دخلت الحرب الأميركية على إيران مستوى أكثر خطورة بعد إعلان الجيش الأميركي توسيع عملياته داخل الأراضي الإيرانية، والحديث عن استهداف أكثر من 10,000 موقع عسكري، مع مشاركة قاذفات بي-52 في الضربات، وادعاء تراجع القدرات القتالية الإيرانية بصورة حادة. لكن المشكلة لا تقف عند حجم النار. المشكلة أن واشنطن تطرح أرقامًا ضخمة بلا تحقق مستقل، بينما تواصل إدارة ترامب فتح باب تفاوض محدود في الوقت نفسه، في صورة تكشف أن الحسم العسكري المعلن لم يحسم شيئًا سياسيًا حتى الآن.

 

في المقابل، يواصل الحرس الثوري الإيراني عرض روايته الخاصة. أعلن تنفيذ “الموجة 81” من عملياته، وقال إنه استهدف أكثر من 70 نقطة داخل الأراضي المحتلة باستخدام صواريخ عماد وقيام وخرمشهر 4 وقدر. وبين الروايتين، تبدو المنطقة أمام حرب بيانات لا تقل ضراوة عن حرب الصواريخ، بينما تتحرك وساطات إقليمية ضيقة لفتح نافذة تفاوض، بعد تسريبات عن استبعاد اسمَي عباس عراقجي ومحمد باقر قاليباف مؤقتًا من قائمة الاغتيالات.

 

أرقام الحرب الأميركية: دعاية نصر أم كشف مأزق

 

القيادة المركزية الأميركية عرضت في تحديث رسمي يوم 21 مارس صورة عملياتية تقول إن الحملة مستمرة لتفكيك الجهاز الأمني الإيراني، بينما كانت ورقة حقائق سابقة في 16 مارس تتحدث عن استهداف أكثر من 7,000 هدف، وأكثر من 6,500 طلعة قتالية، وتدمير أو إعطاب أكثر من 100 قطعة بحرية إيرانية. وبعدها نقلت وسائل إعلام غربية عن الجيش الأميركي أن العدد تجاوز 9,000 هدف، ثم صعدت “العربية” الرقم إلى أكثر من 10,000 موقع، مع نسبة 92% من الأسطول البحري الإيراني. الفارق بين هذه الأرقام وحده يكفي لطرح سؤال أساسي: من يراجع هذه الحصيلة، وعلى أي أساس؟

 

العقيد المتقاعد نضال أبو زيد يرى أن ما يجري لم يعد مجرد قصف متبادل، بل “معركة انتزاع زمام المبادرة” وإدامة الزخم العملياتي، حيث يحاول كل طرف تثبيت صورة التفوق أكثر من إنهاء الحرب نفسها. هذا التوصيف يشرح لماذا تُضخَّم الأرقام في هذا التوقيت. كل طرف يحتاج إلى رواية نصر يومية. لكن رواية النصر الأميركية هنا تصطدم بحقيقة أبسط: لو كانت البنية الإيرانية قد شُلّت فعلًا بهذا الحجم، لما بقيت الحاجة إلى رفع مستوى التهديد والتلويح بجولات جديدة.

 

الحديث الأميركي عن خفض إطلاق المسيّرات والصواريخ الإيرانية بنسبة 90%، وتدمير 92% من الأسطول البحري، لا يمكن التعامل معه كحقيقة نهائية في غياب تدقيق مستقل. كما أن مشاركة قاذفات بي-52 تؤكد أن واشنطن انتقلت إلى استعراض قوة ثقيل ومقصود، لا إلى ضربات محدودة. وهذا يعزز الانطباع بأن الإدارة الأميركية تريد فرض صورة انهيار شامل على إيران، حتى لو ظلت الوقائع الميدانية والسياسية أقل حسمًا من لغة البيانات العسكرية.

 

استثناء عراقجي وقاليباف: نافذة تفاوض أم اعتراف بفشل الحسم

 

في قلب هذا التصعيد، ظهرت تسريبات من وول ستريت جورنال تقول إن الولايات المتحدة وإسرائيل استبعدتا مؤقتًا اسمَي وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف من قائمة الاغتيالات لمدة قصيرة، لفتح نافذة محتملة للمفاوضات. هذه ليست تفصيلة جانبية. هذه إشارة مباشرة إلى أن الطرف الأميركي، رغم كل خطاب “القضاء الكامل”، لا يزال يحتاج إلى عنوان سياسي يتحدث معه. والأهم أنها تكشف تناقضًا فادحًا: من يعلن تدمير خصمه بالكامل لا يجمّد قائمة الاغتيالات بحثًا عن وسيط أو شريك تفاوض.

