أعاد استهداف سيارة مدنية في قرية الزعرورة بريف القنيطرة الجنوبي ملف الاعتداءات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية إلى الواجهة من زاوية أكثر مباشرة. العملية التي نُفذت بقذيفة دبابة، بحسب المعطيات المحلية المتداولة، أسفرت عن استشهاد شاب سوري، ووضعت القرى المحاذية للحدود أمام واقعة جديدة تؤكد أن الجيش الإسرائيلي يواصل العمل بالنار داخل منطقة مدنية مفتوحة على حياة يومية هشة لا تملك أي حماية فعلية.
جاءت هذه الواقعة بينما كانت القنيطرة تعيش أصلًا على إيقاع توغلات متكررة واعتقالات وتجريف وإغلاق طرق، رغم تفاهم جرى في أوائل يناير برعاية أمريكية لتنسيق المعلومات وخفض التصعيد. كما تزامن التصعيد الميداني مع موجة غضب شعبية في درعا والقنيطرة تضامنًا مع الأسرى الفلسطينيين، بعد إقرار الكنيست يوم 30 مارس قانونًا يسمح بإعدام فلسطينيين مدانين بقتل إسرائيليين بأغلبية 62 صوتًا مقابل 48.
استهداف الزعرورة يثبت أن القنيطرة ما زالت ساحة مفتوحة للقوة العسكرية
ثم جاءت ضربة الزعرورة لتؤكد أن الاستهداف لم يعد يقتصر على نقاط عسكرية أو خطوط تماس، بل امتد إلى سيارة مدنية داخل قرية مأهولة. هذا التطور رفع كلفة الحياة اليومية على السكان، لأن الحركة بين القرى صارت مرتبطة بإمكان التعرض المباشر للنيران، لا بمجرد وجود حواجز أو دوريات، وهو ما يجعل أي تنقل مدني في المنطقة الجنوبية محفوفًا بخطر فوري.
وفي السياق نفسه، دخلت وحدات إسرائيلية إلى عمق ريف القنيطرة الجنوبي، وأغلقت أربعة طرق حيوية عبر سواتر ترابية عازلة، بحسب الوقائع الواردة من المنطقة. هذا الإجراء لم يكن تفصيلًا ميدانيًا محدودًا، لأن إغلاق الطرق قطع مسارات التنقل الأساسية بين القرى، وضيّق الوصول إلى الخدمات والعمل والأراضي الزراعية، وربط السيطرة العسكرية بضغط مباشر على السكان المدنيين في محيط التوغل.
كما دعمت وقائع الأسابيع الأخيرة هذا المسار الميداني نفسه. تقارير متعددة سجلت توغلات جديدة في القنيطرة خلال فبراير ومارس، بينها دخول أكثر من ثلاثين آلية إسرائيلية إلى محيط تل الأحمر الشرقي، ومداهمات واعتقالات في الرفيد وبلدات أخرى، وهو ما يبين أن التحرك في الجنوب السوري يتكرر بنمط ثابت لا كحادثة منفصلة.
وفي قراءة أقرب إلى أثر هذه الوقائع على الناس، قالت الباحثة خلود حلمي من معهد التحرير لسياسة الشرق الأوسط إن التدخل الإسرائيلي بعد سقوط نظام الأسد أثّر مباشرة في الحياة اليومية لسكان القنيطرة ودرعا. هذا التقدير ينسجم مع ما يكشفه استهداف الزعرورة، لأن الحادثة لم تغيّر خط مواجهة فقط، بل غيرت شروط العيش المدني نفسه داخل قرى الجنوب السوري.
التفاهمات المعلنة تراجعت أمام الوقائع على الأرض
ثم برز التناقض الأوضح بين ما أُعلن في يناير وما جرى لاحقًا على الأرض. الولايات المتحدة أعلنت في 6 يناير قيام آلية اتصال مشتركة بين سوريا وإسرائيل لتبادل المعلومات وخفض التصعيد والانخراط الدبلوماسي. لكن القصف والتوغل وإغلاق الطرق بعد ذلك أظهر أن الآلية لم تمنع الجيش الإسرائيلي من توسيع نشاطه الميداني في القنيطرة.
وبعد هذا التفاهم بأسابيع، نقلت وسائل إعلام عدة وقائع جديدة عن اقتحام قرى وتفتيش منازل واعتقالات في ريف القنيطرة، رغم أن الاتفاق كان يفترض تقليص الاحتكاك العسكري. هذا التسلسل الزمني مهم، لأنه يثبت أن خفض التصعيد بقي عنوانًا سياسيًا معلنًا، بينما استمرت القوات الإسرائيلية في إدارة الميدان بمنطق التقدم البري والضغط الأمني المباشر.
