تحولت الدروس الخصوصية الرقمية في مصر من وسيلة إضافية يلاحق بها بعض الطلاب الشرح خارج الفصل إلى سوق واسعة تعيد توزيع التعليم وفق القدرة على الدفع لا وفق حق متساو في التعلم. هذا التحول لم يبدأ مع تصريح سياسي عابر، بل ظهر على الأرض مع انتشار المنصات التعليمية الخاصة، وتوسع المعلمين في تقديم محتوى مدفوع خارج المدرسة، واستمرار اعتماد الأسر على هذا المسار بسبب ضعف الثقة في اليوم الدراسي داخل المدارس الحكومية. وزارة التربية والتعليم نفسها تعرض منصات رسمية مثل “مدرستنا” و”بوابة التعليم الإلكتروني” و”منصة البث المباشر”، لكن اتساع السوق الخاصة يؤكد أن البديل الرسمي لم يحسم الأزمة ولم يستعد الطالب إلى الفصل.
أعاد النائب سليمان وهدان طرح الملف بتحذير من “الدروس الخصوصية الرقمية”، لكنه لم يكن أول من أشار إلى الخطر، لأن المشكلة أوسع من التنبيه البرلماني وأقدم منه. الأزمة تتعلق بمنظومة تعليم رسمي فقدت قدرتها على الاكتفاء الذاتي، فدفع ذلك الأسر إلى شراء شرح مواز على الإنترنت، ودفع بعض المعلمين إلى تحويل المعرفة إلى خدمة مدفوعة خارج الرقابة. هذا المسار رفع العبء المالي على الأسر، ووسع الفجوة بين الطلاب، وأضعف المدرسة بوصفها مكانًا للتعلم والتقويم والدعم التربوي معًا.
سوق موازية للتعليم تتوسع خارج المدرسة
في هذا السياق جاء تحذير وهدان من أن المنصات التعليمية غير المنضبطة، وتحول بعض المعلمين إلى تقديم محتوى مدفوع عبر الإنترنت، خلقا سوقًا موازية للتعليم خارج رقابة الدولة. هذا التوصيف يتفق مع ما وثقه باحثون ومؤسسات تعليمية منذ سنوات عن تحول الدروس الخصوصية في مصر إلى مسار تعليمي مواز لا يكتفي بسد فجوة محدودة، بل ينافس المدرسة نفسها على وقت الطالب وثقة الأسرة.
ثم يكتسب هذا التحذير وزنًا أكبر لأن وزارة التربية والتعليم ما زالت تقدم منصات رسمية ومكتبة إلكترونية وبثًا مباشرًا للمحتوى الدراسي، ما يعني أن الدولة تعرف منذ سنوات أن التعلم الرقمي صار جزءًا من العملية التعليمية. لكن بقاء هذه الأدوات الرسمية إلى جوار منصات خاصة غير منضبطة يكشف أن التنظيم تأخر، وأن السوق الخاصة تحركت أسرع من الدولة، فسبقت الرقابة وفرضت قواعدها على الأسر والطلاب.
كما أن الدكتور عاصم حجازي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة القاهرة، قال في يناير 2026 إن الحل العملي لا يكمن في الإنكار أو المطاردة الشكلية، بل في تقنين المنصات الرقمية الخاصة بإخضاعها للرقابة المالية والضريبية، ومراقبة نشاطها، وإلزام العاملين بها بالحصول على رخصة مزاولة مهنة التدريس. هذا الرأي يدعم فكرة أن السوق موجودة بالفعل، وأن غياب التنظيم هو الذي سمح لها بالتمدد بهذه الصورة.
الأعباء المالية تتصاعد والفجوة التعليمية تتسع
وبسبب هذا التمدد لم تعد الدروس الخصوصية الرقمية مجرد خيار إضافي لبعض الأسر، لأن الإنفاق على التعليم في مصر يحمل أصلًا عبئًا مرتفعًا من بند الدروس الخصوصية ومجموعات التقوية. بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، كما نقلتها الأهرام وعرضتها تحليلات لاحقة، تفيد بأن 28.3% من إنفاق الأسر على التعليم يذهب إلى الدروس الخصوصية، وهو ما يفسر لماذا يفاقم أي توسع رقمي غير منظم الضغوط على الأسر بدل أن يخففها.
وبعد ذلك تظهر الفجوة التعليمية بوضوح لأن الأسرة القادرة على شراء اشتراكات شهرية أو حصص فردية عبر الإنترنت تمنح أبناءها وقت شرح إضافيًا لا يملكه غيرهم. تقارير حديثة عن سوق الدروس في مصر أشارت إلى أن باقات الدعم الدراسي عبر الإنترنت تتراوح تقريبًا بين 540 و1,400 جنيه شهريًا، بينما تصل الحصة الفردية أحيانًا إلى 100 أو 500 جنيه بحسب المادة والخبرة، وهو تفاوت يربط مستوى الدعم التعليمي مباشرة بمستوى الدخل.
