أشعلت تصريحات رئيس شعبة الأجهزة الكهربائية جورج سدرة موجة غضب واسعة بعدما حمّل المواطن المسؤولية الأولى عن أزمة ارتفاع أسعار الأجهزة الكهربائية، معتبرًا أن الشراء العشوائي وزيادة الطلب هما السبب المباشر في القفزات السعرية التي تضرب السوق.

هذا الخطاب لم يمر باعتباره رأيًا تجاريًا عابرًا، لأن الأزمة تمس سلعة أساسية ترتبط بحياة الأسر وبقدرتها على تجهيز المنازل وتبديل الأجهزة التالفة، في وقت تتراجع فيه القدرة الشرائية أصلًا تحت ضغط الغلاء العام.

لذلك قرأ كثيرون التصريح بوصفه نقلًا متعمدًا للمسؤولية من التجار والمنتجين والجهات المنظمة للسوق إلى المواطن الذي يواجه الأسعار المرتفعة مضطرًا لا مختارًا.

ومنذ لحظة تداول المقطع على منصة إكس، خرجت ردود واسعة تسخر من المنطق الذي يعتبر المحتاج إلى ثلاجة أو غسالة أو جهاز أساسي سببًا في الأزمة، بينما تغيب أي مساءلة جدية عن التسعير والاحتكار وحجم تدخل الدولة في ضبط الأسواق.

 

هذا الانفجار في الردود لم يأت من فراغ، لأن التصريح لمس عصبًا مكشوفًا في السوق المصرية، حيث يتكرر منذ سنوات تحميل المستهلك تبعات الخلل بدل مساءلة المنظومة التي تصنع الأسعار أو تعجز عن مراقبتها.

وحين يقول مسؤول شعبة تجارية إن المواطن هو المتهم الأول، فإن العبارة لا تبقى عند حدود التوصيف الاقتصادي، بل تتحول إلى موقف سياسي واجتماعي يبرئ التاجر ورأس المال والسلطة التنظيمية دفعة واحدة.

لهذا اتجهت التعليقات إلى السخرية الحادة والغضب الصريح، وربطت بين هذا الخطاب وبين خطاب رسمي أوسع اعتاد تعليق الإخفاقات على شماعات جاهزة. وبين التهكم الشعبي والاحتجاج السياسي، برز سؤال مباشر لا يمكن القفز فوقه، وهو كيف يصبح المواطن المتضرر من الأسعار هو نفسه المسؤول عن رفعها، بينما تبقى الدولة والمنتجون والتجار خارج دائرة الاتهام والمحاسبة.

 

تصريح جورج سدرة فتح باب الغضب لأن السوق يعاقب المشتري لا التاجر

 

ثم بدأ الجدل من المقطع الذي نشره حزب تكنوقراط مصر، وفيه قال جورج سدرة، رئيس شعبة الأجهزة الكهربائية، إن المواطن هو المتهم الأول في أزمة ارتفاع الأسعار لأنه يشتري بشكل عشوائي، مشيرًا إلى زيادة الطلب والعشوائية في الشراء.

هذه الصياغة دفعت كثيرين إلى اعتبار التصريح تبريرًا مباشرًا للغلاء لا وصفًا محايدًا لأسباب السوق.

 

 

وبعد ذلك اتسع التداول مع إعادة قناة مكملين نشر المقطع بصياغة مباشرة قالت فيها إن رئيس شعبة الأجهزة الكهربائية يعتبر المواطن هو المتهم الأول في أزمة ارتفاع أسعار الأجهزة الكهربائية.

هذا النقل المختصر ساعد في تثبيت العبارة داخل النقاش العام، لأن الجمهور تلقاها بوصفها اتهامًا صريحًا للمستهلك الذي يذهب إلى السوق تحت ضغط الحاجة لا بدافع الترف.

 

 

كما أن أصل الأزمة لا يمكن فصله عن سؤال التسعير والرقابة، وهو ما أشار إليه تعليق أشرف عثمان حين سأل عن دور الدولة في تحديد الأسعار والوقوف أمام جشع رؤوس الأموال والتجار الذين يحصلون على قروض وتيسيرات من الدولة مثل غيرهم.

هذا التعليق نقل النقاش من مستوى الغضب الفردي إلى مستوى مسؤولية السلطة عن ترك السوق بلا ضابط فعلي.

 

 

وفي هذا الإطار، يرى الخبير الاقتصادي مدحت نافع أن أي سوق تشهد اختلالات سعرية واسعة لا يمكن تفسيرها فقط بسلوك المستهلك، لأن الدولة تظل مسؤولة عن الإطار التنظيمي وعن منع الممارسات التي تخل بالمنافسة أو تدفع الأسعار إلى مستويات منفلتة.

هذا الرأي يضع المسؤولية في مكانها الأوسع بدل حصرها في قرار شراء فردي يقوم به المواطن تحت ضغط الحاجة.

 

سخرية واسعة قلبت الاتهام على أصحابه ورفضت تحويل المواطن إلى شماعة

 

ثم تحولت الردود سريعًا إلى موجة سخرية منظمة من منطق تحميل المواطن ذنب الأسعار.

 

أيمن منصور كتب أن المواطن بالفعل هو السبب في ارتفاع الأسعار، ثم سخر قائلًا إن الحل هو القبض على المواطن البسيط وحبس أمه حتى يتوقف عن رفع الأسعار.