كذلك أضافت لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا بعدًا قانونيًا لهذه الوقائع، حين قالت إن القوات الإسرائيلية نفذت غارات أوقعت قتلى وجرحى مدنيين، وداهمت قرى في القنيطرة مرارًا، وهدمت منازل وألحقت أضرارًا ببنية عامة من دون ضرورة عسكرية. هذا التوصيف ينقل الملف من مستوى الشكوى السياسية إلى مستوى الانتهاك الموثق للقانون الدولي الإنساني.
ومن موقعه رئيسًا للجنة التحقيق، شدد باولو سيرجيو بينيرو على أن حماية المدنيين واحترام اتفاقيات جنيف يجب أن تكون قاعدة ملزمة لكل الأطراف. أهمية هذا الموقف أنه يربط ما يحدث في القنيطرة بمسؤولية قانونية محددة، لا بخلاف حدودي عابر، ويضع الاعتداءات المتكررة في خانة الأفعال التي تستوجب محاسبة واضحة.
من القنيطرة إلى السجون يتسع مسار التصعيد ضد الفلسطينيين
وبالتوازي مع هذا التصعيد داخل الجنوب السوري، ارتفع التوتر الشعبي في درعا والقنيطرة تضامنًا مع الأسرى الفلسطينيين. هذا التزامن لم يكن منفصلًا عن التطورات الإسرائيلية الأخيرة، لأن الكنيست أقر يوم 30 مارس قانونًا يعيد عقوبة الإعدام بحق فلسطينيين مدانين بقتل إسرائيليين، في خطوة أثارت موجة رفض فلسطيني وحقوقي واسعة خلال الأيام التالية.
ثم زاد وقع القانون مع الأرقام الصادرة عن مؤسسات الأسرى، التي قالت إن عدد المعتقلين الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية تجاوز 9500، بينهم 73 أسيرة و350 طفلًا، في وقت كانت فيه تقارير أممية قد تحدثت أصلًا عن احتجاز تعسفي وسري وتعذيب وسوء معاملة لآلاف الفلسطينيين منذ أكتوبر 2023. هذا السياق يمنح القانون أثرًا عمليًا شديد الخطورة، لا معنى رمزيًا فقط.
وفي توصيف قانوني مباشر، قال الخبير في القانون الدولي الدكتور أنيس القاسم إن القانون يشكل خرقًا واضحًا لمبادئ القانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان. قيمة هذا الرأي أنه يقرأ النص التشريعي من زاوية قانونية صريحة، ويؤكد أن المشكلة لا تتعلق بتشديد عقوبة داخلية، بل باستهداف فئة واقعة تحت الاحتلال داخل منظومة قضائية غير متكافئة.
كما عزز المفوض السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك هذا الاتجاه حين دعا إسرائيل إلى إلغاء القانون فورًا، وقال إن اعتماده يتعارض بوضوح مع التزاماتها الدولية، محذرًا من أن تطبيقه قد يرقى إلى جريمة حرب. هذا الموقف الأممي يوضح أن ما يجري في السجون لا ينفصل عن ما يجري على الحدود، لأن كليهما يقوم على توسيع استخدام القوة خارج الضوابط القانونية.
وعليه، فإن استهداف الزعرورة لا يمكن فصله عن مشهد أوسع تتحرك فيه إسرائيل على مسارين متوازيين. المسار الأول يفرض وقائع ميدانية جديدة داخل القنيطرة عبر التوغل والقصف وإغلاق الطرق. والمسار الثاني يوسع أدوات العقاب ضد الفلسطينيين داخل السجون عبر تشريع الإعدام. هذا الترابط يفسر لماذا خرج الغضب الشعبي في الجنوب السوري متصلًا بملف الأسرى لا منفصلًا عنه.
وفي المحصلة، يقدم ما جرى في الزعرورة صورة مكتملة عن اتجاه إسرائيلي واضح لا عن حادثة منفردة. القوات الإسرائيلية واصلت استخدام القوة داخل الأراضي السورية رغم تفاهمات يناير، والكنيست انتقل في الوقت نفسه إلى تشريع أكثر قسوة ضد الأسرى الفلسطينيين. لذلك فإن أي حديث عن تهدئة يفقد معناه ما دامت الوقائع الميدانية والتشريعية تتحرك معًا في اتجاه تصعيد منظم ومستمر.

