وصف أستاذ القانون الدولي العام محمد محمود مهران إعلان وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران لمدة أسبوعين بأنه «خطوة مفصلية أنقذت مصر»، واعتبر أن الهدنة ليست مجرد تهدئة عسكرية بل التزاما دوليا يفرض وقفا فوريا للأعمال العدائية.

وقد بدت هذه القراءة مفهومة فور صدور الاتفاق، لأن أسواق الطاقة تراجعت بسرعة، وعاد الحديث عن فتح مضيق هرمز، وهو الممر الذي خنق الحرب من خلاله إمدادات النفط والغاز والتجارة.

لكن القيمة السياسية الحقيقية لهذا التطور لا تكمن فقط في خفض الأسعار، بل في أنه كشف مرة أخرى أن الاقتصاد المصري بات يتنفس على وقع الحرب والهدنة لا على قاعدة إنتاج مستقرة تحميه من الصدمات.

 

جاء أثر الهدنة فوريا لأن الاقتصاد المصري كان من أكثر الاقتصادات العربية انكشافا على موجة الحرب، رغم أنه ليس طرفا مباشرا فيها.

فقد فرضت الحكومة إغلاقا مبكرا للمحال والمقاهي والمطاعم وخفضا للإنارة العامة لتقليل استهلاك الوقود، بينما قالت وكالة أسوشيتد برس إن فاتورة النفط المصرية الشهرية قفزت إلى 2.5 مليار دولار بعدما كانت أقل بكثير في يناير، في بلد يستهلك سنويا نحو 20 مليار دولار من المنتجات البترولية ويستورد 28% من البنزين و45% من السولار.

لذلك لم تكن الهدنة مجرد خبر خارجي بالنسبة لمصر، بل كانت بالفعل طوق نجاة قصيرا لاقتصاد مأزوم.

 

هبوط النفط والغاز خفف الضغط فورا لكنه لم يلغ أصل الأزمة

 

هوت أسعار النفط بعد إعلان الاتفاق الأمريكي الإيراني إلى ما دون 100 دولار للبرميل، فانخفض الخام الأمريكي 14.3% إلى 96.83 دولار، وتراجع خام برنت 13.3% إلى 94.74 دولار، بعدما كانت الأسعار قد تجاوزت 117 دولارا خلال ذروة التوتر.

كما قفزت الأسواق الآسيوية والعقود الأمريكية الآجلة مع تراجع مخاوف انقطاع الإمدادات وعودة المرور عبر مضيق هرمز بصورة مؤقتة.

وهذه الأرقام تعني في الحالة المصرية شيئا واحدا مباشرا، وهو تراجع كلفة الفاتورة التي دفعت الحكومة إلى التقشف الإجباري خلال أيام الحرب.

 

ثم انخفضت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا بنحو 20% مع بداية التداولات التالية للهدنة، وتراجع عقد الغاز المرجعي الهولندي إلى 42.5 يورو بعد أن كان قد ارتفع بفعل مخاوف انقطاع الإمدادات الخليجية.

وهذه الحركة لا تهم أوروبا وحدها، لأن السوق المصرية تتأثر بدورها بأسعار الغاز المسال العالمية وبكلفة تأمين الإمدادات في لحظة تعتمد فيها محطات الكهرباء المصرية بدرجة كبيرة على الغاز.

لذلك فإن أي هبوط سريع في الغاز يمنح القاهرة متنفسا ماليا فورا، ولو كان مؤقتا.

 

وفي هذا السياق اكتسبت ملاحظة فاتح بيرول، المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، وزنا خاصا حين قال إن أزمة النفط والغاز الناتجة عن الحرب على إيران كانت أسوأ من صدمات 1973 و1979 و2022 مجتمعة، وإن الاقتصادات النامية والمستوردة للطاقة هي الأكثر تعرضا للخطر.

