تحولت الساعات التي أعقبت إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران إلى ساحة اشتباك سياسي وإعلامي على المنصات، بعدما حاول الإعلام المصري الموالي للسلطة نسبة دور بارز لعبد الفتاح السيسي وأجهزته في إنجاز التهدئة. غير أن هذا الخطاب الرسمي لم يمر بهدوء، لأن عشرات التدوينات المعارضة سارعت إلى السخرية منه، وربطته بسجل طويل من المبالغات والدعاية وتزييف الأدوار.
زاد هذا الاشتباك حدة لأن روايات إقليمية وإعلامية متقاطعة نسبت الدور الأوضح إلى رئيس الوزراء الباكستاني، فيما اكتفى السيسي بتدوينة رسمية تحدث فيها عن متابعته لاتفاق وقف إطلاق النار ودعمه لأمن الخليج والعراق والأردن. وبين الخطاب الرسمي المصري والسخرية المعارضة، ظهرت مساحة واسعة من الاتهام السياسي الذي أعاد فتح ملفات المال الخليجي والانقلاب والدعاية وفشل الإعلام الرسمي.
من باكستان إلى السيسي من صنع رواية الوسيط الذي لم يره أحد
بدأت موجة السخرية بعد تدوينة عبد الفتاح السيسي التي قال فيها إنه تابع إعلان التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، ورحب بما وصفه بالتطور الإيجابي، ثم جدد دعم مصر الكامل وغير المشروط لدول مجلس التعاون الخليجي والأردن والعراق، وقال إنه سيستمر في بذل كل جهد صادق ومخلص لإنهاء الصراعات وإرساء السلام في المنطقة والعالم.
تابعت فى الساعات الأولى من صباح اليوم إعلان التوصل لاتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهو خبر بلا شك أثلج صدور الملايين من محبى السلام فى سائر بقاع الأرض، وأدعو الله - عز وجل - أن يُكلل ذلك التطور الإيجابي باتفاق دائم لوقف الحرب…
— Abdelfattah Elsisi (@AlsisiOfficial) April 8, 2026
ثم جاء رد الحارث أكثر مباشرة، إذ قال إن السيسي ووزير خارجيته لا يملكان أي دور في وقف إطلاق النار، بينما تشكر دول المنطقة رئيس الوزراء الباكستاني على دوره الإيجابي في وقف الحرب. كما اتهم الإعلام المصري غير المهني بترويج الأكاذيب ومحاولة تمريرها على عقول جمهور أضعفته آلة التجهيل الرسمية خلال سنوات حكم السيسي.
السيسي ووزير خارجيته ليس لهما أي دور في وقف إطلاق، بينما كل دول تشكر رئيس الوزراء الباكستاني،وهو من له الدور الإيجابي في وقف
— Peugeot 405. 1978 (@AlharthiMu67710) April 9, 2026
الحرب، إلا أن الإعلام المصري الغير مهني يروج أكاذيبه الغبية وتمريرها على عقول القطيع التائه من الشعب المصري المجهل بجهل حكومة السيسي.
كما التقط عمرو عبد الهادي هذا الخيط نفسه، لكنه صاغه بصورة أكثر تهكمًا، حين قال إن العالم كله يشكر باكستان على وقف الحرب في إيران، بينما يصر إعلام المخابرات العامة وموالون الجيش في مصر على شكر السيسي. ثم أضاف عبارة ساخرة عن استبدال حرف في اسمه، قبل أن يصف المشهد كله بأنه نموذج لفشل دعائي يثير سخرية الأمم.
