تسليم باكستان مقترحًا أميركيًا إلى إيران لإنهاء الحرب لا يبدو انفراجة بقدر ما يكشف عمق المأزق الأميركي. واشنطن تواصل القصف والضغط العسكري، ثم تطلب من وسيط إقليمي حمل عرض سياسي إلى الطرف نفسه الذي تضربه.
وطهران، وفق الروايات المنشورة، لم تتعامل مع المبادرة باعتبارها بابًا جديًا للتسوية، بل باعتبارها جولة جديدة من التفاوض تحت النار. لهذا جاء ردها الحاد: الولايات المتحدة تتفاوض مع نفسها، لا مع إيران. الثابت حتى الآن أن قناة الوساطة موجودة، وأن باكستان ومصر وتركيا تبادلت رسائل بين الجانبين خلال اليومين الماضيين، لكن الثابت أيضًا أن انعدام الثقة لا يزال هو العنوان الأكبر.
إسلام آباد دخلت المشهد علنًا بعدما أعلن شهباز شريف استعداد باكستان لاستضافة محادثات بين الولايات المتحدة وإيران إذا وافق الطرفان. هذا الإعلان لم يأت من فراغ. باكستان كانت قد أكدت في الأمم المتحدة، وفي مواقف رسمية متكررة خلال يناير ومارس، أن الحوار هو الطريق الوحيد لخفض التوتر حول إيران، وأنها مستعدة للقيام بدور بنّاء في جهود السلام. لكن مجرد ظهورها الآن كحامل لعرض ترامب يكشف أن واشنطن لم تعد تعتمد فقط على أدواتها التقليدية، بل تبحث عن وسيط يملك صلة بطهران وعلاقة مباشرة بإدارة ترامب في الوقت نفسه.
وساطة تحت القصف لا تبني ثقة
مصادر مطلعة نقلت إلى “أكسيوس” أن إدارة ترامب دفعت نحو اجتماع سريع، ربما يوم الخميس، وأنها سلّمت الإيرانيين عبر الوسطاء خطة من 15 نقطة تتناول البرنامج النووي والصواريخ الباليستية والممرات البحرية، مع بقاء العمليات العسكرية والخطط الميدانية على حالها. هذه هي العقدة كلها. واشنطن تعرض التفاوض، لكنها لا توقف الحرب. وإيران ترد بأنها لن تدخل مفاوضات جديدة فيما القاذفات تعمل، والقوات الأميركية تعزز مواقعها، والحديث الإسرائيلي والأميركي عن أسابيع إضافية من العمليات ما زال قائمًا.
الكاتب والمحلل اللبناني حسن فحص قرأ التفكير الإيراني من زاوية مختلفة، لكنه يصل إلى النتيجة نفسها تقريبًا. فطهران، بحسب تحليله، لا ترى أي تسوية جدية ممكنة من دون وقف إطلاق نار غير مشروط، وضمانات صلبة تمنع العودة إلى الحرب، وتعويضات عن الأضرار التي أصابت الاقتصاد الإيراني. هذا يعني أن الإيرانيين لا يناقشون مجرد نقاط تقنية على ورقة أميركية، بل يطالبون بتغيير كامل في إطار التفاوض نفسه. لذلك يبدو الحديث الأميركي عن “قمة سلام” سابقًا لأوانه، لأن أساس الثقة غائب من الأصل.
الأشد دلالة أن طهران نفت وجود اتصال مباشر أو غير مباشر مع واشنطن، مع اعترافها في الوقت نفسه بوجود مبادرات من دول في الشرق الأوسط. هذا النفي لا يلغي وجود الرسائل، لكنه يوضح كيف تريد إيران ضبط المشهد: لا تريد منح إدارة ترامب انتصارًا دعائيًا مجانيًا، ولا تريد الظهور كمن اندفع إلى الطاولة تحت ضغط النار. لذلك جاء التعبير القاسي المنسوب إلى مصادرها، بأن أميركا “تتفاوض مع نفسها”، تعبيرًا عن رفض الإطار كله لا مجرد تفاصيله.
باكستان ليست وسيطًا بريئًا
الصورة لا تخص إيران وأميركا فقط. تخص باكستان أيضًا. البلد الذي كان لعقود محل ريبة أميركية صار فجأة جزءًا من هندسة التهدئة. هذا التحول يرتبط مباشرة بصعود نفوذ قائد الجيش عاصم منير داخل باكستان، وبالعلاقة الخاصة التي نسجها مع ترامب خلال 2025 و2026. تقارير عدة أشارت إلى أن منير بات الحاكم الفعلي في كثير من الملفات، وأن واشنطن تنظر إليه بوصفه رجلًا قويًا يمكن التعامل معه بمرونة أكبر من الطبقة السياسية الباكستانية الهشة. هنا تحديدًا تصبح الوساطة أداة نفوذ، لا مجرد خدمة دبلوماسية.
