وسعت الحكومة خلال الأيام الأخيرة حملات ترشيد استهلاك الكهرباء داخل المؤسسات الحكومية والجامعات، لكن المشهد الذي تصدره لم يكن خطة واضحة لمعالجة أزمة الطاقة، بل مداهمات إدارية لمصادرة غلايات الشاي والسخانات الصغيرة من مكاتب الموظفين. وقد بدا هذا التحرك لكثيرين دليلا على ارتباك إداري يطارد الحلقة الأضعف داخل الجهاز الحكومي، بينما تبقى الأسباب الكبرى للأزمة خارج دائرة المواجهة الجدية، وتبقى كلفة الفشل موزعة على الموظفين والمواطنين لا على من يديرون الملف.
هذا التوسع في التفتيش لم يفتح نقاشا عاما حول كفاءة الإنتاج أو إدارة الوقود أو أولويات الاستهلاك داخل أجهزة الدولة، بل فتح بابا جديدا للتشديد على تفاصيل يومية محدودة الأثر. ولذلك انتشر وصف «قوات حفظ الكاتل» بوصفه تلخيصا جارحا لمشهد تعتبر فيه الحكومة غلاية الشاي ملفا عاجلا، في وقت لا يرى فيه الموظفون إجراءات مماثلة تمس دوائر كبار المسؤولين، ولا يلمسون تقشفا حقيقيا يطال مكاتب السلطة المكيفة أو امتيازاتها الثقيلة.
الحكومة تنقل أزمة الكهرباء إلى مكاتب الموظفين وتقدم الغلاية باعتبارها عدوا عاما
نفذت شركات التوزيع، بناء على تعليمات وزارة الكهرباء، حملات تفتيشية مفاجئة داخل مقار العمل الحكومي، وانتهت هذه الحملات إلى مصادرة سخانات وغلايات كهربائية من الإدارات المختلفة. وقد كشف هذا المسار أن الحكومة اختارت أسهل طريق لإظهار الحركة، وهو ملاحقة أجهزة بسيطة داخل المكاتب، بدلا من مصارحة الرأي العام بسبب الأزمة الحقيقي وبالخلل الذي أوصل الملف إلى هذه المرحلة.
ثم امتدت هذه السياسة إلى مؤسسات تعليمية كبرى، حيث أصدرت جامعة المنصورة قرارات صريحة تمنع استخدام الغلايات الكهربائية وتقنن تشغيل الأجهزة الأعلى استهلاكا. ولم يكن لافتا في القرار فقط منعه أدوات صغيرة يستعملها العاملون يوميا، بل لافتا أيضا أنه قدم الانضباط الداخلي بديلا عن مراجعة أوسع لكيفية إدارة الاستهلاك داخل مؤسسات يفترض أنها تدار بميزانيات وخطط واضحة ومسؤولة.
كما تضمنت الإجراءات خفض الإضاءة بعد ساعات العمل، وتقليل تشغيل أجهزة التكييف، والاعتماد على الإضاءة الطبيعية، وإعداد تقارير دورية لمتابعة الاستهلاك. لكن المشكلة لم تكن في وجود إجراءات ترشيد في حد ذاتها، بل في طبيعة الرسالة التي تحملها هذه القرارات، إذ بدت الدولة وكأنها تقول للموظف إن كوب الشاي الذي يعده في مكتبه صار عبئا وطنيا، بينما تظل دوائر الإنفاق الأعلى بعيدة عن المساءلة.
وفي هذا السياق قال الدكتور حافظ سلماوي، أستاذ هندسة الطاقة والرئيس التنفيذي الأسبق لجهاز تنظيم مرفق الكهرباء، في تصريحات صحفية سابقة، إن إدارة الطلب على الكهرباء تحتاج إلى سياسات كفؤة ومتكاملة تشمل أنماط الاستهلاك الكبرى وتحسين الكفاءة. ويؤكد هذا التقدير أن الترشيد الحقيقي لا يتحول إلى مطاردة للأجهزة الصغيرة، لأن التركيز على الهامشي لا يعالج الخلل البنيوي الذي صنع الأزمة من الأصل.
الدعم الإعلامي للحملة يحاول تسويق التشديد بينما تتسع السخرية من اللخبطة الحكومية
حظيت حملات مصادرة الغلايات بدعم من بعض الأصوات الإعلامية التي قدمت «الكاتل» باعتباره عبئا متكررا على فاتورة الكهرباء العامة داخل المؤسسات. وقد حاول هذا الخطاب إقناع الجمهور بأن الجهاز الصغير الذي يستخدمه الموظف دون أن يدفع تكلفته مباشرة يمثل صورة مكثفة لهدر واسع، لكن هذا التبرير نفسه كشف ضيق زاوية النظر الحكومية والإعلامية إلى الأزمة.
لأن هذا الخطاب تجاهل سؤالا أبسط وأكثر إلحاحا، وهو كيف وصلت الدولة إلى لحظة تعتبر فيها غلاية الشاي جزءا من معركتها الأساسية مع استهلاك الكهرباء. فحين تتحول أداة صغيرة داخل مكتب إلى مادة نقاش رسمي وإعلامي، يصبح واضحا أن الإدارة لا تواجه أصل العجز، بل تعيد توزيع الإحراج على الموظفين وتطلب منهم دفع ثمن أزمة لم يصنعوها ولم يقرروا سياساتها.
