فتحت باكستان، بدعوتها وزراء خارجية السعودية وتركيا ومصر إلى إسلام آباد يومي 29 و30 مارس، نافذة دبلوماسية جديدة في لحظة يتسع فيها القتال الأميركي الإسرائيلي مع إيران وتزداد كلفته على الإقليم والأسواق. وجاءت الدعوة بينما تجاوزت الحرب شهرها الأول، وبعدما أظهرت الوقائع أن التصعيد الميداني يسبق كل محاولة لوقف النار ويضغط على أي جهد سياسي ناشئ.
إسلام آباد تدخل على خط الحرب لمنع انهيار أوسع.
أوضح الاجتماع أن باكستان لا تتحرك هنا باعتبارها جاراً قلقاً فقط، بل باعتبارها وسيطاً يسعى إلى جمع دعم إقليمي من عواصم تملك قنوات اتصال ومصالح مباشرة في وقف الحرب. ولهذا جاء جمع الرياض وأنقرة والقاهرة في إسلام آباد إشارة إلى أن الوساطة لن تقوم على رسالة منفردة، بل على جهد جماعي يحاول تثبيت مسار خفض التصعيد.
ولفتت هذه الخطوة إلى أن مهمة الاجتماع لا تتوقف عند إصدار موقف سياسي عام، لأن هدفه المعلن هو البحث في سبل تهدئة الحرب وفتح الطريق نحو وقف إطلاق النار وتجنب اتساعها إلى كارثة إقليمية أو دولية أكبر. كما أن انعقاد اللقاء في هذا التوقيت يعكس إدراكاً بأن إصلاح ما دمرته الحرب سيحتاج سنوات طويلة، إذا توقف القتال أصلاً.
وفي ظل هذا المسار، قال عبدالله خان، مدير معهد باكستان لدراسات الصراع والأمن، إن التحرك الباكستاني قد يكون من أسباب بقاء قدر من ضبط النفس النسبي في الحرب، مشيراً إلى أن تأجيل واشنطن بعض الضربات الكبرى على منشآت الطاقة الإيرانية، مع بقاء الرد الإيراني على مصالح أميركية في الخليج ضمن حدود محسوبة، يعكسان استمرار مساحة للدبلوماسية رغم النار.
وأكدت الوقائع الموازية أن هذا الجهد لا يتحرك في فراغ، لأن الحرب عطلت الأسواق الدولية ورفعت أخطار الطاقة والشحن، بينما امتدت الضربات والردود إلى أكثر من ساحة في غرب آسيا. ولهذا لا تتعامل إسلام آباد مع الوساطة باعتبارها عملاً رمزياً، بل باعتبارها محاولة لوقف نزيف يهدد الخليج وممرات التجارة والدول المعتمدة على الاستقرار النفطي والمالي في المنطقة.
باكستان تراهن على شبكة علاقاتها وسجلها القديم
أشار مسار الوساطة إلى أن باكستان تستند إلى موقع خاص لا يتوافر بسهولة لدولة أخرى في هذه اللحظة، فهي تحتفظ بعلاقات عملية مع واشنطن وطهران ودول الخليج معاً، وتجاور إيران جغرافياً، وتملك مصلحة مباشرة في احتواء الحرب. كما أن وزير خارجيتها إسحق دار أقر علناً بأن بلاده تنقل رسائل بين الأميركيين والإيرانيين، وأن تركيا ومصر تعملان أيضاً خلف الستار.
ولفت هذا الموقع إلى أن الثقة التي تراكمت في أكثر من مسار هي ما يدفع أطرافاً متنازعة إلى قبول إسلام آباد قناة اتصال، لا مجرد عاصمة مستضيفة. فباكستان وقعت اتفاق تعاون دفاعي مع السعودية العام الماضي، وتحافظ على روابط عملية مع إيران، بينما تحسنت علاقاتها مع الولايات المتحدة خلال العام الأخير. وهذا التداخل هو ما يسمح لها بالحديث عبر الانقسامات من دون أن تبدو مقطوعة عن أي طرف أساسي.
وفي موازاة ذلك، يعود الرهان الباكستاني أيضاً إلى سجل سابق في أدوار وساطة معقدة، إذ لعبت دوراً في الاتصالات التي مهدت لانفتاح واشنطن على بكين في السبعينيات، ثم شاركت في مسارات أفغانستان التي انتهت إلى اتفاق 2020 بين الولايات المتحدة وطالبان. ويجري اليوم تقديم هذا التاريخ بوصفه سابقة تستخدمها إسلام آباد لإقناع الأطراف بأنها قادرة على إدارة التفاوض البطيء لا اختراع اختراق سريع.