وهذه الملاحظة تدعم جوهر ما قاله مهران عن مصر، لأن البلد الذي يستورد جزءا مهما من احتياجاته الطاقية لا يحتاج إلى انهيار كامل حتى يتعرض للاختناق، بل يكفيه ارتفاع حاد ومفاجئ في الأسعار.

 

لكن هذا الانفراج السريع لا يغيّر حقيقة أن الهدنة نفسها مؤقتة ومشروطة. فالاتفاق المعلن ليس تسوية نهائية، بل وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين تم التوصل إليه قبل دقائق من مهلة ترامب لضرب البنية التحتية الإيرانية.

ولذلك فإن هبوط الأسعار لا يمكن قراءته بوصفه نهاية للمشكلة، بل بوصفه تأجيلا لكلفتها الأكبر.

ومن هنا تبدو مصر كأنها انتقلت من حافة صدمة طاقة مفتوحة إلى مهلة تنفس قصيرة، لا إلى استقرار مضمون.

 

الهدنة أوقفت النزيف الآني لكنها كشفت تبعية مصر لممر واحد وسوق واحدة

 

قبل الهدنة كانت الحرب قد دفعت الحكومة المصرية إلى إجراءات تقشف مباشرة داخل السوق المحلية.

فقد أصدرت قرارا بالإغلاق المبكر للمحال والأنشطة التجارية وخفضت إنارة الشوارع والمحاور لتقليل استهلاك النفط والغاز، في خطوة عكست أن الأزمة لم تعد ملفا فنيا داخل وزارة الكهرباء، بل تحولت إلى كلفة اجتماعية يدفعها أصحاب الأعمال الصغيرة والمواطنون يوميا.

وهذا ما يجعل أثر الهدنة على مصر اقتصاديا وسياسيا في الوقت نفسه، لأنها خففت مؤقتا قرارا حكوميا ثقيل الكلفة على الداخل.

 

كما أن الحرب كشفت حجم اعتماد القاهرة على استقرار الخليج وعلى حرية الملاحة في هرمز.

فجزء كبير من النفط العالمي يمر عبر المضيق، وأي تعطيل هناك يرفع أسعار الطاقة والنقل والتأمين في آن واحد.

وحين علق المرور، ضرب ذلك الاقتصاد المصري من جهتين، الأولى عبر أسعار الوقود والغاز، والثانية عبر استمرار الضغط على التجارة والممرات البحرية في المنطقة بما يفاقم أزمة قناة السويس التي كانت تعاني أصلا من اضطرابات البحر الأحمر.

لذلك جاءت الهدنة كوقف لنزيف مضاعف لا لنزيف واحد.

 

وفي هذا الإطار تبدو إشارة زياد داود، كبير اقتصاديي الأسواق الناشئة في بلومبرغ إيكونوميكس، مهمة لأنها ربطت مباشرة بين تطورات الحرب في الشرق الأوسط وبين القفزة في فاتورة استيراد الغاز إلى مصر.

كما أشارت تقارير بلومبرغ إلى أن الحرب ضربت الجنيه المصري ودفعت البنك المركزي إلى تثبيت الفائدة في ظل توقعات بعودة الضغوط التضخمية.

وهذا التوصيف يوضح أن الهدنة خففت صدمة الأسعار، لكنها لم تعالج هشاشة الميزان الخارجي ولا هشاشة العملة.

 

ثم إن الأسواق لم تتعامل مع الاتفاق باعتباره حلا دائما، بدليل أن شركات الشحن الكبرى بقيت حذرة، وأن مئات السفن ظلت عالقة في المنطقة بعد الإعلان.

ومعنى ذلك أن مرور النفط والغاز لن يعود إلى طبيعته الكاملة بمجرد تصريح سياسي، وأن كلفة الحرب قد تبقى في أسعار النقل والتأمين حتى مع تراجع خام النفط نفسه.

