في لحظة بدت فيها آلة الحرب الأمريكية الإسرائيلية وكأنها تريد فرض خاتمة سريعة على المواجهة مع إيران، خرج زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد بتوبيخ علني لبنيامين نتنياهو، واضعًا رئيس حكومة الاحتلال في قلب فشل سياسي واستراتيجي قال إنه غير مسبوق في تاريخ إسرائيل.

لابيد كتب أن الجيش نفذ ما طلب منه، وأن الجمهور أظهر صمودًا، لكن نتنياهو لم يحقق أيًا من الأهداف التي أعلنها بنفسه، وأضاف أن إسرائيل لم تكن حاضرة أصلًا عند اتخاذ القرارات المتعلقة بجوهر أمنها القومي، وأن إصلاح الضرر الذي تسبب فيه نتنياهو سيستغرق سنوات.

هذا الكلام لم يخرج من خصم هامشي ولا من معلق خارجي، بل من رأس المعارضة الإسرائيلية، وفي توقيت متزامن مع إعلان دونالد ترامب هدنة لمدة أسبوعين مع إيران، في مشهد يكشف أن الضجيج العسكري لم ينجح في تغطية حجم التخبط السياسي المتراكم داخل إسرائيل وخلفها في واشنطن.

 

هذه التطورات لم تتوقف عند حدود السجال الإسرائيلي الداخلي، لأن ترامب نفسه أعلن أنه وافق على وقف إطلاق النار لمدة 14 يومًا بعد تراجع عن تهديدات سابقة، وربط التهدئة بشروط تخص الملاحة في مضيق هرمز، بينما قالت تقارير أمريكية إن الاتفاق جاء بعد وساطة باكستانية وخطة إيرانية من 10 نقاط، مع استمرار خلافات علنية حول الشروط الفعلية للتهدئة وما إذا كانت مقدمة لاتفاق دائم أو مجرد توقف مؤقت في القتال.

وبينما قدم ترامب الأمر بوصفه نجاحًا عسكريًا وسياسيًا أمريكيًا، جاءت صياغة لابيد لتنسف الرواية الإسرائيلية من داخلها، وتقول إن نتنياهو خرج من هذه الجولة وقد عمق الضرر بدل أن يحقق اختراقًا. هنا لم يعد السؤال متعلقًا فقط بمصير الهدنة، بل بمدى قدرة المعسكر الأمريكي الإسرائيلي على الادعاء أنه يملك زمام الحرب ونتائجها في وقت تتكاثر فيه مؤشرات الارتباك والتراجع.

 

لابيد يحمّل نتنياهو مسؤولية الإخفاق السياسي والاستراتيجي

 

ثم جاءت صياغة لابيد حادة ومباشرة، لأنه قال إن إسرائيل لم تشهد في تاريخها كارثة سياسية كهذه من قبل، وإن نتنياهو فشل سياسيًا واستراتيجيًا ولم يحقق أيًا من الأهداف التي حددها بنفسه.

هذه الصياغة تنقل النقاش من مستوى الاعتراض الحزبي المعتاد إلى مستوى اتهام صريح بإلحاق ضرر طويل المدى بالأمن القومي الإسرائيلي.

 

وبعد هذا الاتهام، حرص لابيد على الفصل بين أداء الجيش وأداء القيادة السياسية، فقال إن الجيش نفذ كل ما طلب منه، وإن الشعب أظهر صمودًا مذهلًا، لكن نتنياهو هو الذي أخفق في تحويل القوة العسكرية إلى نتيجة سياسية واضحة.

هذا التمييز مهم لأنه ينزع من نتنياهو محاولة الاحتماء بالآلة العسكرية أو استخدام العمليات الميدانية غطاء لفشله في إدارة الحرب.

 

كما أن لابيد أضاف أن إسرائيل لم تكن حاضرة أصلًا عند اتخاذ القرارات المتعلقة بجوهر أمنها القومي، وهي عبارة تكشف أزمة أعمق من مجرد خلاف على تقييم الجولة.

فالمعارضة الإسرائيلية تتهم رئيس الحكومة ضمنيًا بأن القرار النهائي صار بيد واشنطن، وأن تل أبيب دخلت المعركة من دون أن تضمن سيطرة حقيقية على سقفها السياسي ومخرجها التفاوضي.

 

وفي هذا السياق، قال فواز جرجس، أستاذ العلاقات الدولية في كلية لندن للاقتصاد، إن الحرب الجارية دفعت الشرق الأوسط إلى مرحلة أخطر من عدم الاستقرار، وإن اتساعها يعكس غياب استراتيجية خروج واضحة لدى الأطراف المنخرطة فيها.

 

هذا التقدير ينسجم مع كلام لابيد، لأن جوهر هجومه على نتنياهو يتمثل في أن الحكومة خاضت التصعيد من دون أن تملك تصورًا سياسيًا متماسكًا لما بعده.