 

الباحث والمحلل السياسي محمد اليمني كان قد وصف مبكرًا هذا النوع من التصريحات بأنه جزء من الحرب النفسية، وقال إن المرحلة الثانية من الحرب تستهدف شل الردع الإيراني وتقييد قدرته على الرد في الممرات المائية ومراكز الإطلاق. كلام اليمني يكتسب وزنًا أكبر الآن. فالإدارة الأميركية تبدو وكأنها ترفع السقف العسكري إلى أقصى حد، ثم تبحث في الوقت نفسه عن مخرج تفاوضي يمنع اتساع الكلفة. هذا ليس سلوك طرف حسم المعركة. هذا سلوك طرف يريد أفضل شروط التفاوض تحت غطاء نار كثيف.

 

وتزداد الصورة ارتباكًا مع حديث ترامب عن “هدية كبيرة جدًا” من إيران لها صلة بالنفط والغاز ومضيق هرمز، من دون كشف مضمونها. التصريح، الذي نقلته وكالة الصحافة الفرنسية عبر صحف عربية، يشي بأن خلف المشهد العسكري قناة تفاوض تعمل بعيدًا عن الضجيج. لكن الصياغة نفسها تكشف أيضًا منطق الابتزاز السياسي. رئيس أميركي يتحدث عن حرب مفتوحة، ثم يربط التهدئة بهدية مالية أو استراتيجية تخص الطاقة والملاحة. هنا يصبح السؤال مشروعًا: هل الهدف المعلن هو الأمن، أم إعادة ترتيب موازين السيطرة على هرمز وثروات المنطقة تحت ضغط القصف؟

 

إيران ترد بالموجة 81 والاقتصاد يدفع الثمن

 

في الجهة الأخرى، أعلن الحرس الثوري نجاح “الموجة 81” واستهداف أكثر من 70 نقطة داخل الأراضي المحتلة بصواريخ عماد وقيام وخرمشهر 4 وقدر، مع تأكيد “دقة الإصابات”. لا توجد هنا أيضًا جهة مستقلة تثبت كل رقم وتفصيل. لكن المؤكد أن القدرة الإيرانية على الرد لم تختف، وأن واشنطن، رغم ضرباتها الواسعة، لم تنتزع بعد قدرة الخصم على إبقاء الجبهة مشتعلة. وهذه هي النقطة التي تُسقط الرواية الأميركية عن نهاية وشيكة للقدرة القتالية الإيرانية.

 

خبير النفط والاقتصاد الدولي نهاد إسماعيل حذر من أن الحرب على إيران تهدد إمدادات الطاقة وتعطل التجارة العالمية، وقال إن المنطقة تواجه أزمة طاقة حقيقية مع تراجع الإنتاج وارتفاع المخاطر. هذا التقدير يضع الحرب في معناها المباشر: كل يوم قتال إضافي يضغط على النفط والغاز والنقل البحري، ويحوّل مضيق هرمز إلى ورقة ابتزاز متبادل بين القصف والتفاوض. لذلك فإن حديث ترامب عن “هدية” مرتبطة بالطاقة ليس زلة لسان، بل اعتراف بأن جوهر المعركة يتجاوز الصواريخ إلى السيطرة على شريان الاقتصاد العالمي.

 

الخلاصة أن المشهد لا يقول إن واشنطن حسمت الحرب، ولا يقول إن طهران خرجت سالمة. ما يقوله بوضوح أكبر هو أن الطرفين ينتجان خطابًا دعائيًا متضخمًا، بينما يفتحان في الخلف باب مساومات قسرية. الولايات المتحدة ترفع أرقام التدمير إلى مستوى قياسي، وإيران ترد بموجات صاروخية متتالية، والنتيجة الفعلية حتى الآن ليست “نصرًا نظيفًا” لأي طرف. النتيجة حرب مفتوحة، وتهدئة مؤجلة، ومنطقة تُدار بالنار وبورقة الطاقة معًا.