فتحت النيابة العامة في إسطنبول جبهة سياسية وقضائية جديدة مع إسرائيل بعد إعداد لائحة اتهام ضد 35 مسؤولا إسرائيليا، بينهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، على خلفية الهجوم على سفن “أسطول الصمود” المتجهة إلى غزة. وطلبت اللائحة عقوبات مشددة تصل، بحسب وسائل إعلام تركية وإقليمية، إلى السجن المؤبد المشدد مع أحكام تراكمية قد تبلغ 4596 عاما، في خطوة وصفتها الصحافة الإسرائيلية بأنها تصعيد غير مسبوق من جانب أنقرة.

 

جاء الرد الإسرائيلي سريعا وحادا، بعدما نشر بن غفير مساء السبت رسالة عبر منصة إكس وجهها مباشرة إلى الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قال فيها بالإنجليزية عبارة بذيئة تنتهي بـ “fuck you”، في تعبير صدامي يعكس مستوى التوتر الذي بلغته العلاقة بين الطرفين. ولم يقتصر الرد الإسرائيلي على بن غفير، إذ سارع نتنياهو أيضا إلى مهاجمة أردوغان، بينما واصلت أنقرة تقديم القضية باعتبارها مسارا قانونيا مرتبطا باستهداف مدنيين ومساعدات إنسانية في المياه الدولية، لا مجرد مناورة سياسية عابرة.

 

لائحة اتهام تركية تستهدف قمة القرار في إسرائيل

 

تقول النيابة التركية، بحسب ما نشرته وسائل إعلام مقربة من دوائر الدولة ومواقع إقليمية عدة، إن سفن “أسطول الصمود” تعرضت لتدخل مسلح من قوات إسرائيلية أثناء إبحارها في المياه الدولية في سبتمبر أو أكتوبر 2025، وإن التحقيق خلص إلى تحميل مسؤولية التخطيط والتنفيذ لعدد من كبار المسؤولين السياسيين والعسكريين الإسرائيليين. وتضم القائمة إلى جانب نتنياهو وبن غفير أسماء عسكرية وأمنية بارزة، من بينها رئيس الأركان إيال زامير وقائد سلاح البحرية ديفيد سار سلامة، إضافة إلى وزراء حاليين وسابقين.

 

وتذهب لائحة الاتهام أبعد من توصيف الواقعة باعتبارها عملية أمنية، إذ تعتبر أن استهداف المدنيين ومنع المساعدات الإنسانية واحتجاز المشاركين في الرحلة يدخل في نطاق جرائم ضد الإنسانية وأفعال مرتبطة بالإبادة الجماعية والحرمان من الحرية والتعذيب والإضرار بالممتلكات والنهب المشدد. كما استندت النيابة التركية، وفق ما نشر، إلى قواعد الاختصاص الواردة في القانون الجنائي التركي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، لتبرير فتح تحقيق من تلقاء نفسها في وقائع حدثت خارج الإقليم التركي المباشر لكنها مست مواطنين أتراكا وحقوقا تعتبرها أنقرة محمية بالقانون الدولي.

 

ويحمل هذا المسار القضائي دلالات سياسية تتجاوز حدود الملف نفسه، لأن أنقرة اختارت هذه المرة أن تلاحق أعلى مستوى في هرم السلطة الإسرائيلية، لا منفذين ميدانيين فقط. كما أن توقيت الإعلان يعكس رغبة تركية في تحويل الغضب السياسي من الحرب على غزة ومن استهداف قوافل الإغاثة إلى ملف رسمي معروض أمام محكمة جنائية ثقيلة في إسطنبول. ولذلك تنظر إسرائيل إلى القضية باعتبارها أداة ضغط سياسي بغطاء قانوني، بينما تصر تركيا على أن المسألة تتعلق بحقوق أساسية وانتهاك صارخ للقانون الدولي.

 

بن غفير يختار الإهانة المباشرة واليمين الإسرائيلي يصعد

 

بعد الإعلان عن لائحة الاتهام، اختار إيتمار بن غفير الرد بلغة شخصية فجة ومباشرة، فنشر رسالة إلى أردوغان عبر منصة إكس تضمنت سبابا صريحا باللغة الإنجليزية. وهذه الصياغة لم تكن مجرد انفعال عابر، بل جاءت من وزير يمثل أقصى اليمين الإسرائيلي ويقود منذ شهور حملة سياسية وتشريعية أكثر تشددا ضد الفلسطينيين، ما جعل الرد يحمل طابعا أيديولوجيا بقدر ما يحمل طابعا دبلوماسيا عدائيا. كما أن استخدامه منصة علنية بدل الرد عبر القنوات الرسمية كشف أن الحكومة الإسرائيلية أرادت مخاطبة جمهورها الداخلي بلهجة تحد لا بلهجة دفاع قانوني.