لذلك لم يكن غريبًا أن يحذر وهدان من “خصخصة غير معلنة” للتعليم تهدد تكافؤ الفرص. هذا التحذير يجد ما يسنده في أوراق المركز المصري للدراسات الاقتصادية وفي دراسات أكاديمية أوضحت أن الدروس الخصوصية في مصر لا تعكس فقط ضعف جودة التعليم العام، بل تضع الفقراء في موقع أضعف وتدفع كثيرًا من الأسر إلى إنفاق لا تستطيع تحمله حتى لا يتخلف أبناؤها عن زملائهم.
وفي هذا الموضع يبرز رأي الباحث سيباستيان إيل، صاحب ورقة “الدروس الخصوصية في مصر” الصادرة عن المركز المصري للدراسات الاقتصادية، إذ خلص إلى أن الدروس الخصوصية ليست مجرد نتيجة عرضية لسوء التعليم العام، بل أصبحت جزءًا متجذرًا من بنيته حين ينخفض دخل المعلم وتتراجع جودة الفصل وتضعف الحوافز داخل المدرسة. هذا التوصيف يفسر لماذا تتحول النسخة الرقمية اليوم إلى امتداد للمشكلة نفسها لا إلى حل لها.
المدرسة تتراجع والدولة تعرض بدائل ناقصة
ونتيجة لذلك يتراجع دور المدرسة في عين الطالب والأسرة معًا. ورقة يونيسف عن دمج التكنولوجيا في التدريس، الصادرة في يونيو 2024، أشارت إلى عجز يقدَّر بأكثر من 300,000 معلم، وإلى كثافات مرتفعة ونقص في المعلمين المؤهلين، وربطت ذلك بانتشار الدروس الخصوصية بوصفها استجابة لنقص الجودة داخل الفصل. حين تتراجع قدرة المدرسة على الشرح والمتابعة، يصبح السوق الخارجي هو المستفيد الأول.
ثم يؤكد الدكتور تامر شوقي، أستاذ علم النفس التربوي بجامعة عين شمس، أن صعوبة حصر الدروس الخصوصية ترجع إلى أنها ظاهرة غير منظمة ولا تخضع لرقابة رسمية كاملة، كما أشار إلى أن استمرارها يرتبط بعوامل داخل المنظومة نفسها. هذا الرأي يلتقي مع واقع المنصات الرقمية، لأن انتقال الدرس من السنتر إلى الهاتف أو الحاسوب لا يلغي الأزمة، بل يجعل ضبطها أصعب ويمنحها انتشارًا أكبر.
ولهذا السبب تبدو المقترحات التي طرحها وهدان قابلة للفهم حتى مع الاكتفاء بالتنويه السياسي بها. الرجل دعا إلى إطار قانوني ينظم الدروس الخصوصية الرقمية، وإلى منصة وطنية مجانية أو منخفضة الكلفة، وإلى منع المحتوى المدفوع خارج المنظومة الرسمية إلا بتصريح، وتفعيل الدعم الدراسي داخل المدرسة، وتشديد الرقابة على المنصات غير المرخصة، وتدريب المعلمين على دمج التكنولوجيا داخل الفصول بدل تحويلها إلى سوق موازية. هذه المقترحات تعكس أن الأزمة لم تعد قابلة للتأجيل الإداري.
كذلك تكشف التجربة الرسمية الحالية أن الدولة تملك بعض الأدوات لكنها لم تجمعها بعد في سياسة منضبطة واحدة. فالوزارة تتيح محتوى رقميًا رسميًا، وتعلن التوسع في التدريب على الأدوات الرقمية، لكنها في الوقت نفسه لم تفرض حتى الآن إطارًا واضحًا يحدد من يحق له تقديم تعليم مدفوع عبر الإنترنت، وكيف تراقب جودة المحتوى، وكيف تحمي الأسر من الاستنزاف، وكيف تعيد المدرسة إلى مركز العملية التعليمية.
وأخيرًا لا تبدو الدروس الخصوصية الرقمية في مصر مشكلة تقنية يمكن حلها بمنصة جديدة أو بيان تحذيري، لأن أصل الأزمة يقع في مدرسة ضعفت، ومعلم يفتش عن دخل إضافي، وأسرة تدفع خوفًا على مستقبل أبنائها، ودولة تأخرت في التنظيم حتى تمددت السوق خارجها. لذلك فإن أي تأخير جديد سيعني أمرًا واحدًا، وهو أن التعليم الرسمي سيفقد مزيدًا من وزنه، بينما يتحول الحق في التعلم تدريجيًا إلى خدمة مدفوعة يشتريها من يملك ثمنها فقط.

