تشهد شركة التركية المصرية لصناعة الملابس T&C بمدينة العبور موجة جديدة من إنهاء خدمة العمال، وفق شهادات متعددة من داخل الشركة، حيث أكدت مصادر أن الإدارة فصلت عاملة بقسم القص وأجبرت آخرين على تقديم استقالاتهم رغم سريان عقودهم، في واقعة تعكس نمطًا متكررًا من الضغوط الإدارية لإنهاء علاقات العمل دون مسوغات قانونية واضحة.

 

إجبار العمال على الاستقالة رغم سريان العقود

 

في هذا السياق أكد عاملان أن الإدارة أجبرت نحو 15 عاملًا بعقود سنوية محددة المدة على تقديم استقالاتهم خلال الأسبوع السابق لعيد الفطر، رغم أن بعضهم تجاوزت مدة خدمته خمس سنوات داخل الشركة، وهو ما يشير إلى تجاهل صريح لاستمرارية العلاقة التعاقدية التي يقرها القانون المصري في حال تجديد العقود بشكل متكرر.

 

كما أوضح مصدر من الشؤون الإدارية داخل الشركة أن الإدارة تخطط لتسريح أعداد أكبر قد تصل إلى مئات العمال خلال الفترة المقبلة دون تقديم أسباب واضحة، وأكد المصدر أن هذه الإجراءات لا ترتبط بأي احتجاجات حديثة، ما يعزز فرضية أن القرار إداري داخلي يستهدف تقليص العمالة بشكل مباشر.

 

وفي هذا الإطار قال كمال عباس، منسق دار الخدمات النقابية والعمالية، إن إجبار العامل على الاستقالة رغم سريان عقده يمثل مخالفة صريحة لقانون العمل، لأن الاستقالة يجب أن تكون بإرادة حرة، وأضاف أن تكرار هذا النمط داخل شركات كبيرة يشير إلى ضعف الرقابة الحكومية على تطبيق القانون.

 

واقعة فصل يارا وتفاصيل الضغط الإداري

 

ومن جانبها روت العاملة بقسم القص يارا.أ تفاصيل فصلها، حيث أكدت أن محامي الشركة استدعاها قبل إجازة عيد الفطر وأبلغها بقرار الاستغناء عنها وطلب منها تقديم استقالتها، دون تقديم مستندات رسمية تثبت وجود مخالفات مهنية تستوجب إنهاء خدمتها.

 

وعندما استفسرت يارا عن أسباب القرار أبلغها محامي الشركة بأنها كثيرة الغياب وأن إنتاجها ضعيف، وهو ما نفته بشكل قاطع، مؤكدة أن الإدارة لم توجه لها أي إنذارات رسمية بشأن الغياب كما يفرض القانون، وأنها اجتازت فترة التقييم الأولى دون تسجيل ملاحظات سلبية من رؤسائها.

 

وبناء على ذلك عرضت يارا تقديم استقالتها بشرط صرف راتب الشهرين المتبقيين في عقدها السنوي، إلا أن محامي الشركة عرض عليها راتب شهر واحد فقط، ورغم ذلك وافقت بشرط صرف مستحقاتها فورًا، لكن الشركة أبلغتها أن الصرف سيتم بعد إجازة العيد، ما دفعها لرفض العرض.

 

وفي اليوم الأخير قبل الإجازة فوجئت يارا بإلغاء بصمتها من نظام الحضور، وعندما توجهت إلى الشؤون الإدارية طلب منها الانتظار لساعات ثم الحضور بعد العيد لتقديم الاستقالة، وهو ما اعتبرته محاولة لإجبارها على القبول بشروط غير متفق عليها مسبقًا.

 

وعقب عودتها بعد إجازة العيد حاولت مقابلة مسؤولي الموارد البشرية دون جدوى، وعندما حاولت مغادرة الشركة منعها الأمن وطلب منها إذن خروج رغم عدم تسجيل حضورها، ثم أبلغها مديرها المباشر بأنها لم تعد ضمن فريقه، ما أدى إلى احتجازها داخل مقر الشركة لساعات قبل تمكنها من الخروج.