ثم إن تصوير الموظف باعتباره مصدرا لهدر الكهرباء يتجاهل التفاوت الواضح داخل الدولة نفسها. فالإجراءات المشددة تظهر عادة في المكاتب العادية والجامعات والمصالح العامة، بينما لا يرى الناس خطابا مماثلا عن خفض امتيازات كبار المسؤولين أو تقليص المظاهر المكلفة في مقار السلطة. ولذلك لم يقرأ كثيرون الحملة بوصفها ترشيدا عادلا، بل بوصفها تشديدا طبقيا يبدأ من الأسفل ويتوقف قبل الأعلى.
وفي هذا الإطار قال الدكتور وائل النحاس، الخبير الاقتصادي، في مداخلات صحفية متكررة، إن تقليص الاستهلاك في الأدوات الصغيرة لا يمكن أن يعالج بمفرده فجوة أوسع ترتبط بتكلفة الوقود، وسوء إدارة الموارد، وضغوط الاقتصاد الكلي. ويعني هذا التقدير أن الحكومة حين ترفع صوتها ضد الغلايات أكثر مما تشرح للرأي العام أرقام الأزمة الحقيقية، فإنها تستبدل المواجهة بالرمز، وتستبدل الحل الفعلي بالاستعراض.
الأزمة أعمق من «الكاتل» لأن أصلها في إدارة الطاقة لا في كوب شاي داخل مكتب
يرى مراقبون أن ما يجري يعكس تحولا واضحا من سياسات ترشيد تستهدف القطاعات الكبرى إلى حرب على التفاصيل الصغيرة داخل بيئة العمل اليومية. فقد أصبحت الحكومة تلاحق إعداد الشاي، وتشغيل سخانات المياه، واستخدام أجهزة محدودة داخل المكاتب، في وقت يعرف فيه الجميع أن الجزء الأكبر من استهلاك الطاقة لا يأتي من هذه التفاصيل، بل من قطاعات الإنتاج والبنية التحتية وسلاسل التشغيل الكبرى.
وبسبب ذلك يثار سؤال واسع حول ما إذا كانت هذه الإجراءات تحقق وفرا حقيقيا أم أنها مجرد محاولة لإظهار الصرامة في لحظة ضيق. فالتقديرات غير الرسمية المتداولة تشير إلى أن استهلاك الأجهزة الصغيرة داخل المؤسسات الحكومية يظل محدودا قياسا بحجم الاستهلاك العام، وهو ما يعني أن مصادرة الغلايات قد تنتج عنوانا دعائيا صاخبا، لكنها لا تنتج حلا كافيا لأزمة متشابكة بهذا الحجم.
ثم إن جوهر الأزمة يرتبط بارتفاع تكلفة إنتاج الكهرباء واعتماد الشبكة بدرجة أساسية على الغاز الطبيعي، إلى جانب الضغوط التي فرضتها الأزمات الإقليمية وتقلبات أسعار الطاقة عالميًا. ولذلك تبدو حملات التفتيش جزءا من حزمة أوسع تشمل رفع أسعار الكهرباء، وتقليل ساعات العمل، وغلق المحال مبكرا، والتوسع في إجراءات تقشف متتابعة، بما يكشف أن الدولة تنقل عبء الأزمة إلى المجتمع بدل أن تعلن خطة إصلاح جذرية وواضحة.
وفي هذا السياق قال الدكتور مدحت يوسف، نائب رئيس هيئة البترول الأسبق، في أكثر من تصريح منشور، إن ملف الطاقة في مصر يتأثر مباشرة بكلفة الوقود وبحجم الاعتماد على الغاز وبطريقة إدارة الموارد. ويعني هذا الكلام أن الاختناق لا يبدأ من الأجهزة الصغيرة، بل من قرارات وسياسات أكبر بكثير، وهو ما يجعل التركيز على «الكاتل» هروبا من مركز المشكلة لا اقترابا منها.
كما أن الحكومة، وهي تطالب الموظفين بالتقشف الدقيق داخل المكاتب، تترك انطباعا متزايدا بأنها تطبق الترشيد على من لا يملكون القرار، بينما لا تقدم المثال نفسه من أعلى الهرم الإداري. ولذلك يتسع الغضب لأن الرسالة لا تبدو متوازنة ولا عادلة، فالموظف يرى التشديد على كوب الشاي في مكتبه، بينما لا يرى مراجعة معلنة للإنفاق المريح في مكاتب المسؤولين وسياراتهم وبنية الامتياز الرسمية المحيطة بهم.
لذلك لا تبدو حملة «قوات حفظ الكاتل» مجرد إجراء إداري عابر، بل تبدو عنوانا مكثفا للخبط الحكومي في إدارة أزمة الكهرباء. فبدلا من مصارحة الناس بالأسباب، وبدلا من تقديم خطة إصلاح عميقة تمس البنية الحقيقية للاستهلاك والإنتاج، اختارت الحكومة أن تذهب إلى الموظف وغلايته ومكتبه اليومي. وهذا هو جوهر الانتقاد، لأن الدولة حين تعجز عن مواجهة الكبير تذهب إلى الصغير وتطلب منه أن يدفع الفاتورة وحده.
وهكذا لا يمكن قراءة مصادرة غلايات الشاي بوصفها حلا جديا لأزمة الطاقة، لأن الأزمة أكبر من ذلك بكثير، ولأن التشديد الانتقائي لا يصنع عدالة ولا يبني ثقة. وإذا كانت الحكومة تريد إقناع الناس بأن الترشيد ضرورة، فعليها أن تبدأ من أعلى لا من أدنى، وأن تكشف أين تذهب الكهرباء فعلا، ومن يستهلكها، ومن يدفع ثمنها. أما الاكتفاء بمطاردة «الكاتل» فلن ينتج إلا مزيدا من السخرية والغضب وانعدام الثقة.

