تحولت الساعات التي أعقبت إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران إلى ساحة اشتباك سياسي وإعلامي على المنصات، بعدما حاول الإعلام المصري الموالي للسلطة نسبة دور بارز لعبد الفتاح السيسي وأجهزته في إنجاز التهدئة. غير أن هذا الخطاب الرسمي لم يمر بهدوء، لأن عشرات التدوينات المعارضة سارعت إلى السخرية منه، وربطته بسجل طويل من المبالغات والدعاية وتزييف الأدوار.

 

زاد هذا الاشتباك حدة لأن روايات إقليمية وإعلامية متقاطعة نسبت الدور الأوضح إلى رئيس الوزراء الباكستاني، فيما اكتفى السيسي بتدوينة رسمية تحدث فيها عن متابعته لاتفاق وقف إطلاق النار ودعمه لأمن الخليج والعراق والأردن. وبين الخطاب الرسمي المصري والسخرية المعارضة، ظهرت مساحة واسعة من الاتهام السياسي الذي أعاد فتح ملفات المال الخليجي والانقلاب والدعاية وفشل الإعلام الرسمي.

 

من باكستان إلى السيسي من صنع رواية الوسيط الذي لم يره أحد

 

بدأت موجة السخرية بعد تدوينة عبد الفتاح السيسي التي قال فيها إنه تابع إعلان التوصل إلى اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، ورحب بما وصفه بالتطور الإيجابي، ثم جدد دعم مصر الكامل وغير المشروط لدول مجلس التعاون الخليجي والأردن والعراق، وقال إنه سيستمر في بذل كل جهد صادق ومخلص لإنهاء الصراعات وإرساء السلام في المنطقة والعالم.

 

 

ثم جاء رد الحارث أكثر مباشرة، إذ قال إن السيسي ووزير خارجيته لا يملكان أي دور في وقف إطلاق النار، بينما تشكر دول المنطقة رئيس الوزراء الباكستاني على دوره الإيجابي في وقف الحرب. كما اتهم الإعلام المصري غير المهني بترويج الأكاذيب ومحاولة تمريرها على عقول جمهور أضعفته آلة التجهيل الرسمية خلال سنوات حكم السيسي.

 

 

كما التقط عمرو عبد الهادي هذا الخيط نفسه، لكنه صاغه بصورة أكثر تهكمًا، حين قال إن العالم كله يشكر باكستان على وقف الحرب في إيران، بينما يصر إعلام المخابرات العامة وموالون الجيش في مصر على شكر السيسي. ثم أضاف عبارة ساخرة عن استبدال حرف في اسمه، قبل أن يصف المشهد كله بأنه نموذج لفشل دعائي يثير سخرية الأمم.

 

 

وفي السياق نفسه، قدّم أيمن عزام صورة مكثفة من السخرية السياسية عندما أعاد تركيب خطاب منسوب إلى مصطفى بكري، زعم فيه أن الجهد المصري واتصالات الخارجية والمخابرات ورعاية السيسي هي التي بلورت الاقتراح الذي تقدمت به باكستان. بهذا الأسلوب، حول عزام المبالغة الرسمية إلى مادة هجوم تكشف الطريقة التي يصنع بها الإعلام الموالي بطولات لا يعترف بها أحد خارج دوائره.

 

 

كذلك دفعت هذه السخرية نسرين نعيم إلى استخدام التهكم العكسي، إذ كتبت رواية ساخرة بالكامل قالت فيها إن الصقور المصرية وفرت غطاء جويًا في المنطقة، وإن اتصالًا هاتفيًا بين السيسي وترامب أقنع واشنطن بوقف الحرب. ثم ختمت تدوينتها بالقول إن من يصدق هذا الكلام أو كلام اللواء سمير فرج يتحمل مسؤولية سذاجته السياسية كاملة.

 

 

سخرية المنفى تربط الهدنة بمال الخليج وديون السيسي

 

انتقلت السخرية سريعًا من نفي دور السيسي إلى استدعاء ملف الأموال الخليجية، حين كتب محمد عبد الرحمن رسالة مباشرة إلى دول الخليج قال فيها إن أموالهم موجودة عند السيسي، وطالبهم بالذهاب إليه إن استطاعوا استردادها. كما دعا إلى عدم ذكر اسم مصر في هذا السياق، واعتبر أن المسؤول الحقيقي عن الأموال هو السيسي لا الشعب المصري.

 

 

ثم مضى يسري ناصر خطوة أبعد، إذ اقترح على دول الخليج أن تسترد أموالها ومعها السيسي نفسه، وقال إنها هي التي ساعدته أصلًا في قمع أي حراك ضده. هذا الربط لم يخرج من فراغ، لأنه بنى اتهامه على سردية مستقرة في خطاب المعارضة تعتبر أن الدعم الخليجي بعد انقلاب 2013 كان أداة لإحكام القبضة الأمنية داخل مصر.