هذه الصياغة الساخرة لخصت شعورًا عامًا بأن التصريح يعاقب الضحية بدل محاسبة المتسبب الحقيقي.

 

 

وبعد هذه السخرية المباشرة، جاء تعليق أسامة أكثر حدة حين قال إن الناس لا تملك أصلًا أموالًا للشراء، ووصف التصريح بأنه كذب فج وتبرير وقح إلى أبعد الحدود.

هذا الرد عبّر عن قطاع واسع يرى أن السوق يشهد ركودًا وضغطًا على الدخول، وأن تصويره كسوق يفور بطلب عشوائي ليس إلا إنكارًا لواقع القدرة الشرائية المتآكلة.

 

 

كما أضاف حساب باسم الزعيم طبقة شعبية أخرى من السخرية، حين قال إن المواطن الذي يحتاج ثلاجة يذهب ليشتري غسالة، في إشارة تهكمية إلى العبث المنطقي في اتهام المشتري بالعشوائية بينما هو في الأغلب يتجه إلى سلعة يعرف حاجته إليها جيدًا.

هذا النوع من الردود فضح التناقض بين حياة الناس الفعلية وبين اللغة التي خرج بها رئيس الشعبة.

 

 

وفي هذا السياق، يؤكد الخبير الاقتصادي وائل النحاس أن الطلب في السلع المعمرة لا يشتعل عادة من نزوة استهلاكية عابرة، بل يرتبط بتبديل الضروري أو بتجهيز أسرة جديدة، ولذلك فإن ارتفاع الأسعار في هذا القطاع يعكس بالأساس كلفة إنتاج واستيراد وتسعير وهوامش ربح وسياسات سوق، لا مجرد اندفاع استهلاكي من المواطن. هذا التقدير ينسجم مع المزاج الشعبي الذي رفض الاتهام من أساسه.

 

الغضب توسع إلى اتهام خطاب كامل يصنع من المواطن متهمًا دائمًا

 

ثم أخذ الجدل منحى أوسع عندما استحضر معلقون ما اعتبروه نمطًا متكررًا في الخطاب العام يقوم على تحميل المواطن تبعات كل أزمة.

 

ماجد مرسي كتب أن الكذب كبر حتى صار يخرج من أفواههم بهذه الصورة، في تعبير ديني مباشر يعكس مستوى الغضب من خطاب لا يكتفي بتبرير الغلاء، بل يطالب المتضرر بتحمل مسؤوليته أيضًا.

 

 

وبعد ذلك جاء تعليق مودي ليضع التصريح داخل سياق سياسي أوسع، إذ قال إن المواطن صار هو السبب في رفع الأسعار، وهو السبب في بناء القصور وشراء الطائرة وديون مصر وبناء عاصمة في الصحراء، معتبرًا أن السلطة انتقلت من شماعة الإخوان إلى شماعة المواطن.

هذا التعليق نقل النقاش من السوق إلى البنية السياسية التي تكرر إلقاء العبء على الأضعف.

 

 

كما جاء تعليق إسماعيل ليصل إلى خلاصة أكثر غضبًا، حين قال إنهم يحمّلون المواطن مسؤولية كل شيء، مثلما قيل سابقًا إن المواطن سبب عدم التطوير، ثم هاجم هذا المنطق باعتباره بحثًا دائمًا عن شماعة بسبب الفشل.

هذا الرد جمع بين السخرية والاتهام السياسي، وربط تصريح جورج سدرة بخطاب عام يبرئ الإدارة ويجرم المجتمع.

 

 

وفي هذا المستوى، يرى الخبير الاقتصادي هاني توفيق أن أي معالجة جادة لأزمة الأسعار تبدأ من الشفافية في عناصر التكلفة ومن وضوح هوامش الربح ومن تفعيل أدوات الرقابة والمنافسة، لا من لوم المشتري على سلوكه.

هذا الرأي يعكس جوهر الاعتراض الشعبي الحالي، لأن الناس لا ترى في التصريح قراءة اقتصادية بقدر ما تراه محاولة جديدة لنقل المسؤولية من السوق والدولة إلى المواطن.

 

وأخيرًا، لا يبدو الغضب الذي أثارته تصريحات جورج سدرة مجرد حملة منصات عابرة، لأن حجم السخرية والاحتجاج كشف رفضًا واضحًا لمحاولة قلب المشهد بحيث يصبح المواطن المتضرر من الغلاء هو المتهم الأول فيه.

الردود التي خرجت من أشرف عثمان وأيمن منصور وأسامة والزعيم وماجد مرسي ومودي وإسماعيل لم تكن متفرقة في معناها، بل التقت كلها عند نقطة واحدة، وهي أن السوق المنفلت لا يمكن تبرير فوضاه بقرار شراء يصدر عن أسرة تحتاج جهازًا أساسيًا.

لذلك فإن الأزمة التي فجرها التصريح لا تتعلق فقط بكلمة مستفزة خرجت من رئيس شعبة، بل تتعلق بخطاب كامل يريد إعفاء الدولة والسوق من المسؤولية، ثم يطلب من المواطن أن يقف في قفص الاتهام وحده.

وإذا استمر هذا المنطق، فإن الغضب الشعبي لن يتوقف عند منصات التواصل، لأن الناس التي تُجبر على دفع الثمن لم تعد تقبل أن تُتهم أيضًا بالتسبب فيه.