لم تعد الأزمة الاقتصادية في مصر تُقاس فقط بسعر الدولار أو موجات الغلاء أو أرقام الدين العام، بل صارت تُقاس أيضًا بما يحدث يوميًا داخل المستشفى الحكومي والفصل المدرسي.

هناك، حيث يفترض أن تحضر الدولة بكل ثقلها، يظهر العكس تمامًا: خدمة أضعف، أعباء أعلى، ومواطن يُطلب منه أن يدفع أكثر ليحصل على أقل.

وما تكشفه قراءة الأرقام والميزانيات والتقديرات الحقوقية ليس مجرد “ضغوط ظرفية”، بل خللًا ممتدًا في ترتيب الأولويات؛ إذ تتآكل الخدمات الأساسية بينما تتضخم كلفة الديون، ويُترك المواطن وحيدًا في مواجهة نظام عام يفقد قدرته على الحماية والإنصاف.

في هذا المشهد، لا تبدو الحكومة وكأنها تدير أزمة، بل كأنها تُرحّلها من خانة الاقتصاد إلى صدور المرضى وحقائب أولياء الأمور، ثم تطلب من الناس الصبر على نتائج سياسات لم يشاركوا في صنعها.

 

الموازنة في خدمة الدائنين.. لا في خدمة المواطنين

 

جوهر الأزمة يبدأ من هنا: من موازنة عامة تقول أرقامها بوضوح إن الدولة تنفق على سداد الديون أكثر مما تنفق على بناء إنسان قادر على الحياة والعمل.

تحليل المبادرة المصرية للحقوق الشخصية لموازنة 2024/2025 أشار إلى أن فوائد الديون تبتلع وحدها نصيبًا يفوق الأجور والدعم والتعليم والصحة مجتمعين، وأن 91% من حصيلة الضرائب المتوقعة تذهب إلى فوائد الديون، بينما يقل نصيب الفرد من الإنفاق الحكومي على الصحة عن 1900 جنيه سنويًا.

وفي مشروع موازنة 2025/2026، أظهرت قراءة منشورة أن الإنفاق على التعليم يبلغ 315.095 مليار جنيه بما يعادل 1.54% من الناتج المحلي، والإنفاق على الصحة 246.191 مليار جنيه بما يقارب 1.21%، وهي نسب تقل عن الحدود الدستورية التي يفترض أن تلتزم بها الدولة.

 

هذه الصورة يفسرها الدكتور محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي، بلهجة لا تحتمل التجميل؛ إذ قال إن هيكل الموازنة “ما زال يعاني من أزمة حقيقية”، لأن النسبة الأكبر من الإنفاق العام موجهة لسداد أعباء الدين، وهو ما يحد من قدرة الدولة على التوسع في الإنفاق التنموي والاستثماري.

وبحسب عرضه، فإن نحو 65% من إجمالي الإنفاق العام يذهب لسداد الديون وخدمتها، ما يعني ببساطة أن الدولة تُدار بعقلية إطفاء حرائق مالية، لا بعقلية بناء خدمات عامة محترمة.

هذا ليس مجرد اختلال محاسبي، بل إعلان صريح أن المواطن يأتي بعد الدائن، وأن المدرسة والمستشفى في آخر الصف.

 

ومن زاوية أعمق، يضع الدكتور عمرو عادلي، الباحث في الاقتصاد السياسي، اليد على الجذر الحقيقي للمشكلة، حين يشير إلى أن عبء خدمة الدين الخارجي صار “مبلغًا بالغ الضخامة بالنسبة لقدراتنا”، وأن تضخم الديون تحول إلى عبء يصعب التفاوض حوله أو الإفلات من كلفته.

عادلي لا يتحدث عن أرقام مجردة، بل عن دولة باتت محكومة بإكراهات الدين أكثر مما هي محكومة باحتياجات مواطنيها.