 

وفي هذا السياق قال حسام بهجت، مدير المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، إن منع العامل من الخروج أو تعطيل حركته داخل مكان العمل يمثل انتهاكًا واضحًا للحقوق الأساسية، وأضاف أن مثل هذه الوقائع تستدعي تدخلًا فوريًا من الجهات المختصة للتحقيق في ممارسات الإدارة.

 

تصعيد قانوني وتاريخ ممتد من النزاعات العمالية

 

وعلى إثر هذه الوقائع توجهت يارا إلى قسم شرطة أول العبور وحررت محضر إثبات حالة، ثم تقدمت بشكوى رسمية إلى مكتب العمل، حيث طُلب منها تقديم برنت تأميني، وعند استخراج المستند اكتشفت أن الشركة أوقفت التأمين الخاص بها قبل أسبوعين من الواقعة.

 

وبالعودة إلى سجل الشركة يظهر أن تسريح العمال ليس إجراءً استثنائيًا، حيث أجبرت الإدارة في فبراير الماضي عاملين على تقديم استقالتهما، كما أجرت تحقيقات مع نحو 8 عمال بسبب مشاركتهم في إضراب سابق، ما يعكس نمطًا متكررًا من التعامل مع أي تحرك عمالي.

 

كما أنهى عمال الشركة في يناير إضرابًا جزئيًا استمر خمس ساعات احتجاجًا على ضعف الزيادة السنوية، بعد تلقي وعود من الإدارة بإعادة النظر في القرار، وهو ما يشير إلى وجود توتر مستمر بين العمال والإدارة بشأن الأجور وظروف العمل.

 

وفي عام 2025 دخل نحو 6 آلاف عامل وعاملة في إضراب استمر 12 يومًا احتجاجًا على عدم إقرار زيادة سنوية، قبل أن ينهي العمال الإضراب تحت ضغوط وتهديدات، وهو ما يعكس حجم القوة العاملة داخل الشركة وتأثير قرارات الإدارة على آلاف الأسر.

 

وخلال ذلك الإضراب ألقت الشرطة القبض على 9 عمال ووجهت لهم النيابة اتهامات تتعلق بإثارة الشغب وتعطيل العمل، قبل أن تقرر محكمة الخانكة إخلاء سبيلهم بكفالة مالية، إلا أن الشركة قررت فصلهم لاحقًا مع عمال آخرين شاركوا في الإضراب.

 

وفي هذا الإطار قال أحمد عزت، الباحث بالمفوضية المصرية للحقوق والحريات، إن فصل العمال بسبب مشاركتهم في إضرابات سلمية يمثل انتهاكًا لحق التنظيم والإضراب المكفول قانونًا، وأضاف أن استمرار هذه الممارسات دون محاسبة يشجع الشركات على التوسع في إنهاء عقود العمال تعسفيًا.

 

خلفية الشركة وعلاقتها بالأسواق الدولية

 

وتأسست شركة T&C عام 2010 كشراكة بين مجموعة طلبة المصرية ومجموعة تاي التركية، وتعمل في تصنيع ملابس الجينز لصالح علامات تجارية عالمية، ويبلغ عدد عمالها في مصر نحو 6 آلاف عامل، نصفهم تقريبًا من النساء، وهو ما يجعلها من أكبر الكيانات الصناعية في هذا القطاع.

 

كما تعتمد الشركة على التصدير الكامل لإنتاجها بنسبة 70 بالمئة للسوق الأمريكية و30 بالمئة للأسواق الأوروبية، وتستفيد من اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة الكويز التي تسمح بدخول المنتجات المصرية دون جمارك بشرط وجود مكون إسرائيلي بنسبة محددة جرى تخفيضها لاحقًا إلى 10.6 بالمئة.

 

وفي ضوء هذه الوقائع المتتالية يظهر أن إدارة الشركة تتبع نمطًا واضحًا في تقليص العمالة عبر الضغط المباشر أو الفصل، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات قانونية حول دور الجهات الرقابية، خاصة مع تكرار الشكاوى وتعدد الوقائع التي توثق انتهاكات متشابهة داخل نفس الكيان الصناعي.