 

هدنة ترامب المؤقتة تكشف ارتباكًا أمريكيًا أكثر مما تعلن انتصارًا

 

ثم جاء إعلان ترامب عن هدنة لمدة أسبوعين ليضيف طبقة جديدة من الارتباك، لأن الرئيس الأمريكي كان قد صعّد تهديداته ضد إيران، قبل أن يعلن فجأة سحب التهديدات وقبول وقف مؤقت لإطلاق النار.

وكالة أسوشيتد برس قالت إن التراجع الأمريكي تم بعد اتصالات دبلوماسية مكثفة ووسط خطة إيرانية وصفت بأنها قابلة للعمل، لا بعد حسم عسكري نهائي كما حاول ترامب تصويره.

 

وبسبب هذا التحول السريع، لم تعد الرواية الأمريكية عن الحسم الكامل مقنعة بالقدر الذي أراده البيت الأبيض.

ترامب قال إن الولايات المتحدة حققت كل أهدافها العسكرية وتجاوزتها، لكنه عاد في الوقت نفسه ليتحدث عن مفاوضات قريبة واتفاق نهائي لم ينجز بعد.

هذا الجمع بين إعلان النصر والإقرار بالحاجة إلى أسبوعين إضافيين من التفاوض يكشف أن الحرب لم تنتج تسوية مستقرة حتى الآن.

 

كما أن شروط الهدنة نفسها بدت موضع نزاع، لأن تقارير أمريكية ذكرت أن الخلافات استمرت حول وضع مضيق هرمز وشكل المرور البحري وشروط التهدئة الأوسع، بينما دعمت إسرائيل الهدنة مؤقتًا مع احتفاظها بخطاب عسكري متشدد في ملفات أخرى.

هذا التناقض يوضح أن وقف النار المعلن ليس اتفاقًا نهائيًا بقدر ما هو استراحة قسرية فرضتها كلفة المواجهة واتساع مخاطرها.

 

وفي هذا الإطار، قال علي واعظ، مدير مشروع إيران في مجموعة الأزمات الدولية، إن ترامب بدأ حربًا لا يستطيع إنهاءها بسهولة، وإن أي تصور لحسم سريع يصطدم بواقع سياسي وعسكري معقد.

أهمية هذا الرأي أنه يفسر لماذا بدا الإعلان الأمريكي عن الهدنة أقرب إلى محاولة ضبط الخسائر وشراء وقت تفاوضي، لا إلى تثبيت نصر نهائي كما أراد ترامب تسويقه لجمهوره.

 

اتفاق محتمل لا يمحو آثار الفشل ولا يعيد لنتنياهو ما خسره

 

ثم يتضح من مجمل المشهد أن الهدنة، حتى لو صمدت لأسبوعين، لن تمحو تلقائيًا الأثر السياسي الذي تحدث عنه لابيد، لأن الرجل قال إن إصلاح الضرر الذي سببه نتنياهو سيستغرق سنوات.

هذه العبارة لا تتعلق فقط بنتائج الحرب على إيران، بل تتعلق بموقع إسرائيل داخل منظومة القرار مع الولايات المتحدة، وبصورة القيادة الإسرائيلية أمام جمهورها بعد هذه الجولة.

 

وبعد ذلك يصبح الحديث عن اتفاق نهائي بين واشنطن وطهران جزءًا من الأزمة الإسرائيلية نفسها، لا حلًا لها.

فإذا كانت الولايات المتحدة تفاوض وتحدد شروط التهدئة وتعلن الاقتراب من تسوية، بينما تصرخ المعارضة في تل أبيب بأن إسرائيل غابت عن القرارات المصيرية، فإن ذلك يعني أن نتنياهو لم ينجح حتى في تحويل التحالف مع واشنطن إلى ضمانة لحضور إسرائيلي حاسم في تحديد مآلات الحرب.

 

كما أن تريتا بارسي، نائب رئيس معهد كوينسي، حذر من أن الحرب على إيران قد تأتي بنتائج عكسية على من أشعلها، لأن الهجمات لا تفرض بالضرورة استسلامًا سريعًا، بل قد تدفع إلى تعقيد الصراع وإطالة زمنه.

هذا التقدير يكتسب وزنًا هنا لأن نتنياهو وترامب قدما التصعيد باعتباره مسارًا يفرض شروطًا جديدة، لكن الوقائع المتلاحقة دفعت الطرفين إلى هدنة مؤقتة بدل فرض تسوية نهائية بالقوة.

 

وأخيرًا، يكشف تزامن توبيخ لابيد مع إعلان هدنة ترامب أن الحرب على إيران لم تمنح نتنياهو صورة القائد المنتصر التي سعى إليها، ولم تمنح واشنطن القدرة على الادعاء بأنها أغلقت الملف بشروطها الكاملة.

فالمعارضة الإسرائيلية تتحدث عن كارثة سياسية واستراتيجية، والبيت الأبيض يتراجع من خطاب التهديد إلى هدنة مؤقتة، والمفاوضات ما زالت مفتوحة على احتمالات كثيرة.

لذلك لا يبدو المشهد خاتمة ناجحة لمعركة محسوبة، بل يبدو توقفًا مرتبكًا فوق أرض رخوة، فيما تتراكم كلفة القرار على إسرائيل أولًا، ثم على الإقليم كله بعد ذلك.