وعندما تصبح الأولوية القصوى هي الوفاء بالتزامات المقرضين، فإن النتيجة الطبيعية هي تراجع الاستثمار في البشر، وانكماش قدرة الحكومة على صيانة ما تبقى من خدمات عامة.

هنا لا تعود الأزمة الاقتصادية شأنًا ماليًا معزولًا، بل تتحول إلى سياسة يومية تُفرغ الصحة والتعليم من مضمونها.

 

الصحة تدفع الثمن مرتين.. مرة في الموازنة ومرة من جيوب المرضى

 

القطاع الصحي هو أول من يدفع فاتورة هذا الاختلال، وربما أكثر القطاعات التي تكشف الفجوة الصادمة بين الخطاب الرسمي والواقع الفعلي.

فحين يكون الإنفاق العام على الصحة عند حدود 1.21% تقريبًا من الناتج المحلي في موازنة 2025/2026، بينما تبقى المخصصات دون الاستحقاق الدستوري، فإن أي حديث عن “تحسين الخدمة” يصبح صعب التسويق أمام المواطن الذي يبحث عن سرير أو دواء أو طبيب متاح.

هيومن رايتس ووتش قالت بوضوح إن الحكومة المصرية قوّضت الحق في التعليم والرعاية الصحية عبر الفشل في تخصيص إنفاق كافٍ، وربطت هذا النقص بارتفاع الكلفة على المواطنين وبالعجز في الكوادر والموارد.

المنظمة أشارت كذلك إلى أن النظام الصحي يعاني من تدني الأجور، ونقص في أعداد التمريض يُقدر بـ75 ألف ممرض وممرضة، فيما قدّرت منظمة الصحة العالمية أن أكثر من 57% من نفقات الرعاية الصحية في مصر دُفعت من جيوب المواطنين في 2023، وهو رقم كاشف لمدى تراجع الحماية الصحية العامة.

 

ويعبّر عمرو مجدي، الباحث الأول في شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في هيومن رايتس ووتش، عن هذه الصورة بعبارة مباشرة وحادة، حين قال إن الحكومة “فشلت لسنوات في ضمان الحق في التعليم والصحة للجميع كما يظهر من نقص التمويل المزمن”، مضيفًا أن غياب التمويل الكافي للصحة والتعليم يعكس “لامبالاة عميقة” بحقوق المواطنين.

قيمة هذا التوصيف أنه لا يتعامل مع التراجع في الخدمات باعتباره سوء حظ أو نتيجة عابرة للأزمة العالمية، بل نتيجة مباشرة لأولويات حكومية اختارت أن تضغط على الحقوق الأساسية بدلًا من حمايتها.

وهذا ما يفسر لماذا صار العلاج في كثير من الأحيان مشروطًا بالقدرة على الدفع، لا بالحق في الرعاية.

 

وعندما تُدفع كلفة الصحة إلى جيب المواطن، يتشوه معنى الخدمة العامة نفسه.

الفقير لا يواجه فقط مستشفى أقل تجهيزًا، بل يواجه أيضًا صيدلية أغلى، وتحاليل أعلى كلفة، ودواءً قد لا يجده أصلًا.

وهكذا تتحول الأزمة الاقتصادية إلى غربال اجتماعي قاسٍ: من يملك يستكمل علاجه، ومن لا يملك يتدبر أمره كما يستطيع.

هذه ليست مجرد “ضغوط على القطاع الصحي”، بل نقل منظم لعبء الأزمة من الدولة إلى الأسر، وهو ما يجعل الفشل في الصحة أحد أكثر وجوه الأزمة الاقتصادية قسوة ووضوحًا.

 

التعليم الرسمي يتآكل.. والمدرسة الحكومية تُترك لمصيرها

 

إذا كان المستشفى الحكومي يكشف هشاشة الحماية الصحية، فإن المدرسة الحكومية تكشف حجم الانكماش في فكرة العدالة الاجتماعية نفسها.

