بدأت الحرب الإسرائيلية على لبنان تأخذ مساراً أوسع بعد إعلان الجيش الإسرائيلي دخول قواته جنوب لبنان من مناطق في الجولان كان قد سيطر عليها خلال عام 2024، في أول عملية يعترف فيها بعبور من جبل الشيخ في شقه السوري إلى جنوب لبنان.
وربط الجيش هذا التحرك بما سماه إحباط محاولات تموضع على الحدود، بما يكشف انتقاله إلى توسيع الميدان لا احتواءه.
توغل جديد من الجولان إلى جنوب لبنان
وأوضح الجيش الإسرائيلي أن قوات وحدة رجال الألب، تحت قيادة لواء الجبال 810، نفذت عملية قال إنها مخصصة لإحباط محاولات تموضع التنظيمات المسلحة قرب الحدود اللبنانية.
وأضاف الجيش أن القوة عملت في تضاريس جبلية معقدة، وعبرت الحدود عبر التسلق في الثلوج من جبل الشيخ في شقه السوري إلى منطقة جبل روس في جنوب لبنان، بهدف التمشيط وجمع المعلومات وكشف البنى التحتية.
ولفت هذا الإعلان إلى أن الجيش الإسرائيلي لم يكتف هذه المرة بالغارات أو القصف المدفعي، بل أعلن بنفسه تنفيذ تحرك بري محدود وعابر للحدود عبر مسار غير مباشر.
ويرى الكاتب والمحلل اللبناني قاسم قصير أن هذا النوع من التحرك يكشف محاولة إسرائيل فرض وقائع ميدانية جديدة على خط التماس، مستفيدة من الجغرافيا والضغط الناري لتوسيع هامش الحركة البرية.
وأكد الجيش الإسرائيلي، الأحد، مقتل جندي في جنوب لبنان، هو الخامس منذ استئناف الحرب مع حزب الله في الثاني من مارس.
وقال الجيش إن الجندي يبلغ اثنين وعشرين عاماً، وينحدر من مدينة نيو هايفن في ولاية كونيتيكت الأميركية، ويتبع للكتيبة 890 في لواء المظليين.
وبذلك ربطت المؤسسة العسكرية بين التوغل المعلن وكلفته البشرية المباشرة على قواتها في الميدان.
وفي موازاة ذلك، أعلن الجيش الإسرائيلي في بيان لاحق أنه قتل أكثر من ثمانمئة عنصر من حزب الله جواً وبحراً وبراً منذ اندلاع الحرب الحالية.
ويبين هذا الرقم أن إسرائيل تسعى إلى تقديم الحرب بوصفها عملية استنزاف شاملة لا تقتصر على الشريط الحدودي.
ويرى الباحث مهند الحاج علي أن مثل هذه الأرقام تخدم خطاباً عسكرياً يهدف إلى تبرير استمرار التوغل وتوسيع بنك الأهداف.
المدنيون والصحافيون يدفعون كلفة التصعيد
وأشار التصعيد الميداني إلى كلفة بشرية متزايدة على المدنيين والطواقم غير المقاتلة، بعدما قتل ثلاثة صحافيين، السبت، في غارة إسرائيلية استهدفت سيارتهم، وفق مصدر عسكري لبناني.
وفي اليوم نفسه، أعلن لبنان مقتل تسعة مسعفين بضربات إسرائيلية خلال أربع وعشرين ساعة.
وبذلك جاء التوسع العسكري مترافقاً مع سقوط ضحايا في قطاعات يفترض أنها خارج الاشتباك المباشر.
وأكد الجيش الإسرائيلي من جهته أنه قتل مراسل قناة المنار علي شعيب، متهماً إياه بالانتماء إلى وحدة النخبة في حزب الله والتخفي بصفة صحافي.
ويضع هذا الادعاء الرواية الإسرائيلية في مواجهة مباشرة مع الرواية اللبنانية التي تتحدث عن استهداف صحافيين.
كما يعيد ذلك ملف سلامة العاملين في التغطية الميدانية إلى الواجهة، بعد تكرار قتل الصحافيين بنيران إسرائيلية في لبنان منذ أكتوبر 2023.