كل العالم بيشكر #باكستان على وقف الحرب في #ايران الا اعلام واعلاميين المخابرات العامة ودولجية الجيش الماسري في مصر بيشكرو #السيسي واحنا كذلك بس بعد استبدال الخاء بالكاف والانيل من كده الامارات بتعلن انتصارها وهي لسه بتضرب رغم ان الحرب وقفت .. امه ضحكت من جهلها الامم
— AMR ABD ELHADY || عمرو عبد الهادي (@amrelhady4000) April 8, 2026
وفي السياق نفسه، قدّم أيمن عزام صورة مكثفة من السخرية السياسية عندما أعاد تركيب خطاب منسوب إلى مصطفى بكري، زعم فيه أن الجهد المصري واتصالات الخارجية والمخابرات ورعاية السيسي هي التي بلورت الاقتراح الذي تقدمت به باكستان. بهذا الأسلوب، حول عزام المبالغة الرسمية إلى مادة هجوم تكشف الطريقة التي يصنع بها الإعلام الموالي بطولات لا يعترف بها أحد خارج دوائره.
( الجهد المصري ، والتواصل مع كافة الأطراف المعنيه ، كان وراء بلورة الاقتراح الذي تقدمت به باكستان ، مفاوضات الخارجيه المصريه والمخابرات العامه المصريه ورعاية الرئيس السيسي حققت المعادله الصعبه مع كافة الأطراف ، وجري الاتفاق بين مصر وتركيا وعمان علي تقدم رئيس الوزراء الباكستاني…
— Ayman Azzam (@AymanazzamAja) April 8, 2026
كذلك دفعت هذه السخرية نسرين نعيم إلى استخدام التهكم العكسي، إذ كتبت رواية ساخرة بالكامل قالت فيها إن الصقور المصرية وفرت غطاء جويًا في المنطقة، وإن اتصالًا هاتفيًا بين السيسي وترامب أقنع واشنطن بوقف الحرب. ثم ختمت تدوينتها بالقول إن من يصدق هذا الكلام أو كلام اللواء سمير فرج يتحمل مسؤولية سذاجته السياسية كاملة.
قامت الصقور المصرية بغطاء جوي فى المنطقة العربية كلها
— نسرين نعيم (@nesrinnaem144) April 8, 2026
ومن خلال اتصال هاتفي بين السيسي والرئيس الامريكى دونالد ترامب قدر يقنع ترامب بضرورة وقف الحرب والتراجع الكامل عنها فى الوقت الحالي
هذا وقد أشادت وكالات الأنباء العالمية بدور الرئيس المصري وبدور قياداته فى مصر
هذا وقد جاءت… pic.twitter.com/7Kt9nGdV0s
سخرية المنفى تربط الهدنة بمال الخليج وديون السيسي
انتقلت السخرية سريعًا من نفي دور السيسي إلى استدعاء ملف الأموال الخليجية، حين كتب محمد عبد الرحمن رسالة مباشرة إلى دول الخليج قال فيها إن أموالهم موجودة عند السيسي، وطالبهم بالذهاب إليه إن استطاعوا استردادها. كما دعا إلى عدم ذكر اسم مصر في هذا السياق، واعتبر أن المسؤول الحقيقي عن الأموال هو السيسي لا الشعب المصري.
رساله لكل دول الخليج.
— MOHAMED ABDELRAHMAN (@mohamed041979) April 9, 2026
فلوسكم عند السيسي . روحوا خدوها منه لو عرفتم.
ولو سمحتم محدش يجيب اسم مصر في جمله علي لسانه تاني.
فلوسكم عند النصاب الحرامي ده 👇 pic.twitter.com/4uo4pn7TKm
ثم مضى يسري ناصر خطوة أبعد، إذ اقترح على دول الخليج أن تسترد أموالها ومعها السيسي نفسه، وقال إنها هي التي ساعدته أصلًا في قمع أي حراك ضده. هذا الربط لم يخرج من فراغ، لأنه بنى اتهامه على سردية مستقرة في خطاب المعارضة تعتبر أن الدعم الخليجي بعد انقلاب 2013 كان أداة لإحكام القبضة الأمنية داخل مصر.
