دخلت الموازنة العامة في مصر مرحلة أشد قسوة بعد تراجع الجنيه أمام العملات الأجنبية وخروج جزء معتبر من الاستثمارات قصيرة الأجل التي استخدمتها الحكومة خلال الشهور الماضية لسد فجوات التمويل وتوفير سيولة دولارية عاجلة. وجاءت هذه الضغوط فوق عبء قائم أصلًا، إذ أظهرت بيانات رويترز أن فوائد الدين وحدها التهمت نحو نصف الإنفاق الحكومي في السنة المالية الجارية، بما يكشف أن الهامش المالي كان ضيقًا قبل الصدمة الأخيرة أصلًا.
جاءت الحرب بين الولايات المتحدة وإيران منذ 28 فبراير لتضاعف الأزمة في توقيت حساس، فارتفعت تكاليف الطاقة والشحن والتأمين وتراجع استعداد المستثمرين للاحتفاظ بأدوات الدين المقومة بالجنيه. ومع اتساع الضغوط، تحركت الحكومة إلى زيادات في الوقود والكهرباء وإجراءات لخفض الاستهلاك، بينما كانت الأسواق تواجه بالفعل تضخمًا مرتفعًا ونقصًا مزمنًا في العملة الأجنبية واحتياجات استيرادية لا يمكن تأجيلها طويلًا.
هروب الأموال الساخنة يفضح هشاشة التمويل الحكومي
لكن الضربة الأسرع جاءت من باب الأموال الساخنة، إذ قالت رويترز إن تقديرات 4 مصرفيين وضعت حجم التخارجات منذ بداية الحرب بين 5 و8 مليارات دولار، بينما أشارت تقديرات أخرى منشورة في مطلع أبريل إلى خروج يتجاوز 10 مليارات دولار من السوق. وهذا النزوح السريع أعاد التذكير بأن الحكومة أبقت جزءًا مهمًا من الاستقرار النقدي معتمدًا على أموال سريعة الدخول وسريعة الخروج عند أول صدمة سياسية أو عسكرية.
ثم انعكس هذا الخروج مباشرة على سعر الصرف، إذ أشارت رويترز إلى أن الجنيه تراجع إلى أكثر من 52 جنيهًا للدولار بعد أن كان يدور قرب 47 قبل الحرب. وفي الوقت نفسه، قال صندوق النقد الدولي إن المستثمرين في أدوات الدين بالأسواق الناشئة صاروا أكثر ميلًا للسحب السريع، وإن هذا النمط قد يضغط على العملات ويزيد فروق العائد ويعمق أزمات التمويل الخارجي في الدول الأضعف سياسة واحتياطًا ودينًا.
وفي هذا السياق، قال هاني أبو الفتوح، وهو محلل مصرفي، إن طول أمد الحرب قد يدفع الجنيه إلى تجاوز 55 جنيهًا للدولار بسبب ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين والطاقة. كما قال محمد فؤاد، عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب، إن استمرار الحرب يهدد بدائرة تعزز خروج رؤوس الأموال وتزيد حذر المستثمرين تجاه مصر. ويعني ذلك أن الخطر لم يعد في رقم التخارج نفسه، بل في ما يكشفه عن بنية تمويل هشة.
فاتورة الطاقة والاستيراد تنقل الأزمة إلى الأسعار والمعيشة
بعد ذلك انتقلت الأزمة إلى جانب أكثر مباشرة على الموازنة، إذ قال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي إن فاتورة واردات الطاقة زادت بين مرتين ومرتين ونصف منذ اندلاع الحرب. وأضاف أن فاتورة استيراد الغاز الطبيعي قفزت من نحو 560 مليون دولار شهريًا إلى 1.65 مليار دولار للكميات نفسها، بينما ارتفع سعر الخام من 69 دولارًا إلى 108.50 دولارًا للبرميل، وهو ما وسع العبء على المالية العامة فورًا.
