في حي كرموز بالإسكندرية، انتهت مأساة أسرة كاملة إلى مشهد دموي لا يمكن فصله عن سياقه الاجتماعي.
التحقيقات الأولية تقول إن شابًا قتل والدته وخمسة من أشقائه داخل الشقة، ثم حاول القفز من الطابق الـ13، قبل أن يمنعه الأهالي. كما أظهرت أقوال التحقيق أن المتهم أقر بتفاصيل الجريمة، وتحدث عن اتفاق سابق مع الأم على إنهاء حياة الأسرة كلها.
الواقعة لم تعد مجرد خبر حوادث. هي ملف كامل عن الانهيار حين تُترك أسرة وحدها أمام المرض والعوز والاختناق.
الجريمة لم تبدأ بالقتل
المعطيات الأولية لا تشير إلى انفجار مفاجئ فقط. بل إلى تدهور طويل سبق لحظة القتل. الأسرة كانت تعيش تحت ضغط قاسٍ. الأم مريضة بالسرطان منذ سنوات. الأب منفصل عنها، ومتهم بالامتناع عن الإنفاق، وفق ما تردد في أقوال الشهود والتغطيات المرتبطة بالتحقيق.
هذا المسار انتهى إلى قرار قاتل داخل منزل مغلق، لا داخل عصابة ولا في شارع عام. هنا أصل الفضيحة. الدولة لا ترى الأسرة إلا بعد خروج الجثامين.
هذا النوع من الجرائم لا يُقرأ باعتباره فعلًا فرديًا معزولًا.
الدكتور وليد هندي، استشاري الطب النفسي، قال إن كثيرًا من وقائع العنف الأسري ترتبط باضطرابات نفسية غير معالجة، وأن الوصمة والخوف من الإبلاغ يتركان العلاقات العنيفة تتضخم حتى تصل إلى مراحل أكثر خطرًا، كما شدد على أهمية العلاج النفسي متى وُجدت إرادة حقيقية للتدخل.
كلامه لا يفسر جريمة كرموز وحدها، لكنه يضع إصبعًا على فجوة واضحة: الانهيار النفسي في مصر يُترك غالبًا بلا رصد مبكر ولا تدخل جدي.
في كرموز، لا تبدو القصة منفصلة عن هذا الفراغ. أم مريضة. ضائقة ممتدة.
بيت يختنق من الداخل. ثم اعترافات تتحدث عن اتفاق على الموت. هذا التتابع يفضح عجز شبكات الحماية الاجتماعية والصحية معًا. لا توجد هنا لغة إنشائية تصلح. توجد أسرة وصلت إلى حافة اليأس ثم عبرتها.
والسؤال ليس كيف وقعت الجريمة فقط، بل كيف تُركت كل الإشارات السابقة بلا استجابة.
العنف الأسري ليس استثناءً
الواقعة صادمة، لكنها لا تأتي من فراغ. تقارير الرصد الخاصة بالعنف ضد النساء في مصر تظهر أن العنف الأسري القاتل ليس نادرًا.
ووفق بيانات نقلتها اندبندنت عربية عن تقرير لمؤسسة "إدراك للتنمية والمساواة" لعام 2024، جرى رصد 1195 جريمة عنف ضد الفتيات والنساء، بينها 261 جريمة قتل نتيجة عنف أسري، كما سجلت المحافظات المركزية، ومنها الإسكندرية، العدد الأكبر من هذه الوقائع.
حين تتكرر الجرائم داخل البيت، فالمشكلة لم تعد في "شخص مختل" فقط. المشكلة في بنية كاملة تنتج الخطر ثم تنكره.
الدكتورة سامية خضر، أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، ربطت بين الجرائم الأسرية والتفكك الأسري والحالة الاقتصادية، وقالت إن الضغوط المعيشية ترتبط بزيادة معدلات الجريمة.
هذا الربط مهم هنا لأن جريمة كرموز خرجت من بيت مأزوم لا من فراغ اجتماعي. الفقر لا يقتل وحده. لكنه مع المرض، والهجر، والعزلة، وغياب التدخل، يفتح الطريق إلى كوارث كان يمكن وقفها قبل أن تتحول إلى مذبحة.
الأخطر أن بعض الخطاب الرسمي والإعلامي يهرب سريعًا إلى التوصيف الجنائي الضيق.
هذا يريح السلطة ولا يشرح الواقع. حين تتزايد كلفة الحياة، وتتراجع القدرة الشرائية، وتُدفع أسر كاملة إلى هامش النجاة، فإن الاستقرار الأسري نفسه يدخل دائرة الخطر.
الجريمة هنا ليست معادلة اقتصادية صماء، لكنها أيضًا ليست منفصلة عن اقتصاد يضغط على البيوت حتى الانكسار.
الفراغ القانوني والنفسي يدفع الثمن بعد فوات الأوان
الشق النفسي وحده لا يكفي. والحديث الأمني وحده أقل كفاية.
محمود الروبي، المحامي والمستشار المتخصص في المحاكم الجنائية والمدنية والاقتصادية، قال إن النصوص القانونية المصرية الخاصة بالعنف الأسري ما تزال متفرقة، ولا توفر حماية عاجلة أو إطارًا شاملًا للتدخل، بما يترك الضحايا في دائرة بطء إجرائي وفقدان أمان.
هذه الملاحظة تتجاوز القانون إلى السياسة العامة كلها. فالدولة تتحرك بقوة بعد الجريمة، لكنها أضعف بكثير قبلها.
لذلك، جريمة كرموز لا تحتاج فقط إلى تحقيق جنائي كامل. تحتاج إلى مساءلة مباشرة لسياسات الحماية الاجتماعية، وخدمات الصحة النفسية، وآليات الرصد المبكر للأسر الأكثر هشاشة.
أم مريضة بالسرطان. أب غائب عن الإنفاق. أبناء داخل دائرة اختناق منزلي. ثم لا أحد يظهر إلا بعد الموت. هذه ليست مأساة منزلية خاصة. هذه نتيجة عامة لفشل عام.
المطلوب الآن ليس خطاب تعاطف عابر ولا تغليظًا لفظيًا فقط. المطلوب توسيع خدمات الدعم النفسي، وكسر وصمة طلب المساعدة، وبناء تدخل اجتماعي مبكر للأسر المعرضة للانهيار، مع إطار قانوني واضح وسريع للحماية من العنف داخل البيت.
من دون ذلك، ستظل كرموز عنوانًا جديدًا في سلسلة قديمة، وسيبقى الدم هو اللغة الوحيدة التي تدفع الدولة إلى الانتباه.

