يتواصل إغلاق معبر رفح البري أمام خروج المرضى من قطاع غزة إلى الأراضي المصرية، لليوم الثالث على التوالي، في تطور يعكس تعقيدات متزايدة في ملف الحركة عبر المعبر، ويزيد من حدة الأزمة الإنسانية داخل القطاع المحاصر.
وأكد المسؤول الإعلامي في جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، رائد النمس، أن عمليات إجلاء المرضى توقفت بشكل كامل منذ أيام، موضحًا أن آخر إشعار رسمي وصل الجمعية عبر منظمة الصحة العالمية بشأن تنسيق خروج حالات مرضية كان يوم الأحد الماضي، دون أي تحديثات لاحقة، ما يضع آلاف المرضى في دائرة الانتظار القاتل.
ويأتي هذا التعليق في ظل حالة من الغموض تحيط بآلية تشغيل المعبر، حيث لا تتوفر معلومات واضحة حول مواعيد السفر أو قوائم المغادرين، وسط تحفظ ملحوظ من الجهات المعنية عن الإدلاء بتفاصيل، بدعوى حساسية الوضع.
وبحسب مصدر دبلوماسي في السفارة الفلسطينية بالقاهرة، فإن الأطراف المسؤولة عن إدارة المعبر اتفقت على تقليل التصريحات الإعلامية، في محاولة لضمان استمرار العمل، رغم التحديات السياسية والأمنية.
وفي سياق متصل، كانت بعثة الاتحاد الأوروبي للمساعدة الحدودية قد أعلنت تعليق عملها مؤقتًا داخل المعبر، احتجاجًا على قيام القوات الإسرائيلية باعتقال أحد الفلسطينيين بعد عبوره، قبل أن تعود لمواصلة مهامها وفق التفاهمات القائمة، مع استمرار التنسيق الميداني بين الجانبين المصري والإسرائيلي بشأن تبادل بيانات المسافرين.
ورغم توقف حركة الأفراد، شهد المعبر تحركًا محدودًا في اتجاه إدخال المساعدات، حيث دخلت قافلة إنسانية عبر البوابة الفرعية لمعبر رفح باتجاه معبر كرم أبو سالم، تمهيدًا لإيصالها إلى داخل القطاع، في مؤشر على استمرار تدفق الإغاثة بوتيرة لا تلبي الاحتياجات الفعلية.
في المقابل، تتفاقم الأوضاع داخل غزة بشكل غير مسبوق، إذ حذّر المكتب الإعلامي الحكومي من تداعيات القيود الإسرائيلية المستمرة، والتي تشمل منع إدخال مواد أساسية مثل قطع الغيار والزيوت الصناعية اللازمة لتشغيل المولدات، إضافة إلى حظر دخول إطارات المركبات. واعتبر المكتب أن هذه السياسات تستهدف تعطيل البنية الخدمية والحياتية، ضمن منظومة حصار متكاملة.
وقد انعكست هذه القيود بشكل مباشر على حياة السكان، حيث اضطر الكثيرون لاستخدام وسائل نقل بدائية كالعربات التي تجرها الحيوانات، في ظل شلل شبه كامل بقطاع النقل.
كما تواجه المستشفيات خطر الانهيار نتيجة أزمة الكهرباء، خاصة في أقسام العناية المركزة وغرف العمليات، مع تزايد المخاوف من توقف مصادر الطاقة البديلة.
الأزمة لا تتوقف عند القطاع الصحي، بل تمتد إلى مختلف جوانب الحياة اليومية، إذ يعاني السكان من صعوبة الوصول إلى أماكن العمل ومراكز الإيواء، ما يعمّق من حالة العزلة الداخلية ويزيد من الأعباء المعيشية.
وفيما يتعلق بالإمدادات، دخلت القطاع عبر معبر كرم أبو سالم نحو 121 شاحنة فقط من المساعدات والبضائع، وهو رقم بعيد عن الحد الأدنى المطلوب يوميًا، والذي يُقدّر بنحو 600 شاحنة، بحسب غرفة تجارة وصناعة غزة. ويأتي ذلك بالتزامن مع استمرار إغلاق معابر رئيسية أخرى مثل كيسوفيم وزيكيم، ما يفاقم أزمة الإمدادات.
ورصدت الغرفة التجارية تقلبات حادة في أسعار السلع، خاصة الوقود، مع تسجيل انخفاض طفيف في بعض المواد الغذائية، بينما لا تزال الأسعار عند مستويات مرتفعة مقارنة بما قبل أكتوبر 2023، رغم تراجع مؤشر الأسعار الاستهلاكية إلى 256% بعد أن كان 310% قبل أيام.
في ظل هذه المعطيات، تبدو الأزمة في غزة مرشحة لمزيد من التعقيد، مع استمرار القيود على الحركة والإمدادات، وغياب أفق واضح لحل يضمن تدفق المرضى والمساعدات بشكل منتظم، ما يضع المجتمع الدولي أمام اختبار جديد بشأن قدرته على التدخل لاحتواء كارثة إنسانية متفاقمة.