طب أنا عندى إقتراح، خدوا فلوسكم ومعاهم السيسى اللى نصب عليكم، واللى إنتم أصلاً ساعدوته لقمع أى حراك ضده. https://t.co/FZ587qaApu
— Yosry Nasser (@yosry_n) April 9, 2026
وبعد ذلك كتب أبو أروى تدوينة أكثر حدة قال فيها إن دول الخليج موّلت انقلابًا دمويًا ضد الشعب المصري، وجاءت بالسيسي ليذل المصريين ويفقرهم. ثم رفض أي حديث عن مطالبة الشعب المصري بالدخول في حرب لا تخصه، مؤكدًا أن أموال الخليج عند السيسي وعصابته، وأن الشعب المصري لا يتحمل ديونًا نشأت عن دعم القمع والاستبداد.
الخلايجة بعد ما مولوا إنقلاب دموى ضد الشعب المصرى كامل
— ابو أروى (@HQvuYTT5FF09HBE) April 9, 2026
وجابوا السيسى يزل الشعب المصري ويفقروا
وبسبب دعمهم قتل الآلاف من خيرة شباب مصر
واعتقل عشرات الآلاف آخرين
عاوزين مصر تدخل حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل
أموالكم عند السيسى وعصابته
الشعب المصرى شعب حر
لايوجد ديون لكم علينا
كما وسّع عبدالله التابعي هذا الاتهام حين اعتبر أن الدول الخليجية التي خرجت مستفيدة من الحرب الأخيرة هي تلك التي أدركت متأخرًا أنها ليست قوى عظمى، وأنها تعرضت للاستغلال الأميركي. ثم قال إن هذه الدول ارتكبت جريمة بحق مصر عندما ساهمت في صناعة الانقلاب على محمد مرسي، ودعمت حملة إبادة وتنصيب السيسي عبر رشوة الجيش بمليارات.
الدول الخليجية الفائزة من الحرب الأخيرة.
— عبدالله التابعي (@ABDALLA_ALTABEY) April 9, 2026
هي الدول التي عرفت أنها ليست عظمى،
والتي أدركت أنها لا تمثل للأمريكي سوا نهيبة يجب استغلالها،
والتي عرفت أنها ارتكبت جريمة في حق مصر بصناعة إنقلاب على رئيسها الشريف محمد مرسي، ودعم حملة إبادة لشعبها، وتنصيب السيسي بعد رشوة الجيش…
وفي المعنى نفسه، كتب أبو سلمان أن باكستان وقفت مع دول الخليج من منطلق إسلامي، بينما رهنت مصر وقوفها مع الخليج بالمال. ثم خلص إلى أن باكستان ربحت في نهاية المطاف بينما خسرت مصر. هذه الصياغة جمعت بين المقارنة السياسية والإدانة الأخلاقية، لأنها صورت القاهرة كطرف باع موقعه الإقليمي مقابل المال ثم خسر حتى الرواية الدعائية.
باكستان وقفت مع إخوانها في دول الخليج من منطلق إسلامي، بينما مصر رهنت وقوفها مع إخوانها في دول الخليج على أساس المال.
— | abu Salman ♦️🇸🇦🇶🇦 (@AbuSalman1996) April 8, 2026
في النهاية
كسبت باكستان 🇵🇰
وخسرت مصر 🇪🇬
إعلام السلطة يصنع بطولة وهمية والسوشيال يهدمها بالسخرية
على مستوى السخرية الشعبية المكثفة، جاء تعليق حساب المنطق مختصرًا لكنه شديد الدلالة، إذ كتب أن القلب مع المصريين لكن اليد التي تشحت عند الخليجيين. هذا التركيب المقتضب اختزل صورة السلطة في نظر خصومها، بوصفها نظامًا يرفع خطاب الكرامة والسيادة بينما يعتمد في الواقع على الدعم الخارجي والودائع والمساعدات التي يستخدمها لاستمرار بقائه.
