أعلنت شركة “أركيا”، ثاني أكبر شركات الطيران الإسرائيلية، نقل جزء كبير من نشاطها التشغيلي من مطار بن غوريون إلى مطاري طابا في مصر والعقبة في الأردن، بعد قرار وزارة النقل الإسرائيلية خفض عدد المغادرين من بن غوريون إلى 50 راكبًا فقط في الرحلة الواحدة، مع تقليص الإقلاع والهبوط إلى رحلة واحدة في الساعة. القرار لم يأتِ في سياق تجاري عادي. جاء تحت ضغط الحرب والقيود الأمنية، وفي لحظة أصبحت فيها المطارات العربية المجاورة جزءًا من الممر الذي تعيد عبره إسرائيل وصل نفسها بالعالم.
ما تقوله “أركيا” واضح. الشركة لا تتحدث عن توسع اختياري ولا عن افتتاح خطوط جديدة لأسباب سوقية. الرئيس التنفيذي للشركة أوز بيرلوفيتش قال إن النشاط الجوي المنتظم “لا يمكن الحفاظ عليه” تحت الإطار الحالي، وإن الشركة تستعد لنقل التشغيل إلى العقبة وطابا حفاظًا على “استمرارية الطيران” بقدر الإمكان. وأضاف أن الرحلات من العقبة وطابا ستُشغَّل بطائرات أجنبية، كما حدث في بداية الحرب. هذه ليست إعادة جدولة عادية. إنها اعتراف مباشر بأن مطار بن غوريون لم يعد قادرًا على حمل الحد الأدنى من التشغيل الاقتصادي لشركة تعتمد على طائرات ذات سعة أعلى من 50 مقعدًا للرحلة.
بن غوريون يختنق.. و“أركيا” تنقل التشغيل خارج إسرائيل
القيود التي فرضتها تل أبيب ليست هامشية. وزارة النقل الإسرائيلية خفضت بالفعل عدد الركاب المسموح لهم بالمغادرة من 120 إلى 50 راكبًا في الرحلة، مع الإبقاء على حد صارم لحركة الطائرات في المطار، وذلك بعد تزايد القلق من الهجمات الصاروخية الإيرانية على العمق الإسرائيلي. “وول ستريت جورنال” وصفت القيود بأنها تشديد إضافي على الخروج الجوي من إسرائيل، فيما نقلت “تايمز أوف إسرائيل” أن القرار دخل حيز التنفيذ اعتبارًا من مساء 23 مارس، بالتزامن مع استمرار الضربات الإيرانية وحالة الارتباك في السفر قبيل موسم الفصح.
هذه ليست المرة الأولى التي تتحول فيها طابا والعقبة إلى بديل طارئ. رويترز ذكرت في 2 مارس أن “أركيا” و”إسرائير” بدأتا بالفعل ترتيبات لرحلات إنقاذ إلى طابا والعقبة “رهنا بالموافقات الحكومية والأمنية”، ثم عادت رويترز في 4 مارس لتؤكد أن الشركتين تشغلان رحلات متعددة يوميًا عبر طابا والعقبة لنقل عالقين، قبل أن يتحول هذا المسار الآن إلى جزء أكبر من التشغيل المنتظم بفعل القيود الجديدة على بن غوريون. أي أن ما كان مخرجًا مؤقتًا في بداية الحرب يتجه الآن إلى أن يصبح قناة تشغيل أوسع.
والأثر الأمني لم يعد قابلًا للفصل عن القرار التجاري. تانيا هارتر، رئيسة جمعية الطيارين الأوروبية، قالت لرويترز إن الطيارين المدنيين “غير مدربين على التعامل مع هذا النوع من التهديدات في الجو”، مضيفة أنها كطيارة لا تريد “مشاركة المجال الجوي مع الصواريخ”. هذه الشهادة لا تخص إسرائيل وحدها، لكنها تشرح الخلفية التي تدفع الشركات إلى البحث عن مسارات بديلة أقل مخاطرة، ولو عبر مطارات خارج حدودها. حين يصبح المجال الجوي نفسه مهددًا، تصبح الجغرافيا السياسية جزءًا من جدول الرحلات.
