عبدالرحمن آدم علي

المتحدث الرسمي باسم الرئاسة الصومالية

 

في خضم التحولات المتسارعة التي تجتاح المنطقة، ومع التصعيد غير المسبوق الذي بلغ ذروته في مارس 2026 بالاستهداف المباشر لدول مجلس التعاون الخليجي، وبنيتها التحتية الحيوية، تتضح أهمية القيادة التي لا تكتفي برصد الواقع، بل تستشرف مساره قبل وقوعه، وفي هذا السياق، يبرز موقف الصومال كنموذج للسياسة الواعية، المبنية لا على ردود الفعل، بل على تقييم مبكر لطبيعة التهديدات الإقليمية.

 

وقد أثبتت التجربة أن القرارات التي اتُخذت قبل عقد من الزمن لم تكن بمعزل عن سياقها، بل كانت تعبيرا عن استشراف سياسي عميق، والتزام حقيقي بحماية الأمن القومي، وموقف صادق داعم لاستقرار الدول الشقيقة.

 

موقف ثابت: تضامن يتجاوز البيانات إلى الالتزام

 

إن التضامن الصومالي مع دول مجلس التعاون الخليجي ليس تطورا حديثا، بل هو امتداد طبيعي لسياسة راسخة تقوم على دعم الأمن العربي والإسلامي، فقد تجلت هذه السياسة بوضوح في مواقف محورية، أبرزها القرار السيادي في يناير 2016 بقطع العلاقات مع إيران.

 

لم يكن ذلك القرار، الذي شمل طرد السفير الإيراني وإغلاق السفارة وإنهاء أنشطة المؤسسات التابعة لها، مجرد خطوة دبلوماسية، بل كان تعبيرا عن فهم عميق لطبيعة دور إيران في المنطقة، والمخاطر التي تشكلها على استقرار الدول ووحدة مجتمعاتها.

 

واليوم، مع اتساع نطاق الاستهداف، بات جليا أن ذلك الموقف المبكر لم يكن سوى تقييم استشرافي للأحداث اللاحقة. من هذا المنطلق، تؤكد الصومال مجددا التزامها، بكل ما تملكه من إمكانيات سياسية ودبلوماسية، بالوقوف إلى جانب إخوانها في الخليج، ليس فقط تضامنا معهم، بل انطلاقا من قناعة راسخة بأن أمنهم جزء لا يتجزأ من أمنها.

 

رفض العدوان: حماية الاستقرار الإقليمي

 

يشكل استهداف المنشآت المدنية والبنية التحتية الاقتصادية في دول الخليج انتهاكا صارخا للقانون الدولي، ويهدد بشكل مباشر الاستقرار الإقليمي والدولي، إذ لا تستهدف هذه الهجمات دولا بعينها، بل تقوض منظومة الأمن الجماعي، مما يفتح الباب أمام تصعيد لا يخدم مصالح الشعوب.

 

نعم، لقد أثبتت التجارب في العراق، وسوريا، واليمن، ولبنان أن النهج القائم على التدخل ودعم القوات خارج إطار الدولة لا يؤدي إلا إلى تعميق الأزمات، وإطالة أمد الصراعات، مخلفا خسائر بشرية فادحة وانهيارا اقتصاديا واسع النطاق.

 

لذا، فإن رفض الصومال هذه الهجمات لا ينبع فقط من التضامن السياسي، بل أيضا من إدراك واعٍ لتكلفة هذا النهج على استقرار المنطقة ومستقبل شعوبها.

 

التكامل بدلا من الصراع: رؤية لمستقبل المنطقة

 

إن اليقين بأن الروابط الدينية والتاريخية والثقافية والاقتصادية التي تجمع دول المنطقة، آفاق واسعة لبناء نموذج إقليمي قائم على التعاون والتكامل، بدلا من الانزلاق إلى دوامات الصراع، فهذه المنطقة، التي لطالما كانت عبر التاريخ فضاء للتفاعل الثقافي والتبادل الاقتصادي، تتمتع بإمكانية أن تكون نموذجا للاستقرار والتنمية المشتركة.

 

وفي هذا السياق، تؤكد الصومال أن تحقيق الأمن الحقيقي لا يتحقق بفرض النفوذ أو اللجوء إلى الصراع، بل ببناء شراكات قائمة على الاحترام المتبادل، وتعزيز المصالح المشتركة، والحفاظ على الروابط التاريخية التي تجمع شعوب المنطقة، فالبديل عن الصراع ليس الضعف، بل القوة المستدامة المبنية على التعاون والتكامل.

 

التضامن الفعال: من الموقف إلى المسؤولية المشتركة

 

يتجاوز التضامن الصومالي مع دول مجلس التعاون الخليجي مجرد التعبير السياسي، فهو يجسد موقفا عمليا يعكس شعورا مشتركا بالمسؤولية تجاه أمن المنطقة، وهذا التضامن لا يقتصر على فهم مشترك للمخاطر فحسب، بل يرتكز أيضا على الإيمان بأن مواجهتها تتطلب التنسيق والتعاون والجهود الموحدة للتصدي للتحديات.

 

وفي هذا الإطار، يبرز البعد الإستراتيجي للموقف الصومالي، جامعا بين وضوح الرؤية وثبات المبادئ، ما يؤكد أن الوقوف إلى جانب الأشقاء ليس خيارا تكتيكيا، بل التزاما طويل الأمد متجذرا في مصير مشترك ومصالح متشابكة.

 

عندما تصبح البصيرة السياسية موقفا تاريخيا

 

وفي الختام، فإن ما تشهده المنطقة اليوم يؤكد أن الحكمة السياسية لا تقاس بردود الفعل، بل بالقدرة على استباق المخاطر واتخاذ القرارات في الوقت المناسب، وقد أثبتت التجربة أن الموقف الصومالي، الذي ترسخ قبل سنوات، على أساس فهم دقيق، كان ذا أثر بالغ.