كما ترجمت الحكومة هذا العبء إلى قرارات سعرية وإدارية داخلية، فرفعت أسعار الوقود ثم رفعت أسعار الكهرباء للشريحة الأعلى استهلاكًا وللقطاع التجاري اعتبارًا من أبريل، في خطوة قالت رويترز إنها تستهدف احتواء الضغط المالي الناتج عن ارتفاع كلفة الاستيراد. وفي السياق نفسه، فرضت الحكومة إغلاقًا مبكرًا للمحال والمقاهي ودرست العمل عن بعد لتقليل استهلاك الطاقة بعدما صار الاستيراد أكثر كلفة وأقل أمانًا.
ومع انتقال العبء إلى السوق، ارتفع التضخم الأساسي السنوي إلى 14.0% في مارس، بينما هبط مؤشر مديري المشتريات للقطاع الخاص غير النفطي إلى 48.0، وهو أدنى مستوى منذ أبريل 2024، بما يعني استمرار الانكماش في النشاط الخاص خارج النفط. وفي هذا الإطار، قالت نعمت الله شكري، رئيسة البحوث في إحدى شركات السمسرة، إن الارتفاعات الجديدة قد تضاعف مخصصات دعم المنتجات البترولية في السنة المالية الجارية قياسًا بما كان مرصودًا قبل الصدمة.
القناة والسياحة والديون تضيق الخناق على الدولار
ومع تفاقم فاتورة الطاقة، لم تجد الحكومة تعويضًا مريحًا من موارد الدولار التقليدية، لأن إيرادات قناة السويس ظلت تحت ضغط شديد. فقد أظهرت بيانات البنك المركزي التي نقلتها رويترز أن إيرادات القناة هبطت 61.2% إلى 931.2 مليون دولار في الربع الأول من السنة المالية 2025-2026، بينما قال السيسي في مارس 2025 إن الخسائر الشهرية وصلت إلى نحو 800 مليون دولار بسبب اضطراب الملاحة في البحر الأحمر.
كما بقيت السياحة والتحويلات معرضة للضغط مع اتساع الحرب، إذ ذكرت رويترز أن هذه الموارد قد تتأثر إذا طال أمد الصراع وارتفعت المخاطر في المنطقة. وفي الوقت نفسه، تراجعت إقرارات التصدير خلال أول يومين إلى 3 أيام من الحرب بنسبة 77% على أساس سنوي، بينما هبطت الإقرارات الخاصة بالسعودية والإمارات بنسبة 83% و90% على الترتيب، بما يوضح أن أزمة الدولار امتدت من المالية العامة إلى حركة التجارة نفسها.
لذلك صار عبء الديون الخارجية أكثر حضورًا في المشهد، إذ قالت رويترز هذا الأسبوع إن مدفوعات تقترب من 30 مليار دولار مستحقة على مصر، وهو مبلغ يعادل أكثر من نصف الاحتياطيات من النقد الأجنبي. صحيح أن صافي الأصول الأجنبية بلغ 29.54 مليار دولار في يناير، وأن الاحتياطيات دارت قرب 53 مليار دولار، لكن هذه الأرقام لم تمنع عودة القلق لأن الالتزامات كبيرة وخروج الأموال السريعة استعاد الضغط على السوق من جديد.
وهكذا لم تعد الأزمة مجرد أثر خارجي يمكن عزله في الحرب أو في أسعار النفط، لأن الوقائع المتتابعة تكشف مسارًا أوضح: حكومة مولت عجزها بأموال قصيرة الأجل، ثم واجهت صدمة إقليمية رفعت كلفة الطاقة وضغطت على الجنيه وأضعفت التصدير وهددت القناة والسياحة معًا. والنتيجة الآن أن الموازنة تتحمل كلفة سياسية ومالية كبيرة، بينما يدفع المواطن ثمن قرارات لم تبن حماية مستقرة للاقتصاد ولا لموارده الدولارية.

