز ممكنًا مدة أسبوعين من خلال التنسيق مع القوات المسلحة الإيرانية ومع مراعاة القيود التقنية"، أعلن ترمب على منصته الاجتماعية "تروث سوشيال": "ستساعد الولايات المتحدة في إنهاء حالة الزحام الناجمة عن اضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز".

 

فرص نجاح المفاوضات

 

منذ عودة ترمب إلى البيت الأبيض في يناير 2025، خاضت الولايات المتحدة وإيران جولتين من المفاوضات، توزّعت على عدة جلسات، للتوصل إلى اتفاق، أرادته إيران أن يقتصر على البرنامج النووي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى تضمينه برنامج إيران الصاروخي، وعلاقاتها مع حلفائها في الإقليم. بدأت المفاوضات الأولى في 12 إبريل 2025، لكنها توقفت بسبب الحرب التي شنّتها إسرائيل على إيران في 13 يونيو 2025، وهو اليوم الأخير من مهلة 60 يومًا التي أعطاها ترامب لإيران للتوصل إلى اتفاق. وقد انضمت الولايات المتحدة إلى الحرب بعد عشرة أيام، في 22 يونيو، عندما وجهت ضربة إلى البرنامج النووي الإيراني، قبل أن تعلن التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في اليوم الثاني عشر للحرب، في 24 يونيو. وجرت جولة المفاوضات الثانية، التي امتدّت عدة جلسات، توزعت بين مسقط وروما وجنيف، في فبراير 2026، وجاءت بعد ضغوط على إيران بسبب موجة احتجاجات كبرى، وانتهت أيضًا بإطلاق الولايات المتحدة وإسرائيل عملية عسكرية واسعة ضد إيران استمرت 40 يومًا (28 فبراير- 8 إبريل).

 

وكانت الولايات المتحدة قد قدّمت إلى إيران، عبر باكستان، في أثناء مهلة الـ 48 ساعة الأولى التي أعطاها ترامب لإيران، مقترحًا يتضمن 15 بندًا، طلبت إدارته الموافقة عليه قبل الشروع في استهداف منشآت الطاقة الإيرانية، وردت عليه إيران بمقترح من عشرة بنود. ويلاحظ أن البنود الخمسة عشر هي نفسها التي سبق أن قدمتها الولايات المتحدة في جنيف، وكان التفاوض جاريًا بشأنها. وتشير عودة الولايات المتحدة إلى طرحها بعد الحرب إلى أنها لا تفاوض، بل تفرض شروطًا تريد من الطرف الآخر أن يقبلها بالتفاوض أو بالقوة، وهو ما يؤكد الطابع العدواني للحرب.

 

تضمّن مقترح الولايات المتحدة تفكيك القدرات النووية الإيرانية، والتعهد بعدم السعي إلى امتلاك سلاح نووي، ووقف تخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانية، وتسليم كل المواد المخصّبة للوكالة الدولية للطاقة الذرية ضمن جدول زمني يُتفق عليه، وإخراج منشآت نطنز وأصفهان وفوردو من الخدمة وتدميرها، وإتاحة كل المعلومات داخل إيران أمام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إضافة إلى تخلّي إيران عن علاقتها بحلفائها، والإبقاء على مضيق هرمز مفتوحًا، على أن يُبحث ملف الصواريخ لاحقًا مع فرض قيود على العدد والمدى، وحصر استخدامها في "الدفاع عن النفس". لكنّ إيران ردّت بأنها لن تخوض أيّ مفاوضات قبل قبول واشنطن شرطين أساسيين: تعويض الأضرار الناجمة عن الحرب، و"الاعتراف بالعدوان" عليها. وطالبت أيضًا برفع كامل للعقوبات، وضمانات بعدم شنّ حرب مستقبلية، والحفاظ على حقها في برنامج نووي سلمي، ورفض أيّ قيود على برنامجها الصاروخي. ومع تشدّد إيران في رفض أيّ مفاوضات تُجرى تحت الضغط العسكري، ورفضها أيّ وقف للحرب لا يتضمّن تعهدات بعدم العودة إليها، أخذ ترمب يركّز في تصريحاته أخيرًا على فتح مضيق هرمز باعتباره شرطًا رئيسًا لأيّ هدنة، مع أن إغلاقه تطوّر مستجدّ نجم عن الحرب التي شنّها على إيران، مؤجّلًا بقية الشروط لمفاوضات لاحقة، ما أدّى، في نهاية المطاف، إلى نجاح الوساطة الباكستانية من دون اتفاق على أيٍّ من البنود الخمسة عشر الأميركية أو العشرة الإيرانية. وهكذا، فرض إغلاق المضيق الهدنة عمليًا. ومع ذلك، يظل من غير الواضح، بعد حرب مدمرة استمرت 40 يومًا، وفي ظل التفاوت الكبير في الشروط والمطالب، إذا ما كان الطرفان الأميركي والإيراني سيتمكنان هذه المرة من تحقيق ما عجزا عنه في الجولتين السابقتين، وإذا ما كان ترامب سيعود، في حال فشل المفاوضات، إلى خيار الحرب، أو حتى خلالها؛ أي ضرب إيران في أثناء عملية التفاوض للضغط عليها للقبول بشروطه كما فعل في المرتين السابقتين.

