جاءت بيانات التجارة الخارجية في مصر خلال يناير 2026 لتكشف اتجاها مقلقا يصعب تغطيته بخطاب التحسن الرسمي، بعدما ارتفع عجز الميزان التجاري إلى 4.8 مليار دولار مقابل 4.2 مليار دولار في يناير 2025، بزيادة بلغت 15%، بالتزامن مع هبوط الصادرات المصرية 20.3% إلى 3.6 مليار دولار بعد أن كانت 4.5 مليار دولار قبل عام. وتؤكد هذه الأرقام أن الخلل لم يعد تفصيلا شهريا محدودا، بل صار مؤشرا مباشرا على تراجع قدرة الاقتصاد على توليد النقد الأجنبي من التصدير في لحظة تحتاج فيها الدولة إلى كل دولار.
تأتي هذه الأرقام بينما تتسع الضغوط على الحساب الجاري نفسه، إذ تشير بيانات وزارة التخطيط التي عرضت على مجلس الوزراء إلى ارتفاع العجز في الحساب الجاري خلال الربع الثاني من العام المالي الجاري إلى 6.2 مليار دولار مقابل 5 مليارات دولار في الفترة نفسها من العام المالي الماضي، وارتفاعه خلال النصف الأول إلى 9.4 مليار دولار مقابل 7.3 مليار دولار. وبذلك لا تبدو أزمة يناير حادثا منفصلا، بل جزءا من مسار أوسع يتسع فيه الاعتماد على الخارج بينما تنكمش قدرة التصدير.
أرقام يناير تكشف أن الصادرات تراجعت أسرع من قدرة الواردات على الانكماش
أظهرت النشرة الشهرية للتجارة الخارجية الصادرة عن جهاز الإحصاء أن الصادرات المصرية هبطت في يناير 2026 بنسبة 20.3%، وهو تراجع حاد لا يمكن اعتباره تقلبا عاديا في شهر واحد. وتكشف المقارنة السنوية أن الاقتصاد خسر خلال شهر واحد نحو 900 مليون دولار من حصيلة التصدير، وهو ما وسع الفجوة مباشرة مع الواردات ودفع العجز التجاري إلى مستوى أعلى من يناير الماضي.
ثم أوضح الجهاز أن هذا التراجع جاء نتيجة انخفاض صادرات عدد من السلع الأساسية، وفي مقدمتها الأسمدة بنسبة 47.1%، واللدائن بأشكالها الأولية بنسبة 21.3%، والبقول الجافة بنسبة 47.8%، والعجائن والمحضرات الغذائية المتنوعة بنسبة 0.4%. ويعني ذلك أن التراجع لم يتركز في بند هامشي، بل أصاب سلعا تصديرية معروفة كانت تمثل موردا مهما للعملة الأجنبية في فترات سابقة.
وفي هذا السياق قال الدكتور مدحت نافع، أستاذ الاقتصاد، إن بعض المؤشرات الكلية قد تبدو أفضل على الورق، لكن الأعطاب الهيكلية تبقى هي المشكلة الأخطر على الاستدامة. وتنسجم هذه الملاحظة مع أرقام يناير، لأن الهبوط الحاد في الصادرات يكشف خللا أعمق من مجرد تغير موسمي، ويشير إلى ضعف في قاعدة التصدير نفسها وفي قدرتها على امتصاص الصدمات.
لكن التراجع لم يشمل كل البنود، إذ ارتفعت صادرات الفواكه الطازجة بنسبة 35.1%، ومنتجات البترول بنسبة 17.55%، والملابس الجاهزة بنسبة 7%، وقضبان الحديد والأسلاك والزوايا بنسبة 5.6%. غير أن هذه الزيادات لم تكن كافية لتعويض هبوط السلع الأخرى، وهو ما يوضح أن بعض الجيوب التصديرية ظلت تعمل، لكن الأداء الإجمالي بقي أضعف من أن يمنع اتساع العجز.
الواردات تراجعت اسما لكن بنية الاستيراد بقيت ضاغطة على الاقتصاد
انخفضت قيمة الواردات المصرية في يناير 2026 بنسبة 3.2% إلى 8.4 مليار دولار مقابل 8.7 مليار دولار قبل عام، وهو تراجع محدود جدا إذا قورن بانخفاض الصادرات. ويعني ذلك أن الواردات لم تنكمش بالسرعة التي كان يمكن أن تخفف أثر هبوط التصدير، ولذلك اتسعت الفجوة النهائية بين الجانبين رغم تراجع فاتورة الاستيراد في المجمل.
كما أرجع جهاز الإحصاء هذا الانخفاض إلى تراجع واردات بعض السلع، وعلى رأسها منتجات البترول بنسبة 26.5%، ومواد أولية من حديد أو صلب بنسبة 10.2%، والقمح بنسبة 11%، واللدائن بأشكالها الأولية بنسبة 16.4%. لكن هذه البنود المنخفضة لم تحسم الصورة كاملة، لأن واردات أخرى ارتفعت في الشهر نفسه وأعادت الضغط على الميزان التجاري من زاوية أخرى.