وفي ظل هذا المسار، أعلنت قناة المنار قبل عشرة أيام مقتل مدير البرامج السياسية محمد شري وزوجته في غارة إسرائيلية استهدفت وسط بيروت.
كما تؤكد الوقائع السابقة أن استهداف الصحافيين لم يبدأ مع الجولة الحالية، إذ قتل خمسة صحافيين على الأقل بين عامي 2023 و2024 بضربات إسرائيلية في جنوب لبنان.
وترى أستاذة الإعلام منى شقير أن تكرار هذه الوقائع ينقل الخطر من الهامش إلى قلب العمل الصحافي.
الغارات تتسع جنوباً والحرب ترتبط بجبهة إيران
وأشارت التطورات إلى أن التوغل البري لم يكن منفصلاً عن اتساع الغارات، إذ خرق الطيران الحربي الإسرائيلي جدار الصوت فوق بيروت ليل السبت، وسمع سكان في أنحاء مختلفة من البلاد أصوات انفجارات متتابعة.
وفي الوقت نفسه، واصلت إسرائيل شن غارات واسعة على جنوب لبنان، أسفرت بحسب وزير الصحة ركان ناصر الدين عن مقتل تسعة مسعفين، ما أكد أن وتيرة القصف سبقت أي حديث عن تهدئة.
وفي موازاة ذلك، أعلن الجيش اللبناني مقتل اثنين من جنوده بضربات إسرائيلية في بلدتي الزهراني وكفرتبنيت، فيما أفادت مصادر عسكرية بأن الجنديين لم يكونا في الخدمة.
ونقلت الوكالة الرسمية في لبنان أن إسرائيل شنت سلسلة غارات على بلدات عدة في الجنوب، كما استهدفت مباني سكنية وتجارية ومحطة محروقات في مدينة النبطية، إلى جانب بلدات حدودية خضعت لضربات متلاحقة.
وأوضحت وزارة الصحة اللبنانية أن غارة إسرائيلية على بلدة الحنية في قضاء صور قتلت سبعة أشخاص، هم ستة سوريين بينهم طفل ولبناني واحد، وأصابت تسعة سوريين بجروح.
ثم أعلنت الوزارة لاحقاً سقوط سبعة قتلى وجرح ثمانية في غارة أخرى على دير الزهراني في قضاء النبطية.
وبذلك اتسعت الخسائر المدنية مع انتقال الاستهداف من الأطراف الحدودية إلى مناطق مأهولة على نحو مباشر.
ولفتت خلفية الحرب إلى أن لبنان دخل هذه الجولة في الثاني من مارس بعدما أطلق حزب الله، المدعوم من طهران، صواريخ على إسرائيل رداً على اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي في أول أيام الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران.
ومنذ ذلك التاريخ، ترد إسرائيل بغارات واسعة وتوغلات جنوبية.
كما أحصت وزارة الصحة اللبنانية مقتل 1189 شخصاً بالغارات الإسرائيلية منذ الثاني من مارس.
وأكد حزب الله، السبت، أنه استهدف تجمعات للقوات الإسرائيلية قرب بلدة الطيبة الواقعة جنوب شرق نهر الليطاني، على مسافة تقارب ثلاثة فاصل ستة كيلومترات من الحدود الإسرائيلية.
ويؤكد هذا الإعلان أن الجبهة لم تتوقف عند القصف الإسرائيلي، بل بقيت مفتوحة على ردود ميدانية متبادلة.
ولهذا، فإن النتيجة المباشرة الآن ليست احتواء الحرب، بل تثبيت توسعها وتكريس كلفتها على المدنيين والجنود والصحافيين معاً.
وفي المحصلة، يثبت مسار الساعات الأخيرة أن إسرائيل تدفع الحرب في لبنان إلى مستوى أكثر اتساعاً وخطورة، عبر توغل معلن من الجولان إلى الجنوب، وغارات تضرب البلدات والمباني والطواقم المدنية، وخطاب عسكري يبرر التصعيد بالأمن والتموضع.
وفي المقابل، ترد الجبهة اللبنانية بالنار فيما ترتفع أعداد القتلى.
وبذلك يتحول لبنان مرة أخرى إلى ساحة مفتوحة تدفع ثمن حرب لا تترك مجالاً للمدنيين ولا للصحافة ولا للمؤسسات الرسمية.