 

العقدة الإسرائيلية

 

رغم أن إسرائيل لم تكن جزءًا من الاتفاق الذي أعلنته باكستان، ولا المفاوضات التي جرت بشأنه، فإنها أعلنت التزامها بوقف إطلاق النار في الحرب مع إيران، لكنّها رفضت أن يشمل ذلك لبنان. وبحسب ما نقلته وسائل إعلام أميركية، أبلغ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ترامب، خلال مكالمة هاتفية، قبل إعلان وقف إطلاق النار، أنه سيلتزم بالهدنة، لكنّه شدّد على أن "جبهة لبنان لا تخضع لترتيبات الاتفاق". وأكد الرئيس ترامب، وقبله الناطقة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، أن وقف إطلاق النار مع إيران لا يشمل لبنان.

 

وكانت إسرائيل قد اضطلعت بدور رئيس في التحريض على الحرب على إيران، التي عمل نتنياهو شخصيًا على إقناع الإدارات الأميركية المتعاقبة على شنّها، ولم يجد قابلية للانجرار لها سوى لدى ترمب، ربما بسبب شخصيته. لكنّ حكومة نتنياهو، بعد أن ورّطت الولايات المتحدة في هذه الحرب، بدأت - في ظل تصاعد الجدل على المستويين، الشعبي والإعلامي، بشأن دورها في دفع إدارة ترامب إلى خوضها، وما ترتّب عليها من تداعيات اقتصادية جسيمة على المواطن الأميركي - تحاول التواري في خلفية المشهد، زاعمة التزامها بكل ما تطلبه واشنطن منها.

 

لكنّ هذا لم يمنع إسرائيل، خلال الحرب، من محاولات ضرب أيّ مسار تفاوضي بين واشنطن وطهران، وإجهاض كل اتفاق محتمل بينهما، كما فعلت عندما اغتالت أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، الذي كان يتولى إدارة المفاوضات في الجولة الأخيرة من المحادثات بين واشنطن وطهران في فبراير 2026. كما سارعت، قبل انتهاء المهلة التي حددها ترمب، وفي إطار دفعها بقوة نحو تدمير محطات الطاقة الإيرانية، إلى شنّ هجوم في 6 من إبريل، على أكبر موقع للصناعات البتروكيماوية الإيرانية في عسلوية، والذي يُنتج نحو 50% من إجمالي إنتاج إيران من البتروكيماويات؛ بهدف إيصال رسالة إلى إيران حول جدّية التلويح بتنفيذ التهديد المتعلق بتدمير البنية التحتية الإيرانية. ومع ذلك، لا تزال إسرائيل بعيدة عن تحقيق أهدافها من الحرب، وفي مقدمتها إسقاط النظام الإيراني، وكذلك جرّ دول الخليج العربية إلى المواجهة عبر دفعها إلى الانضمام إلى الحرب، وعدم الاكتفاء بالرد على أيّ استهداف إيراني محتمل، في حال تعرّضت منشآت الطاقة الإيرانية للتدمير. لكن يظلّ من غير الواضح إذا ما كان رفض إسرائيل الالتزام بما ورد في البند الأول من الاتفاق، الذي أعلن عنه رئيس الوزراء الباكستاني بشأن التوافق على "وقف فوري لإطلاق النار بين إيران والولايات المتحدة وحلفائهما" (والمقصود من جهة إيران: لبنان، والحوثيون)، سيؤدّي إلى تعطيل تنفيذ الاتفاق، أم أن إيران ستلتزم بعدم الرد على إسرائيل التي استمرت في عدوانها على لبنان.

 

استغلت إسرائيل، في فعل يشبه كثيرًا فعل العصابات الإجرامية، انشغال العالم كله بأخبار الهدنة في 8 إبريل، لشنّ مائة غارة على بيروت وضواحيها خلال عشر دقائق، سقط خلالها مئات الجرحى والشهداء، وكأن الهدف هو التسبّب في أكبر قدر من الأذى والضرر، قبل أن تتعرّض لضغوط وقف إطلاق النار على جبهة لبنان.

 

خاتمة

 

في الوقت الذي كانت فيه دول الخليج العربية تتهيأ لعملية أميركية كبيرة ومدمرة، نجحت جهود الوساطة التي قادتها باكستان، وشاركت فيها أطراف إقليمية عديدة، قبل ساعتين فقط من انتهاء مهلة ترمب، في "انتزاع" اتفاق هدنة وافق عليه الطرفان الأميركي والإيراني، لتبدأ بعد ذلك جولة جديدة من المفاوضات من الصعب تقدير احتمالات نجاحها في ظل تباعد مواقف الطرفين من القضايا محل الخلاف، ووجود إصرار إسرائيلي يسعى إلى فصل الجبهات في الحرب بين إيران ولبنان للاستفراد بالأخير، وتضمين أيّ اتفاق نهائي لوقف الحرب مع إيران تخلّي الأخيرة عن موادها النووية المخصبة بنسبة 60%، ووقف التخصيب نهائيًا على أراضيها، والتخلي عن برنامج الصواريخ الباليستية، الذي تعدّه إيران خط دفاعها الأخير في مواجهة إسرائيل والولايات المتحدة، وجميعها مطالب تجدها إيران غير واقعية وغير قابلة للتنفيذ؛ ما يترك احتمال استئناف الحرب قائمًا، رغم أن مصلحة الطرفين الأميركي والإيراني، ومن ورائهما العالم، تكمن في وقفها نهائيًّا.