الأرقام المتداولة في التقديرات الحقوقية تشير إلى نقص حاد في الفصول وعجز ضخم في المعلمين.

هيومن رايتس ووتش نقلت عن تصريحات رسمية في 2024 وجود عجز بنحو 250 ألف فصل، وأشارت إلى أن أحجام الفصول في المدارس الحكومية تتراوح في المتوسط بين 43 و55 تلميذًا، مع وجود حالات وصلت فيها الكثافة إلى 200 طالب في الفصل، فضلًا عن عجز في أعداد المعلمين قفز إلى 469 ألفًا في 2024.

في ظل هذه الأرقام، يصبح أي حديث عن “تطوير التعليم” بلا معنى حقيقي إذا لم يبدأ أولًا من إنقاذ البنية الأساسية المنهكة للعملية التعليمية.

 

هذا ما يقوله بوضوح الدكتور كمال مغيث، الكاتب والباحث بالمركز القومي للبحوث التربوية، الذي يصف ما يجري بأنه امتداد لـ“مسلسل خراب التعليم”.

مغيث يرى أن فتح الباب لمنطق الربح في التعليم، مع انهيار وضع التعليم الحكومي وتدهور أوضاع المعلمين، قاد إلى مشهد شديد القسوة: مدارس خاصة “تتجبر” في مواجهة أولياء الأمور بسبب انهيار البديل الحكومي، ومعلمون صاروا أفقر وأضعف، وعجز في التعيينات وصل ــ بحسب طرحه ــ إلى مستويات مهينة دفعت الوزارة لاقتراح بدائل مثل العمل بالحصة والتطوع وعودة أصحاب المعاشات.

في هذه القراءة، المشكلة لم تعد في منهج أو امتحان أو اسم نظام جديد، بل في أن الدولة تخلت فعليًا عن التعليم بوصفه مشروعًا وطنيًا، وتركت المدرسة الحكومية تتآكل حتى فقدت قدرتها على أداء دورها الأساسي.

 

والنتيجة السياسية والاجتماعية لهذه السياسات أخطر من مجرد تراجع جودة التعليم.

فحين تضعف المدرسة الحكومية، لا يتضرر الجميع بالقدر نفسه؛ المتضرر الأول هو ابن الأسرة التي لا تستطيع شراء البديل.

وهكذا تتحول الأزمة الاقتصادية إلى آلة لإعادة إنتاج التفاوت: أبناء القادرين ينتقلون إلى مدارس أفضل أو دروس أعلى كلفة، وأبناء الفقراء يُتركون داخل نظام مثقل بالكثافات والعجز والارتباك.

لذلك فإن تدهور التعليم هنا ليس خللًا قطاعيًا فقط، بل مسارًا يضرب جوهر فكرة تكافؤ الفرص، ويعمّق الشعور العام بأن الدولة انسحبت من إحدى أهم وظائفها.

 

وأخيرا فما يجري في الصحة والتعليم ليس أثرًا جانبيًا للأزمة الاقتصادية، بل هو أحد أوضح نتائجها السياسية والاجتماعية.

حين تُدار الدولة بمنطق سداد الديون أولًا، ثم مطالبة المواطنين بتحمل الباقي، فإن الخدمات العامة تتحول إلى ساحة مفتوحة للتراجع والإهمال وتآكل الثقة.

الحكومة قد تواصل الحديث عن “الإصلاح” و”زيادة المخصصات”، لكن الوقائع تقول إن المواطن يرى مستشفى أفقر ومدرسة أضعف وفاتورة معيشية أثقل.

وهذه هي الحقيقة التي يصعب تغليفها بالشعارات: الأزمة لم تعد في الاقتصاد فقط، بل في الطريقة التي اختارت بها السلطة توزيع كلفة الانهيار.

والنتيجة أن المصريين لا يدفعون اليوم ثمن الغلاء وحده، بل ثمن أولويات حكومية جعلت الحق في العلاج والتعليم أقل حضورًا من حق الدائن في التحصيل.