ويبين هذا كله أن الدعم الذي تحدثت عنه بكين وكوالالمبور، إلى جانب الأدوار المستمرة لقطر وعمان، لا يلغي مركزية باكستان في المسار الجاري، بل يوسعه. فالقنوات الخليجية التقليدية تعرضت هي نفسها لضغط الحرب، بينما تحاول إسلام آباد جمع شبكة داعمة حولها تحمي الوساطة من العزلة. ويرى مايكل كوجلمان أن تحرك باكستان ليس مفاجئاً كما يبدو، لأن علاقاتها العالية المستوى مع إيران والسعودية ورضا واشنطن عنها وفرت لها نافذة هذا الدور.
الشروط المتصلبة تكشف حدود الوساطة وتؤخر وقف النار
أكدت مجريات الأيام الأخيرة أن اجتماع إسلام آباد يواجه أرضية سياسية شديدة الهشاشة، لأن الولايات المتحدة وإيران ما زالتا متمسكتين بشروط يصعب جمعها في ورقة واحدة لوقف إطلاق النار. فقد نقلت باكستان مقترحاً أميركياً من 15 بنداً، لكن طهران ردت بمطالب مضادة ورفضت التفاوض تحت الضغط، فيما أبقت واشنطن التلويح بالقوة قائماً إلى جانب الحديث عن الحوار.
وفي ظل هذا التعقيد، لم تتوقف الأعمال العدائية رغم إعلان دونالد ترامب تأجيل ضرب منشآت الطاقة الإيرانية لعشرة أيام، لأن إسرائيل واصلت غاراتها، وإيران واصلت هجماتها المضادة، واتسع خطر استهداف البنية النووية والمدنية معاً. وهذا يعني أن الدبلوماسية الهادئة التي تتحدث عنها إسلام آباد لا تعمل فوق هدنة قائمة، بل تحت قصف مستمر يضغط عليها كل ساعة ويقلص هوامشها.
وأشار هذا الواقع إلى عقبة أخرى لا تقل خطورة، وهي أن إسرائيل تنأى بنفسها عن الانخراط المباشر في الوساطة، بينما تختلف أولوياتها عن أولويات واشنطن في بعض الملفات. ولهذا فإن أي تقدم بين الأميركيين والإيرانيين قد يبقى قابلاً للتقويض إذا واصلت تل أبيب العمل وفق أجندتها الخاصة. كما أن ملف مضيق هرمز والسيادة الإيرانية عليه يضيف طبقة أخرى من التعقيد إلى أي تسوية ناشئة.
وفي موازاة ذلك، قال المحلل الأمني سيد محمد علي إن الصراع الحالي يفرض على باكستان بعضاً من أكبر تحدياتها الاقتصادية وأمن الطاقة في تاريخها، لأن البلاد تعتمد على نفط وغاز الشرق الأوسط وتحويلات ملايين العاملين في العالم العربي. ويكشف هذا التقدير أن الوساطة ليست ترفاً سياسياً لإسلام آباد، بل محاولة دفاع مباشر عن اقتصادها واستقرارها الداخلي وحدودها مع إيران.
ولفتت حصيلة المشهد إلى أن اجتماع وزراء الخارجية لن يصنع على الأرجح اختراقاً درامياً فورياً، لأن الوساطة بطبيعتها عملية تدريجية ومتعددة المستويات، ولأن الخطابات العلنية تدفع الأطراف عادة إلى مزيد من التصلب. لكن الاجتماع قد ينجح في شيء أكثر تواضعاً وأشد إلحاحاً، وهو إبقاء باب التسوية مفتوحاً ومنع الانهيار من التحول إلى قاعدة دائمة في الإقليم.
وفي الأخير تؤكد الدعوة الباكستانية أن المنطقة لم تصل بعد إلى لحظة استسلام كامل لمنطق الحرب، لكنها كشفت في الوقت نفسه أن وقفها يحتاج أكثر من اجتماع وأكثر من وسيط. فإسلام آباد تملك العلاقات والقدرة على التحريك، لكنها لا تملك وحدها إزالة الشروط المتصادمة بين واشنطن وطهران ولا ضبط إسرائيل. ولهذا، فإن قيمة اجتماع 29 و30 مارس تكمن في منعه السقوط الحر، لا في الوعد السهل بنهاية سريعة للحرب.