 

 

وبعد ذلك كتب أبو أروى تدوينة أكثر حدة قال فيها إن دول الخليج موّلت انقلابًا دمويًا ضد الشعب المصري، وجاءت بالسيسي ليذل المصريين ويفقرهم. ثم رفض أي حديث عن مطالبة الشعب المصري بالدخول في حرب لا تخصه، مؤكدًا أن أموال الخليج عند السيسي وعصابته، وأن الشعب المصري لا يتحمل ديونًا نشأت عن دعم القمع والاستبداد.

 

 

كما وسّع عبدالله التابعي هذا الاتهام حين اعتبر أن الدول الخليجية التي خرجت مستفيدة من الحرب الأخيرة هي تلك التي أدركت متأخرًا أنها ليست قوى عظمى، وأنها تعرضت للاستغلال الأميركي. ثم قال إن هذه الدول ارتكبت جريمة بحق مصر عندما ساهمت في صناعة الانقلاب على محمد مرسي، ودعمت حملة إبادة وتنصيب السيسي عبر رشوة الجيش بمليارات.

 

 

وفي المعنى نفسه، كتب أبو سلمان أن باكستان وقفت مع دول الخليج من منطلق إسلامي، بينما رهنت مصر وقوفها مع الخليج بالمال. ثم خلص إلى أن باكستان ربحت في نهاية المطاف بينما خسرت مصر. هذه الصياغة جمعت بين المقارنة السياسية والإدانة الأخلاقية، لأنها صورت القاهرة كطرف باع موقعه الإقليمي مقابل المال ثم خسر حتى الرواية الدعائية.

 

 

إعلام السلطة يصنع بطولة وهمية والسوشيال يهدمها بالسخرية

 

على مستوى السخرية الشعبية المكثفة، جاء تعليق حساب المنطق مختصرًا لكنه شديد الدلالة، إذ كتب أن القلب مع المصريين لكن اليد التي تشحت عند الخليجيين. هذا التركيب المقتضب اختزل صورة السلطة في نظر خصومها، بوصفها نظامًا يرفع خطاب الكرامة والسيادة بينما يعتمد في الواقع على الدعم الخارجي والودائع والمساعدات التي يستخدمها لاستمرار بقائه.

 

 

ثم أعاد صالح بناء هذا الاتهام في صيغة أكثر تفصيلًا، حين قال إن الإعلام المصري والمصريين ينسبون لأنفسهم ولرئيسهم فضل التوصل إلى هدنة في حرب إيران. كما سخر من عبارة مسافة السكة التي استخدمها السيسي لسنوات لابتزاز الخليج والحصول على مساعدات وودائع وامتيازات، قبل أن يقول إن هذه المسافة تبخرت عند لحظة الحرب الفعلية.

 

 

وبموازاة هذا الخطاب، لجأت شيرين عرفة إلى سخرية بصرية مباشرة، إذ نشرت مقطعًا قصيرًا يظهر فيه أحد الموظفين وهو يفتح بابًا، وعلقت عليه بعبارة تقول إن الإعلام المصري يتحدث عن دور بارز للسيسي في المفاوضات بين أميركا وإيران. بهذا التلخيص، اختزلت شيرين الخطاب الرسمي كله في مشهد صغير يرمز إلى فراغ الدور المزعوم.

 

 

كما اكتسب هذا الاشتباك قيمة أكبر لأن خبراء الإعلام والسياسة تحدثوا مرارًا عن أزمة المصداقية في الإعلام المصري. الدكتور صفوت العالم، أستاذ الإعلام السياسي، حذر في مداخلات معلنة سابقة من أن الإعلام عندما يتحول إلى أداة تبرير يفقد جمهوره. كذلك أكد الدكتور حسن نافعة أن تغييب الحقيقة يضعف الدولة نفسها. وأضاف الدكتور عمرو الشوبكي أن الدعاية لا تنتج شرعية مستدامة.

 

ومن ثم لم تعد هذه التدوينات مجرد تعليقات غاضبة على حدث إقليمي عابر، بل صارت وثيقة سوشيال تكشف شكل الفجوة بين رواية السلطة وتصور قطاع واسع من المعارضين والمنفيين. ذلك أن السخرية هنا لم تستهدف شخص السيسي وحده، بل استهدفت بنية إعلامية كاملة تحاول تصنيع دور إقليمي على الشاشات بينما تنسبه منصات أخرى إلى باكستان وتربطه بملفات المال والقمع والانقلاب.

 

وفي المحصلة، فضحت موجة التدوينات الساخرة هشاشة الرواية الرسمية عن دور السيسي في وقف حرب إيران، لأنها نقلت الجدل من سؤال الوساطة إلى سؤال المصداقية. وعندما يصبح الحدث الإقليمي مناسبة لتذكير الخليج بأمواله، وتذكير المصريين بثمن الانقلاب، والسخرية من إعلام يوزع بطولات وهمية، فإن الأزمة لا تكون في السوشيال وحده، بل في نظام فقد قدرته على إقناع الناس بما يروجه عن نفسه.