الكاتب عبد العظيم الشيخ يضع هذا التحرك داخل مأزق ترامب الأوسع. فالرئيس الأميركي، بحسب تحليله، يواجه حربًا تستنزف الذخائر والاقتصاد والدبلوماسية في آن واحد، مع كلفة ميدانية ومالية متصاعدة، وضغط متزايد بسبب اضطراب الطاقة والملاحة. في هذا السياق، لا تبدو الوساطة الباكستانية بحثًا أميركيًا عن سلام متوازن، بل محاولة لفتح مخرج أقل كلفة بعد أن اتسعت فاتورة الحرب. المعنى السياسي واضح: واشنطن تريد صفقة توقف النزيف، لا مراجعة حقيقية لأصل العدوان ولا لحدود القوة.
ويزيد هذا الفهم قوة أن باكستان نفسها تخوض توترًا مفتوحًا مع أفغانستان، وتدير في الوقت ذاته حدودًا حساسة مع إيران. وقد أعلنت كابول وإسلام آباد هدنة مؤقتة في عيد الفطر، ثم دعا 22 رجل دين من البلدين إلى تمديدها حتى عيد الأضحى، بما يكشف هشاشة الجبهة الباكستانية الداخلية والإقليمية معًا. لذلك فإن دخول إسلام آباد وسيطًا لا ينفصل عن حاجتها إلى منع انفجار إقليمي أوسع قد يصيبها مباشرة، لا عن رغبتها في لعب دور دولي فقط.
ترامب يفاوض بالقصف لا بالدبلوماسية
المشكلة الجوهرية أن إدارة ترامب تريد من إيران أن تقرأ التعزيزات العسكرية على أنها رسالة “جدية”، بينما تقرأها طهران باعتبارها خدعة مكررة. هذا التناقض ليس تفصيلا. هو سبب فشل القناة قبل أن تبدأ. فحين تقول واشنطن إنها مستعدة للمحادثات، ثم تبقي الحشد العسكري قائمًا والخطط العملانية مفتوحة، فهي لا تعرض تسوية بل تعرض استسلامًا مصاغًا في ورقة سياسية. وحين ترفض إيران ذلك، لا يكون السبب تعنتًا مجردًا، بل خبرة تراكمت من جولات سابقة رأت فيها أن الكلام عن الدبلوماسية كان غطاءً لتحركات هجومية.
الكاتب المغربي الطاهر كردلاس يربط الصراع كله بإعادة هندسة الشرق الأوسط لا بمجرد معركة عسكرية عابرة. وهذه ملاحظة حاسمة هنا. فخطة الـ15 نقطة، حتى لو لم تُنشر كاملة، ليست ورقة تقنية معزولة، بل محاولة لإعادة رسم توازن القوة في الإقليم من بوابة الحرب ثم التفاوض. لهذا تبدو باكستان في المشهد الحالي أقرب إلى ناقل شروط أميركية في لحظة اضطراب، منها إلى وسيط محايد بالمعنى الكامل. والتساؤل الحقيقي ليس هل حملت إسلام آباد رسالة ترامب فقط، بل ماذا تريد واشنطن أن تنتزع من طهران قبل أن تقبل أصلًا وقف النار.
وأخيرا فأن الخبر، إذا ثبت بكل تفاصيله، لا يكشف نجاحًا دبلوماسيًا أميركيًا، بل يكشف مأزقًا أميركيًا مضاعفًا. حرب لم تحسم سياسيًا، وقناة تفاوض لا يثق بها الطرف الآخر، ووسيط باكستاني يتحرك في مساحة ملتبسة بين خدمة واشنطن وحماية مصالحه. لذلك جاء الرد الإيراني لاذعًا: الولايات المتحدة تتفاوض مع نفسها. والمعنى الأوضح من العبارة أن طهران ترى في العرض الأميركي محاولة لترتيب شروطها الخاصة لا لإنهاء الحرب على قاعدة متوازنة. هنا بالضبط تكمن الفضيحة: واشنطن تريد أن تُبقي يدها على الزناد، وفي الوقت نفسه تريد من الجميع أن يسموا ذلك دبلوماسية.

