قال الدكتور هاشم السيد، مساعد رئيس الوزراء والرئيس التنفيذي لوحدة إدارة شركات الدولة في مصر، إن الحكومة تستهدف قيد نحو 20 شركة مبدئيًا في البورصة المصرية خلال الفترة القريبة المقبلة، بعد قيد 6 شركات منذ بدء عمل الوحدة في 1 يناير 2026. وقدمت الحكومة هذه الخطوة باعتبارها مسارًا منظمًا يبدأ بالقيد المؤقت وينتهي بالطرح، لكن الإعلان نفسه كشف أن الدولة تتحرك بسرعة في ملف ظل سنوات خارج الحصر الدقيق والمراجعة العلنية الجادة.

 

لم يأت هذا الإعلان منفصلًا عن تحديث وثيقة سياسة ملكية الدولة، لأن الحكومة تربط بوضوح بين توسيع القيد في البورصة وبين إعادة تنظيم وجودها الاقتصادي. ومع ذلك، فإن اللغة الرسمية التي تتحدث عن الحوكمة والانضباط لا تلغي أن المسار المطروح يفتح بابًا واسعًا للتصرف في أصول عامة قبل إعلان قاعدة بيانات مكتملة عن ملكية الدولة وحجم مساهماتها وحدود بقائها في السوق.

 

من القيد المؤقت إلى الطرح: الحكومة تعلن الإجراءات وتؤجل معيار المحاسبة

 

قال هاشم السيد إن المرحلة الأولى تبدأ بالقيد المؤقت، ثم التسجيل لدى الهيئة العامة للرقابة المالية، ثم تعيين مستشار مالي مستقل لإعداد دراسة القيمة العادلة، وبعدها تأتي نشرة الطرح المعتمدة من الهيئة. ويعني هذا أن الحكومة تريد إظهار مسار إجرائي واضح، لكنها لم تعلن حتى الآن للرأي العام كيف ستنشر تفاصيل التقييم ولا كيف ستُراجع هذه الدراسات إذا ثار خلاف حول تسعير الأصول العامة.

 

ثم قدم السيد هذا المسار باعتباره ضمانة للشفافية والانضباط الكاملين، لأن القيد في سوق المال يفرض التزامات إفصاح أعلى من الوضع السابق. لكن هذا التبرير يظل ناقصًا ما دامت الحكومة تكتفي بالإشارة إلى القواعد العامة من دون نشر جدول معلن بأسماء الشركات وتواريخ استكمال ملفاتها ومعايير اختيارها من بين عشرات الكيانات المملوكة للدولة. فالإفصاح لا يبدأ عند التداول فقط، بل يبدأ قبل ذلك من قرار الإدراج نفسه.

 

كما أكدت تقارير حديثة أن 10 شركات كان يفترض قيدها مؤقتًا خلال أسبوعين، على أن تلحق بها 10 شركات أخرى قبل نهاية أبريل 2026، بينما أشارت تقارير أخرى إلى أن البورصة تلقت بالفعل أوراق قيد مؤقت لبعض الشركات. ويكشف هذا التسارع أن الحكومة تتعامل مع الملف بوصفه اختبارًا زمنيًا عاجلًا، لا بوصفه عملية مراجعة هادئة وطويلة لأصول عامة شديدة الحساسية.

 

وفي هذا السياق، قال الدكتور مدحت نافع إن تحويل وثيقة ملكية الدولة إلى إطار قانوني وهيكلي خطوة إيجابية لكنها متأخرة، وإن العملية قد تجري بصورة فوقية من دون تداخل حقيقي مع الشركات المالكة لهذه الأصول. ويعطي هذا الرأي وزنًا مهنيًا للاعتراض الأساسي على المسار الحكومي الحالي، لأن الخلل لا يقتصر على تأخير التنفيذ، بل يمتد إلى طريقة اتخاذ القرار من أعلى من دون بناء مؤسسي معلن ومفهوم.

 

الحوكمة أم التمهيد للبيع: الحكومة تغيّر اللغة ولا تغيّر الاتجاه

 

قال هاشم السيد إن الهدف من قيد الشركات في البورصة لا يقتصر على الطرح، بل يركز بالأساس على حوكمة الشركات المملوكة للدولة وتنظيم دور الدولة في النشاط الاقتصادي. لكن هذا التوصيف لا يلغي أن القيد في البورصة هو في النهاية تمهيد قانوني ومالي لفتح الملكية أمام مساهمين جدد. ولذلك فإن استبدال كلمة البيع بكلمة الحوكمة لا يغير طبيعة النتيجة المتوقعة إذا انتهى المسار إلى التخارج الجزئي أو الكلي.

 

ثم أوضح السيد أن الحكومة تعتمد منهجية القيد في البورصة كأساس لطرح حصص من الشركات، وليس بالضرورة البيع لمستثمر استراتيجي، وأن نسب الطرح ستختلف من شركة إلى أخرى، خاصة في الشركات ذات البعد القومي أو الاستراتيجي. ويعني هذا أن الحكومة تريد الاحتفاظ بسلطة تقديرية واسعة في تحديد ما يُطرح وما يُستبقى، من دون أن تضع حتى الآن معيارًا عامًا معلنًا يفسر للرأي العام لماذا تُعرض شركة وتُستثنى أخرى.