وهذه النقطة تمس مصر مباشرة، لأن أي تعطيل في الملاحة الإقليمية يطيل أزمة العبور ويحد من قدرة القاهرة على استعادة إيراداتها البحرية سريعا.

 

طوق النجاة الحقيقي ليس الهدنة بل إصلاح اقتصاد يعيش على حافة الصدمة

 

وصف مهران الهدنة بأنها أنقذت مصر، وهذا التوصيف يصح إذا كان المقصود إنقاذا آنيا من موجة أسعار وانقطاع إمدادات كانت ستضغط على الكهرباء والعملة والأسواق.

لكن هذه النجاة تبقى نجاة من الخارج لا من الداخل، لأنها جاءت بقرار أمريكي إيراني لا بسياسة مصرية حصيفة خففت التعرض للصدمات.

وهذا هو جوهر المأزق، فاقتصاد يحتاج إلى هدنة في هرمز كي يهدأ سعر الطاقة داخله هو اقتصاد مكشوف أكثر مما ينبغي.

 

كما أن الحكومة نفسها قدمت خلال أيام الحرب اعترافا غير مباشر بحجم الهشاشة حين رفعت أسعار الكهرباء على الشرائح الأعلى استهلاكا والقطاع التجاري، وربطت ذلك بأزمة طاقة «شديدة وغير مسبوقة» سببتها التطورات العسكرية في المنطقة.

ومع أن الهدنة خففت الضغوط على الأسعار العالمية، فإنها لم تلغ القرار ولم تمحُ أثره الاجتماعي، ما يعني أن المواطن المصري دفع بالفعل ثمن الحرب قبل أن يحصل على أي فائدة من توقفها المؤقت.

 

بعد ذلك جاءت إشارة أخرى لا تقل أهمية، وهي عودة تدفقات الغاز الإسرائيلي إلى مصر إلى مستويات ما قبل الحرب بعد استئناف تشغيل أكبر حقل إسرائيلي.

وقد منح ذلك القاهرة متنفسا إضافيا على مستوى الإمدادات، بالتزامن مع هبوط أسعار الغاز العالمية.

لكن تزامن الخبرين معا يوضح نقطة محرجة للنظام، وهي أن استقرار الكهرباء في مصر ظل معلقا على عاملين خارجيين في لحظة واحدة، هدنة أمريكية إيرانية وعودة غاز من الخارج، لا على اكتفاء محلي قادر على امتصاص الصدمة.

 

ومن هنا لا تبدو الهدنة انتصارا اقتصاديا للنظام بقدر ما تبدو كشفا جديدا لحدود قدرته.

فهي خفضت كلفة النفط والغاز وأنقذت الحكومة من موجة أشد، لكنها أثبتت في المقابل أن أي اشتعال جديد في الخليج يمكن أن يعيد القاهرة سريعا إلى الإغلاق المبكر والتقشف وارتفاع الفاتورة والضغط على الجنيه.

ولذلك فإن الحديث عن «طوق نجاة» صحيح من حيث الأثر المباشر، لكنه يبقى اتهاما ضمنيا لاقتصاد لم يبن حتى الآن شبكة أمان تحميه من حرب تقع خارجه.

 

في الخلاصة، أنقذت الهدنة مصر من موجة أغلى في النفط والغاز، وخففت فورا الضغط على الكهرباء والأسواق وفاتورة الاستيراد، وهو ما يفسر وصف محمد محمود مهران لها بأنها خطوة أنقذت البلد.

لكن الوقائع نفسها تقول إن هذه النجاة مؤقتة، لأن الخلل لم يكن في الحرب وحدها بل في بنية اقتصاد صار شديد الحساسية لأي اضطراب في مضيق هرمز أو في سوق الطاقة.

وهذه هي الحقيقة الأوضح بعد الهدنة، فالتطور الذي أراح القاهرة ليومين أو أسبوعين فضح في الوقت نفسه أن الاقتصاد المصري لا يزال يعيش على حافة الصدمة.