طابا في قلب المسار الجديد.. ومصر بلا شرح علني
في الجانب المصري، الثابت حتى الآن هو أن طابا تحولت بالفعل إلى معبر ومركز عبور رئيسي منذ بداية الحرب. وزارة السياحة الإسرائيلية شغلت حافلات إلى معبر طابا منذ 2 مارس لإخراج سياح وعالقين، والسفارة الأمريكية في القدس والسفارة الأمريكية في القاهرة نشرتا تحديثات متتالية تعتبر طابا واحدًا من المسارات المتاحة للخروج من إسرائيل أو مواصلة السفر عبر جنوب سيناء. كما نقلت تقارير ميدانية أن طابا شهدت زيادة في الحركة الفندقية والعبور مع تحوّلها إلى نقطة انتقال للمسافرين القادمين من إسرائيل.
لكن النقطة السياسية الأشد حساسية هي أن القاهرة لم تصدر، حتى وقت كتابة هذا النص، بيانًا علنيًا مفصلًا يشرح شروط استقبال هذا النمط من التشغيل الإسرائيلي التجاري من طابا، ولا حدود ما جرى الاتفاق عليه، ولا إن كان الأمر مقصورًا على ظروف الحرب أم يتجه إلى صيغة أطول. هنا لا توجد مساحة للفبركة. ما هو مؤكد فقط أن “أركيا” قالت إنها ستنقل نشاطًا إلى طابا، وأن المعبر والمطار المصريين يُستخدمان فعلًا منذ أسابيع كممر خروج ودخول مرتبط بالأزمة الجوية الإسرائيلية. أما الترتيبات السياسية المصرية المعلنة، فليست واضحة حتى الآن في المصادر المفتوحة التي أمكن التحقق منها.
في الخلفية، لا يمكن عزل هذا التحول عن الضغط الأوسع على مصر من الحرب نفسها. رويترز نقلت في 18 مارس أن فاتورة واردات الطاقة المصرية الشهرية قفزت من 560 مليون دولار إلى 1.65 مليار دولار لنفس الكميات تقريبًا، مع صعود النفط من 69 دولارًا إلى 108.50 دولار للبرميل، في وقت تدرس فيه الحكومة المصرية إجراءات لتقليل استهلاك الطاقة. هذا يعني أن مصر تدخل هذه اللحظة وهي تحت ضغط اقتصادي حاد، بينما تتحول أراضيها في طابا إلى حل لوجستي لشركة طيران إسرائيلية تبحث عن منفذ بديل.
تحول إقليمي تحت ضغط الحرب لا “تطبيعًا جويًا” عاديًا
المسألة لا تتوقف عند “أركيا” وحدها. “تايمز أوف إسرائيل” أكدت أن “أركيا” ستبقي حدًا أدنى من الحركة من بن غوريون إلى أثينا ولارنكا، لكنها تنقل الجزء الأكبر من التشغيل البديل إلى طابا والعقبة. و”يديعوت” رصدت بالفعل اندفاع الإسرائيليين إلى مسارات السفر عبر مصر والأردن بسبب نقص المقاعد وارتفاع الأسعار. النتيجة العملية أن المطارات العربية لم تعد في هذه الأزمة مجرد جوار جغرافي لإسرائيل، بل صارت جزءًا من شبكة الإنقاذ والتشغيل البديل لشركاتها.
ويلي والش، المدير العام لاتحاد النقل الجوي الدولي، قال لرويترز إنه “لا يوجد منتصرون” في أزمة الشرق الأوسط، وإن التصعيد سيدفع أسعار التذاكر إلى الصعود ويضغط على القطاع كله. هذا التقدير يفسر لماذا لا تنظر الشركات إلى طابا والعقبة باعتبارهما رفاهية تشغيلية، بل كتكلفة اضطرارية لتجاوز اختناق بن غوريون وارتفاع مخاطر الحرب وسعر الوقود معًا. من هنا تبدو الخطوة أخطر من مجرد تعديل مسار. إنها تكشف كيف تدفع الحرب إسرائيل إلى استهلاك المجال العربي المحيط بها كمخرج لوجستي مباشر، فيما يظل السؤال السياسي مفتوحًا: هل هذا إجراء استثنائي عابر، أم بداية لترتيب جديد يفرضه السلاح ثم يتوسع بالنقل والتجارة؟