الألب معاكو. والايد الي بتشحت. عند الخلايجه
— المنطق2 (@dimensios4) April 9, 2026
#السيسي#مصر pic.twitter.com/diOi47asts
ثم أعاد صالح بناء هذا الاتهام في صيغة أكثر تفصيلًا، حين قال إن الإعلام المصري والمصريين ينسبون لأنفسهم ولرئيسهم فضل التوصل إلى هدنة في حرب إيران. كما سخر من عبارة مسافة السكة التي استخدمها السيسي لسنوات لابتزاز الخليج والحصول على مساعدات وودائع وامتيازات، قبل أن يقول إن هذه المسافة تبخرت عند لحظة الحرب الفعلية.
التوصل إلى هدنه في #حرب_إيران تنسب #مصر #الاعلام_المصري #المصريين الفضل لهم ولرئيسهم #السيسي مسافة السكة التي استخدمها لسنوات لابتزاز #الخليج_العربي واخذ مساعدات و ودائع وامتيازات لا تقدر💰بالمال وعند الجد والحرب تبخرت مسافة السكة
— Saleh Alyafei (@SalehAlyafi123) April 9, 2026
والذي زاد الطين بله انهم وقفوا مع #ايران المعتدية https://t.co/kHcNIxSQBG pic.twitter.com/sJcy0eS7TW
وبموازاة هذا الخطاب، لجأت شيرين عرفة إلى سخرية بصرية مباشرة، إذ نشرت مقطعًا قصيرًا يظهر فيه أحد الموظفين وهو يفتح بابًا، وعلقت عليه بعبارة تقول إن الإعلام المصري يتحدث عن دور بارز للسيسي في المفاوضات بين أميركا وإيران. بهذا التلخيص، اختزلت شيرين الخطاب الرسمي كله في مشهد صغير يرمز إلى فراغ الدور المزعوم.
● الإعلام المصري: كان للسيسي دور بارز في المفاوضات التي جرت بين أمريكا وإيران
— شيرين عرفة (@shirinarafah) April 8, 2026
- دور السيسي 👇 pic.twitter.com/dMi3AA8swZ
كما اكتسب هذا الاشتباك قيمة أكبر لأن خبراء الإعلام والسياسة تحدثوا مرارًا عن أزمة المصداقية في الإعلام المصري. الدكتور صفوت العالم، أستاذ الإعلام السياسي، حذر في مداخلات معلنة سابقة من أن الإعلام عندما يتحول إلى أداة تبرير يفقد جمهوره. كذلك أكد الدكتور حسن نافعة أن تغييب الحقيقة يضعف الدولة نفسها. وأضاف الدكتور عمرو الشوبكي أن الدعاية لا تنتج شرعية مستدامة.
ومن ثم لم تعد هذه التدوينات مجرد تعليقات غاضبة على حدث إقليمي عابر، بل صارت وثيقة سوشيال تكشف شكل الفجوة بين رواية السلطة وتصور قطاع واسع من المعارضين والمنفيين. ذلك أن السخرية هنا لم تستهدف شخص السيسي وحده، بل استهدفت بنية إعلامية كاملة تحاول تصنيع دور إقليمي على الشاشات بينما تنسبه منصات أخرى إلى باكستان وتربطه بملفات المال والقمع والانقلاب.
وفي المحصلة، فضحت موجة التدوينات الساخرة هشاشة الرواية الرسمية عن دور السيسي في وقف حرب إيران، لأنها نقلت الجدل من سؤال الوساطة إلى سؤال المصداقية. وعندما يصبح الحدث الإقليمي مناسبة لتذكير الخليج بأمواله، وتذكير المصريين بثمن الانقلاب، والسخرية من إعلام يوزع بطولات وهمية، فإن الأزمة لا تكون في السوشيال وحده، بل في نظام فقد قدرته على إقناع الناس بما يروجه عن نفسه.