وفي المقابل صعدت قيمة واردات الغاز الطبيعي بنسبة 3.6%، والذرة بنسبة 39.4%، وسيارات الركوب بنسبة 40.9%، وفول الصويا بنسبة 6.1%. وتكشف هذه الزيادات أن الاقتصاد ما زال مكشوفا في سلع تمس الطاقة والغذاء والاستهلاك، وهو ما يضعف أي ادعاء بأن تراجع الواردات الكلي يعكس انضباطا مستقرا في هيكل الطلب الخارجي.
وفي هذا الإطار قال هاني توفيق، رئيس الجمعية المصرية للاستثمار المباشر سابقا، إن عجز مصر الخارجي يمكن تغطيته بتحويلات العاملين والسياحة وقناة السويس، لكنه أقر في الوقت نفسه بأن عجز الميزان التجاري يظل بندا ثقيلا داخل المعادلة. وتؤكد بيانات يناير أن التعويل على موارد خدمية ومالية لا يلغي خطورة تراجع الصادرات السلعية، بل قد يخفيها لبعض الوقت فقط.
اتساع العجز التجاري يضغط على الحساب الجاري ويكشف حدود الخطاب الرسمي
لذلك لا يمكن فصل عجز يناير التجاري عن الصورة الأوسع للحساب الجاري، لأن اتساع الفجوة التجارية ينعكس مباشرة على قدرة الدولة على موازنة مدفوعاتها الخارجية. وحين ترتفع خسائر التبادل السلعي في شهر واحد مع هبوط الصادرات بهذا الحجم، فإن الرسالة الأساسية تكون أن الاقتصاد لا يعالج الخلل من جذوره، بل يديره بموارد تعويضية مؤقتة لا تضمن استقرارا دائما.
كما أن العودة إلى بيانات البنك المركزي عن النصف الأول من العام المالي 2024-2025 تظهر كيف قاد اتساع العجز التجاري وقتها إلى ارتفاع عجز الحساب الجاري إلى 11.1 مليار دولار من 9.6 مليار دولار، مع صعود العجز التجاري 47.4%. وهذا الربط مهم لأن أرقام يناير 2026 تعيد إنتاج النمط نفسه، حيث يتقدم الخلل التجاري على أي رواية عن تعاف سريع ومستقر.
وفي هذا السياق قال الدكتور وائل النحاس، المستشار الاقتصادي، إن السياسات الاقتصادية التي تركز على تخفيف الضغوط الظاهرة من دون إصلاح مصادر الاختلال نفسها تدفع المجتمع إلى تحمل كلفة أكبر لاحقا. وتنسحب هذه الملاحظة على ملف التجارة الخارجية تحديدا، لأن ارتفاع العجز مع تراجع التصدير يعني أن الأزمة انتقلت من الأرقام السنوية العامة إلى مؤشرات شهرية أكثر حساسية وإنذارا.
ثم إن المقارنة مع الاتجاهات الرسمية المعلنة في مطلع 2026 تكشف مفارقة إضافية، إذ جرى الحديث عن زيادة مخصصات دعم الصادرات واستهداف رفع حصيلة التصدير خلال العام، بينما جاءت قراءة يناير في الاتجاه المعاكس تماما. وهذا التناقض بين الوعود والنتائج يضعف الخطاب الحكومي عن تنشيط الإنتاج والتصدير، لأن الأرقام الفعلية تظهر تراجعا واضحا في أول شهر تتاح عنه بيانات سنوية مقارنة.
وهكذا فإن جوهر المشهد لا يقتصر على عجز تجاري ارتفع 15% في يناير، بل يمتد إلى سؤال أكبر يتعلق بقدرة الاقتصاد المصري على التصدير في وقت ترتفع فيه الحاجة إلى الدولار وتتوسع الضغوط على الحساب الجاري. وإذا كانت الصادرات قد هبطت 20.3% في شهر واحد، بينما بقيت الواردات عند مستوى مرتفع، فإن المشكلة لم تعد في رقم شهري عابر، بل في خلل تجاري يتكرر ويضغط على ميزان المدفوعات كله.
وفي الخلاصة، تكشف بيانات يناير أن الحكومة لا تواجه مجرد تراجع محدود في بعض السلع، بل تواجه خللا واضحا في القدرة التصديرية وفي إدارة الفجوة التجارية نفسها. وعندما يرتفع العجز التجاري، وتتراجع الصادرات بهذا القدر، ويتسع الضغط على الحساب الجاري في الوقت نفسه، فإن الكلام عن التحسن يصبح أقل إقناعا من الأرقام نفسها. وهذه هي الحقيقة التي يصعب تجاوزها، لأن الاقتصاد لا يعيش على الوعود بل على حصيلة تصدير فعلية لم تتحقق في يناير.