 

ثم جاء رد نتنياهو في الاتجاه نفسه، إذ هاجم أردوغان واتهمه بارتكاب مجازر ضد الأكراد، في محاولة لقلب الاتهام ونزع الشرعية الأخلاقية عن الهجوم التركي. لكن هذا الرد الإسرائيلي لم يتعرض مباشرة إلى جوهر الاتهامات المتعلقة بالهجوم على الأسطول، بل ركز على السجال السياسي وتبادل الاتهامات. ويعني ذلك أن تل أبيب قررت حتى الآن التعامل مع القضية كمعركة خطابية وسياسية، لا كملف قانوني يتطلب نقاشا تفصيليا حول الاختصاص والوقائع والمسؤولية الجنائية الفردية.

 

ويكشف أسلوب الرد أيضا عن حجم القلق داخل الحكومة الإسرائيلية من أي محاولة لفتح مسارات ملاحقة خارجية ضد مسؤوليها، حتى لو كانت فرص التنفيذ العملي محدودة في المدى القريب. فالقيمة السياسية لمثل هذه القضايا لا تقاس فقط بإمكان توقيف المتهمين، بل بقدرتها على توسيع عزلتهم الدولية وتكريس وصفهم كمتهمين بجرائم جسيمة في ساحات قضائية متعددة. ومن هنا بدا رد بن غفير متوترا ومنفلت اللغة، لأنه جاء في لحظة تحاول فيها أنقرة رفع كلفة الحرب قانونيا وسياسيا وإعلاميا.

 

أردوغان يربط الملف بالقانون العنصري وحرب غزة ولبنان

 

تزامن هذا التصعيد القضائي مع هجوم سياسي واسع شنه أردوغان على إسرائيل بسبب تشريع عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين. وقال الرئيس التركي إن فرض العقوبة على الفلسطينيين وحدهم يطرح سؤالا مباشرا عن طبيعة القانون وأهدافه، واعتبر أن ذلك يمثل شكلا من الفصل العنصري واستخداما للقانون كأداة لـ”الفاشية العنصرية”. كما ذهب إلى مقارنة هذه الخطوة بسياسات هتلر الوحشية ضد اليهود، في واحدة من أقسى العبارات التي استخدمها أردوغان بحق الحكومة الإسرائيلية في الفترة الأخيرة.

 

ولا يمكن فصل هذه التصريحات عن الحرب المستمرة في غزة والقتال الدائر في لبنان، لأن أنقرة تقدم موقفها الحالي باعتباره جزءا من اعتراض أوسع على بنية السياسة الإسرائيلية كلها، لا على حادثة الأسطول وحدها. ولهذا جمعت تركيا بين خطابين متوازيين: خطاب قانوني يطالب بالمحاسبة على واقعة محددة في المياه الدولية، وخطاب سياسي يتهم إسرائيل بأنها تنقل التمييز العنصري إلى نصوص القانون نفسه، سواء عبر التعامل مع الأسرى الفلسطينيين أو عبر إدارة الحرب والاحتلال.

 

ويعني هذا الربط أن أنقرة لا تريد الاكتفاء بملف قضائي منفصل، بل تسعى إلى بناء رواية متكاملة تقول إن الهجوم على أسطول الإغاثة لم يكن حادثا استثنائيا، بل حلقة ضمن سياسة أوسع تقوم على الحصار والتجويع واستهداف المدنيين ومنع الإغاثة وتشريع العقاب الاستثنائي بحق الفلسطينيين. وبذلك يصبح رد بن غفير الشخصي، على فجاجته، مجرد عرض جانبي في مشهد أكبر عنوانه أن المواجهة بين تركيا وإسرائيل انتقلت من مستوى التلاسن السياسي المعتاد إلى مستوى الاتهام الجنائي المباشر، في لحظة إقليمية شديدة التوتر ومفتوحة على مزيد من التصعيد.

 

ومع إحالة لائحة الاتهام إلى المحكمة الجنائية الثقيلة العاشرة في إسطنبول، دخل الملف مرحلة أكثر حساسية، لأن تركيا وضعت رسميًا أسماء قادة إسرائيليين كبار في إطار دعوى جنائية علنية، بينما رد هؤلاء بخطاب هجومي لم يقدم حتى الآن دفاعا قانونيا متماسكا بقدر ما قدم موقفا سياسيا متشددا. وهذا التطور يرسخ حقيقة واضحة، وهي أن الحرب على غزة لم تعد تنتج فقط جبهات نار مفتوحة، بل باتت تفتح أيضا جبهات ملاحقة قانونية ودبلوماسية تزداد اتساعا من عاصمة إلى أخرى