 

كما تربط وثيقة سياسة ملكية الدولة بين هذا المسار وبين تشجيع القطاع الخاص ووضع منطق وراء وجود الدولة في النشاط الاقتصادي، بما يتضمن مقترحات للتخارج على مستوى قطاعات مختلفة. ولذلك لا يمكن فصل القيد الجاري في البورصة عن مشروع أوسع لتقليص الحضور المباشر للدولة في مجالات اقتصادية متعددة. وهذه حقيقة سياسية واقتصادية لا يصح حجبها خلف تعبيرات إدارية محايدة.

 

وفي هذا الإطار، كتب الخبير الاقتصادي ممدوح الولي عن مأزق الخصخصة المصرية، مشيرًا إلى أن بعض تجارب البيع السابقة لم تحقق نتائج متوازنة، وأن الجدل حول الخصخصة ظل مرتبطًا بسؤال المصلحة العامة لا بالشكل القانوني للصفقة فقط. وتدعم هذه القراءة النقدية التحفظ على الخطاب الرسمي الحالي، لأن الدولة لم تقدم حتى الآن ضمانات كافية تمنع تكرار أخطاء بيع الأصول بأقل من قيمتها أو من دون مساءلة كافية.

 

700 شركة خارج الحصر الدقيق: كيف تبدأ الحكومة الطرح قبل اكتمال الصورة

 

قال هاشم السيد إن وحدة إدارة شركات الدولة تعمل بشكل مستمر على حصر وتصنيف هذه الشركات، وإن هذا الملف معقد لأن عدد الشركات المملوكة للدولة لم يكن معروفًا بدقة من قبل. وأضاف أن التصور الشائع الذي يحصر شركات الدولة في شركات قطاع الأعمال العام فقط غير دقيق، مرجحًا أن يصل إجمالي عدد الشركات المملوكة للدولة إلى نحو 700 شركة. وهذا الإقرار الرسمي وحده كافٍ لتفسير سبب اتساع الشكوك حول أي طرح متعجل.

 

ثم أوضح السيد أن وزارة قطاع الأعمال العام بصورتها السابقة لم تكن تمثل كل المشهد، لأنها كانت تضم 6 شركات قابضة فقط، بينما تمتلك الدولة أو تساهم في شركات كثيرة أخرى من خلال مساهمات مباشرة أو عبر جهات مختلفة. ويكشف هذا التفصيل أن ملف الملكية العامة أكثر تشعبًا مما قدمته الحكومات السابقة لسنوات، وأن الدولة نفسها بدأت متأخرة في بناء قاعدة بيانات شاملة لما تملكه فعلًا.

 

وبعد ذلك، يصبح السؤال المباشر هو كيف تعلن الحكومة قيد 20 شركة خلال أسابيع، بينما تعترف في الوقت نفسه بأن الحصر الكامل لما تملكه لم يكن منجزًا أصلًا. فالإدارة السليمة تبدأ من معرفة الأصول وتوصيفها، ثم فرزها، ثم إعلان أسباب التصرف فيها أو الإبقاء عليها. أما السير في القيد قبل اكتمال الصورة، فإنه يضع القرار التنفيذي قبل المعرفة المؤسسية، ويجعل السوق يسبق الدولة إلى معرفة ما تريد فعله الدولة نفسها.

 

وفي هذا السياق، ينسجم نقد المهندس إلهامي الميرغني مع جوهر الأزمة، لأنه يرى أن إدارة الاقتصاد في مصر جرى ربطها طوال سنوات بمصالح المستثمرين الكبار واتساع نفوذ رأس المال المرتبط بالسلطة. ولا يقدم هذا الرأي حكمًا تفصيليًا على كل شركة، لكنه يلفت إلى أن أي برنامج طروحات لا يقوم على إعلان كامل للمعلومات والمحاسبة الشعبية يظل معرضًا لأن يُفهم باعتباره إعادة توزيع للملكية من أعلى لا إصلاحًا فعليًا للإدارة.

 

وأخيرًا، لا يكفي أن تقول الحكومة إن القيد يفرض الإفصاح، لأن الإفصاح الحقيقي يبدأ قبل الطرح لا بعده، ويشمل قاعدة الملكية، وحجم الأصول، وأسباب الاختيار، ومنهج التقييم، والجهات المستفيدة، ونسب الطرح، وحدود بقاء الدولة في كل شركة. وإذا استمرت السلطة في تقديم الخطة باعتبارها حوكمة بينما تؤجل هذه الأسئلة الأساسية، فإن النقد الصريح يصبح واجبًا، لأن ما يجري لا يبدو حتى الآن إصلاحًا مكتملًا، بل تمهيدًا سريعًا للتصرف في شركات عامة داخل صورة لم تكتمل وبيانات لم تُعلن ومسؤولية لم تُحسم.